Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لقاح كورونا آت لكن طريقه قد تتألف من... 18 شهرا!

قبل ثورة الجينات، استلزم صنع اللقاحات سنوات طويلة

يحيط فيروس "كوفيد 19" نفسه بما يشبه التاج المصنوع من الأشواك التي يستخدمها كمفاتيح للدخول إلى خلايا البشر. هل يمكن تحطيم تلك الأشواك؟ (3 دي فور ميديكال.أورغ)

من يذكر فيلم "وباء" (بطولة داستن هوفمان ورينيه روسو) الذي ظهر في 1995؟ يرسم الفيلم صورة وباء فيروسي ينتقل من عالم الحيوان إلى الإنسان، فيُحدِثْ حمى قوية مع مرض تنفسي شديد الوطأة. ولأن الفيروس جديد على أجساد البشر وخرج للمرة الأولى من عوالم الحيوانات إلى الإنسان، يكون الأفراد شديدي الضعف إزاءه، فينتشر بسرعة كبرى ويؤدي إلى الموت. ومع تفشّي ذلك الفيروس، وعدم وجود علاج له، يفقد الأطباء كلّ أمل في وقفه سوى... اكتشاف لقاح ضده. وغني عن القول إنّ بقية الفيلم تدور حول العثور على المصدر الأول للوباء (= الحيوان الذي نقل الفيروس إلى البشر) وصنع مصل مقاوم له. بالتالي، دحر ذلك الوباء المرير.

الأرجح أن أخيلة كثيرة من تلك القصة تحضر في الانتشار الحالي لوباء كورونا المستجد الذي يشتهر أيضاً باسم "كوفيد-19" COVID 19، وهو مصطلح يختصر نسبته إلى عائلة فيروسات كورونا، مع إشارة إلى انطلاقه في أواخر 2019. وقد أدى انتشاره السريع إلى تصاعد الضغوط على الشركات الكبرى في صناعة الأدوية كي تعجّل في صنع لقاح ضده. وعلى عكس الصورة السينمائية، ليس أمر صنع اللقاح بالسهولة التي ترسمها الشاشات.

وقبل حوالى 3 أشهر، انطلق "كوفيد-19" من الصين، مسبباً مرضاً تنفسياً تتضمّن أعراضه الحمى والسعال وحتى الالتهاب الرئوي في بعض الحالات الشديدة. ومنذها، اكتسح الفيروس 72 بلداً، وأصاب ما يربو على مئة ألف شخص وقضى على ما يزيد على 4 آلاف شخص. وليست قوّة فتك الفيروس هي السبب في الذعر الشديد المرافق لانتشاره، والتهافت المذهل على كمامات ومسارعة دول كثيرة إلى إغلاق منافذها وفرض حظر على كبريات مدنها وتعليق السفر منها وإليها. حتى الآن، تقدّر "منظمة الصحة العالمية" معدل وفيات الفيروس عالمياً بحوالى 3,4 في المئة، ما يقل كثيراً عن أوبئة أخرى جاءت من فيروسات كورونا كـ"سارس" SARS و"حمى الشرق الأوسط التنفسية الحادة" (= "ميرس" MERS). وإذ قيل ذلك، صارت لزاماً الإشارة أيضاً إلى أنه أشدّ قليلاً من معدل الوفيات بين مرضى الإنفلونزا التقليدية الموسمية الذي يُقدر بحوالى 0,2 في المئة. في المقابل، يتميّز "كوفيد- 19" بأنه شديد العدوى لكن، يشفى معظم من يُصابون به خلال أسبوع أو اثنين، من دون الحاجة إلى دخول المستشفى.

إذاً، الأرجح أن ما يخيف الناس من "كوفيد- 19" يتمثّل في أنه فيروس جديد.

في الولايات المتحدة والدول المتقدمة (خصوصاً في النصف الشمالي من الكرة الأرضية) ومنطقة الشرق الأوسط، لا يحدث كثيراً أن تنطلق أوبئة مجهولة. واعتاد الأشخاص أن تكون لديهم صورة عن الأمراض التي تنتشر في بيئتهم. بالتالي، يكون لديهم بعض الأجوبة عن مساراتها، وكذلك خطط لتلافي الإصابة بها. وفي تلك المناطق أيضاً، مكّنت اللقاحات الأفراد من التخلص من أمراض وبائية عدّة، بعضها كان مشهوراً فيها. وينطبق ذلك على أمراض كالحصبة والتهاب الكبد الوبائي وشلل الأطفال. وإذا كُنتَ ممّن يحرصون على أخذ لقاح الإنفلونزا سنوياً، فالأرجح ألاّ يكون أسوأ ما يصيبك سوى نوبة زكام عابرة.

من يقف ضد رغبة ترمب؟

لعلّ ذلك يفسر توق الأميركيين الشديد إلى الحصول بسرعة على لقاح ضد "كوفيد- 19". وقد نقل الرئيس دونالد ترمب إلى مديري شركات الأدوية أثناء لقائهم في البيت الأبيض قبل أيام، رغبته في ظهور لقاح ضد ذلك الفيروس قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر (تشرين ثاني) المقبل.  

