سد النهضة... 9 سنوات من التفاوض

18 جلسة مباحثات عقدت بين أطراف النزاع الثلاثة... ومناورات أديس أبابا أفقدتها مصداقيتها

أديس أبابا خالفت كل المواثيق الدولية في إنشاءات سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)

تدخل العلاقات المصرية الإثيوبية نفقاً صعباً بسبب معطيات الذهنية الإثيوبية التي تعتمد على مبدأ السيادة المطلقة على نهر النيل، بالمخالفة لمحددات القانون الدولي  للأنهار المشتركة، وبتجاهل حقيقة أن نهر النيل هو نهر مشترك يجري بـ11 دولة أفريقية، وفي مساحة تقدر بـ3 ملايين كيلو متر، أي عشر مساحة القارة الأفريقية ذاتها. وبطبيعة الحال لا تتفاعل أديس أبابا مع الأطروحات المصرية التعاونية التي تستهدف السعي إلى تنمية متوازنة في حوض النيل الأزرق بين مصر والسودان وإثيوبيا، وزيادة الموارد المائية لنهر النيل، وهي الموارد المهدورة في المستنقعات على طول مسار النهر والمقدرة بـ56 مليار متر مكعب من المياه.

ويمكن القول إن مسارات التفاوض الثلاثي بشأن سد النهضة شاهدة على حالات من التصعيد السياسي الإِثيوبي لم تكن مبررة، غالبها يطرح عداءً صريحاً لمصر مؤسس على استفادتها من نهر النيل تاريخياً كدولة مصب، ويتجاهل تماماً أن هذا النيل هو سبب وجودها ووسيلة شعبها الوحيدة للحياة، إلى حد أنها تعيد تدوير حصتها المائية ثلاث مرات كي توفي احتياجات السكان المصريين، كما تتجاهل أديس أبابا الطبيعة الطبوغرافية للهضبة الإثيوبية التي جعلت الاستفادة من المياه فيها أمراً صعباً على المستوى التاريخي.

وفي تقديرنا، فإن الرؤية الإثيوبية لمصر لا تخلو من تأثير عاملين؛ الأول متعلق بتوظيف إثيوبيا تاريخياً من جانب منصات المصالح الدولية والإقليمية في أدوار داعمة لهذه المصالح بغض النظر عن المصالح الأفريقية الشاملة خصوصا لدول حوض النيل. والثاني مصري بامتياز، حيث أهملت الأخيرة مصالحها وعلاقتها الأفريقية لوقت ليس بالقليل، وافتقدت البيروقراطية المصرية مهارات التعامل الصحيح مع هذا الملف في ضوء تراجع معرفي كان واضحاً، خصوصاً في ضوء غياب الرؤى الاستباقية والاستراتيجية للنهر التي تميزت بهما كل من فترتي حكم كل من محمد علي وجمال عبد الناصر. وقد توّج ذلك كله الضعف البنيوي الذي تميز به نظام الرئيس مبارك خصوصاً في الفترة الأخيرة، وعدم قدرته على ملاحظة صعود مشروع قومي إثيوبي منذ منتصف التسعينيات على يد مليس زيناوي، وهو المشروع الذي اتخذ من سد النهضة عنواناً له حتى اللحظة الراهنة.

بدء المشروع

على عكس الاعتقاد السائد لم يبدأ مشروع سد النهضة بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، بل إن الإخطار الأول به من جانب الإثيوبيين كان في ربيع 2010، وتلقاه مدير المخابرات المصري الراحل عمر سليمان، ولكن كانت مواصفات السد المطلوب في هذا التوقيت هو تخزين 14 مليار متر مكعب فقط من المياه. وعلى الرغم من الرفض المصري للطلب الإثيوبي شرعت أديس أبابا في تسوية الأرض بمنطقة السد مايو (أيار) 2010  غير آبهة بالرفض المصري.