ربما لا يكون مستطاعاً تحقيق تلك الرغبة الرئاسية، إذ يستلزم صنع لقاحات مأمونة وفاعلة، الحصول على تمويل ملائم، وبذل جهد علمي متقدم، إضافةً إلى عنصر الوقت. وثمة تحديات أخرى في ذلك المسار. وعلى الرغم من ذلك، تنهض مؤسسات علمية وشركات كبرى يفوق عددها الـ30، بمهمة اكتشاف اللقاح المنتظر وصنعه. وفي السطور التالية، تجد معلومات أساسية كثيرة عن "كوفيد- 19"، مع التشديد على ضرورة متابعة المستجدات والمتغيّرات المتصلة بالمعلومات عن هذا الفيروس الجديد.

وكنقطة بداية، يجدر التنبّه إلى أنّ اللقاحات كلها تعمل وفق المبدأ العلمي ذاته، إذ يحاول العلماء صنع شيء ما تكون تركيبته قريبة من العنصر المُسبّب للعدوى، ثم يحقنون جسم الإنسان به بكميات صغيرة كي يتعامل معه جهاز المناعة. وينعقد الأمل على قدرة جهاز المناعة في توليد دفاعات مناسبة تتغلب عليه، إضافةً إلى صنع نوع من الذاكرة عن ذلك العنصر، فإذا دخل ثانية، يتمكن جهاز المناعة من التصدي له بفاعلية. تالياً، يكون سرّ النجاح في تلك المناورة متمثّلاً في ألاّ يتأثر الجسم الذي يُعطى اللقاح بالعنصر الذي يحتويه، إلى حدّ سقوطه فريسة المرض به.

استطراداً، هنالك طرق عدّة لصنع لقاح، لكن الهدف يتمثّل دوماً في أن يأتي اللقاح ضمن ذلك التوازن الهش بين قدرته على توليد رد فعل مناعي ضد المرض من جهة، وعدم حدوث مرض من العنصر الذي يتضمّنه اللقاح [نظراً إلى تشابهه أصلاً مع العنصر المُسبب للمرض] من الجهة الأخرى.

تتمثّل إحدى طُرُق صنع اللقاح في أخذ العنصر البيولوجي الذي يسبب المرض [كأن يكون فيروساً معيناً]، ثم توهينه أو إضعافه إلى حدّ يغدو معه غير قادر على إحداث مرض، لكنه يبقى عنصراً فاعلاً وحيّاً. كيف يحصل ذلك؟ للتوصل إلى تلك النتيجة، يلجأ العلماء غالباً إلى زرع العنصر المُسبب للمرض في مجموعة من الخلايا المأخوذة من حيوانات متنوعة. ويؤدي ذلك إلى تغيير في تركيبة العنصر المرضي (بالأحرى توهينه)، تحت تأثير ردّة فعل الخلايا الحيوانية عليه. ثم تتكرّر تلك العملية في دورات متتالية، ما يؤدي إلى الحصول على مجموعة من النسخ عن العنصر المرضي تكون كلها ضعيفة بالمقارنة مع الأصل. واستطراداً، تكون النسخ الضعيفة كلها على درجة كبيرة من التشابه مع العنصر المرضي الأصلي، ما يجعلها صالحة كي "يتدرّب" جهاز المناعة عليها. وفي خطوة تالية، يختبر العلماء النُسخ الضعفية، ثم يختارون النُسخ الأكثر قدرة على تحقيق التوازن بين تحريك جهاز المناعة من جهة، وعدم إحداث مرض من الجهة الأخرى. ومن الأمثلة المعروفة على ذلك، لقاحات الحصبة والنُكاف (= التهاب الغدد اللعابية) والسلّ.

ثمة نوع آخر من اللقاحات تسمّى اللقاح المثبّط. وتُصنع بواسطة "قتل" العنصر المُسبب للمرض، سواء كان بكتيريا أو فيروس، واستخدام النسخ "الميتة" منه لقاحاً. في تلك الحال، تستخدم مواد كيماوية أو كميات من الحرارة، لقتل العنصر المُسبّب للمرض. وأحياناً، يجري التوصل إلى النتيجة ذاتها عبر اقتطاع جزء من العنصر المسبب للفيروس واستخدامه لقاحاً. وغني عن القول إن الجزء "المقطوع" يُعتبر ميتاً من وجهة نظر بيولوجية، بمعنى عدم قدرته على التسبّب في مرض، لكنه يحتفظ بالكثير من ملامح تركيبة العنصر المرضي، ما يجعله صالحاً ليكون لقاحاً.

تعطيل مفاتيح الأوبئة

ثمة مقاربة أخرى في صنع اللقاح تتمثّل في إجراء بحوث على تركيبة العنصر المُسبب للمرض، بهدف التعرف على "المفتاح" الذي يستخدمه في الدخول إلى خلايا جسم الإنسان. وفي غالبية الحالات، يكون ذلك "المفتاح" موجوداً على السطح الخارجي للعُنصر المُسبب للمرض.

هل يمكن تعطيل ذلك "المفتاح" المرضي؟ نعم، إذ يُجري العلماء بحوثاً دقيقة كي يتعرفوا على التركيبة الجينية لذلك "المفتاح" التي تكون عادة مُكوّنة من مجموعة من البروتينات الحيوية. وبعدها، يأخذون تركيبة "المفتاح" [بالأحرى، البروتينات التي تؤلّف "المفتاح"] ويُدخِلونها في بكتيريا أو خميرة، ثم يعملون على تكاثر تلك البكتيريا أو الخميرة بكميات كبيرة، كي تكون أساساً لصنع اللقاح المرتجى. كيف؟ عندما تدخل البكتيريا أو الخميرة التي تحتوي على "المفتاح"، يعمل جهاز المناعة في الجسم على مواجهتها، ويصنع أجساماً مناعية تضرب تلك المُكوّنات، بما في ذلك التركيبة البروتينية لـ"المفتاح" فيها. بالتالي، تصبح تلك الأجسام المناعية المُضادة لـ"المفتاح"، أداة تمنع العنصر المُسبب للمرض من استخدام "المفتاح" في الدخول إلى خلايا الإنسان وإحداث مرض فيه.

في السياق عينه، يعمد بعض العلماء إلى الاشتغال مباشرة على التركيبة البروتينية "المفتاح"، ويُدخِلون بعض التعديلات عليها، فتُصبح كأنها "مفاتيح مُعَطّلَة" بمعنى أنها غير صالحة لتكون أداة لإدخال العنصر المرضي إلى الخلايا، على الرغم من شبهها بالـ"مفاتيح" المُسببة للأمراض. واستطراداً، تلتصق تلك "المفاتيح" المعطّلة بالخلايا في المناطق التي تستعملها "مفاتيح" العنصر المرضي، فيتعطّل مسار دخول المرض إلى الخلايا. وفي هذا المسار، غالباً ما يتطلّب الأمر إعطاء جرعات متكررة من اللقاح المُكوّن من "مفاتيح معطلة" للاستمرار في حماية الجسم من المرض، لكنها أيضاً أقل خطورة من اللقاحات التي تُصنع بواسطة توهين البكتيريا أو الفيروس المُسبب للمرض. بالتالي، لا تتسبب في ردود فعل جانبية كبيرة في الجسم.

ومن أشهر اللقاحات المصنوعة بواسطة توهين الفيروس تلك المستخدمة لمكافحة فيروسات شلل الأطفال والكَلَبْ والتهاب الكبد الفيروسي الوبائي (من نوعي "أ" و"ب").

وكخلاصة، تصنع اللقاحات المستخدمة حاضراً بالاستناد إلى إحدى المقاربتين الكبيرتين الآنفتي الذكر. ولكن، ثمة منعطف جديد، إذ ترافق انتشار فيروس كورونا مع اشتغال علمي على مقاربة مبتكرة في صنع اللقاحات. وتُعنى الطريقة المبتكرة في التركيز على التركيب الجيني للفيروس المرضي، على مستوى وحداته الصغيرة الأساسية المُسمّاة "نيوكليوتايد" Nucleotide. وتُشبه الـ"نيوكليوتايد" الحجارة التي يُشاد بها البناء، بمعنى أنها الوحدات الأساسية في تركيبة الجينات كلها. ويتألف فيروس "كوفيد- 19" من تركيبة جينية محددة، مُغلّفة بغطاء يشبه كبسولة ملساء تنبثق من سطحها "أشواك" عدّة، بل إن اسمها مشتق من تلك الصورة. ويستخدم "كوفيد- 19" تلك الأشواك المنتشرة على سطحه، في الدخول إلى خلايا الجسم. ماذا لو أُعطي الإنسان تلك "الأشواك" وحدها، من دون أن تكون مدعومة من بقية التركيب الجيني للفيروس؟ عندها، يعمل الجسم على تكوين أجسام مناعية ضد "الأشواك". وإذا ما تعرّض الإنسان بعد ذلك إلى فيروس "كوفيد- 19"، يكون جهاز مناعته مستعداً ويصنع بسرعة أجساماً مُضادة لـ"أشواك" الفيروس، فيكسرها ويمنع الفيروس من استعمالها في الدخول إلى خلايا البشر والتسبب في نشوء المرض.

ثمة انطباع علمي مفاده بأنّ التوصل إلى لقاح فعال ضد "كوفيد 19" قد يستغرق حوالى 18 شهراً. وبمعنى ما، تبدو تلك الأشهر كأنها دهر طويل في أعين المسؤولين عن حماية الصحة العامة، في ظل ضربة فيروس كورونا المستجد الذي بدأ انتشاره يلامس وصف الجائحة التي تطاول العالم بأسره. وفي المقابل، إذا صُنِعَ لقاح ضد فيروس "كوفيد- 19" خلال سنة ونصف السنة، فسيُعتبر ذلك رقماً قياسياً في تاريخ اللقاحات التي تستغرق ما يتراوح بين 5 إلى 15 عاماً كي تظهر وتُتَداول في الأسواق!

المزيد من آراء