وقد وجدت إثيوبيا مع ما أعقب ثورة يناير من سيولة للنظام السياسي المصري، فرصة تاريخية لتعظيم مكاسبها فقفزت بحجم تخزين المياه في بحيرة سد النهضة ليصل إلى خمسة أضعاف بحجم 74 مليار متر مكعب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ضوء الضعف المعرفي المصري بالشخصية الإثيوبية، وبمعضلة الطموحات الإثيوبية في بناء السدود التي أسستها الولايات المتحدة الأميركية في ستينيات القرن الماضي على خلفية عدائها للمشروع الناصري، قبلت مصر أن يدور التفاوض حول سد النهضة في الإطار الفني فقط متجاهلة السياق القانوني الذي تحاول أن تفعّله حالياً، في سياق موازٍ لتكثيف مجهوداتها في بناء التحالفات الدولية للحفاظ على حقوقها المائية.

وقد تمت بلورة لجان المباحثات الثلاثية على المستوى الفني من الأسبوع الأخير من نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، وامتدت حتى سبتمبر (أيلول) 2019، حيث لجأت إلى الاستشارات الدولية مرتين؛ الأولى مع بداية المباحثات مع خبراء دوليين، والثانية في نهايتها مع الإدارة الأميركية، حيث سعت مصر إلى تكوين لجنة بها خبراء مستقلون عن الأطراف المعنية. وبالفعل تم الاتفاق على تكوين لجنة دولية لتقييم مشروع سد لنهضة تكون عضويتها من خبيرين من السودان، ومثلهما من مصر، وأربعة خبراء دوليين في مجالات هندسة السدود وتخطيط الموارد المائية والأعمال الهيدرولوجية والبيئية والتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية للسدود من ألمانيا وفرنسا وجنوب أفريقيا.

وقد خلصت هذه اللجنة إلى تقرير شامل في مايو 2013، به تحفظات واضحة تتعلق بسلامة السد والتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية على الفئات الفقيرة في مناطق إنشاء السد، وتحفظات تتعلق بتأثيره على الموارد المائية لدولتي المصب وقلة تدفق المياه إليهما، وقال تقرير اللجنة إن هذه الأمور تحتاج إلى مزيد من الدراسات التفصيلية من جانب الحكومة الإثيوبية لمنع الآثار السلبية للسد.

الموقف الإثيوبي من تقرير اللجنة الدولية كان سلبياً، وتوقفت المباحثات حتى لقاء تم بين الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي هيلي ديسالين في مالابو، حيث اتفقا أن تتم المباحثات تحت رعايتهما الشخصية في مايو 2014، وفي أطر تتكون عضويتها من العناصر الوطنية للدول الثلاث دون وجود أي عناصر من الجانب الإقليمي أو الدولي تقوم بأدوار تقييم مواقف الأطراف أو حتى تقريب وجهات النظر.

ويبدو لنا أن القاهرة قد راهنت على التفاعل الإيجابي الإثيوبي في أطر تعاونية، متجاهلة أثر الرفض المصري الطويل لفكرة بناء السدود، الذي تم بمعزل عن خلق مجالات تعاون تنموية أخرى مع أديس أبابا من شأنها مساعدة الشعب الإثيوبي في معركته ضد الفقر.

مع موافقة مصر على إنشاء السد حاولت لحاق ما فاتها، وبدأت في تقديم مشروعات للتعاون التنموي مع إثيوبيا وتطلعت في هذا السياق إلى احتواء الموقف الإثيوبي، والسعي إلى تعديل المواصفات الفنية الإثيوبية للسد والخاصة بالارتفاع الكبير للجسم الأسمنتي، والحجم الهائل للتخزين المائي في بحيرة السد، وهي المعطيات المؤثرة على الأمن الإنساني لشعبي وادي النيل مصر والسودان، بغض النظر عن مسألة الحصة المائية لمصر من النيل الأزرق.

مسارات التفاوض

تم عقد 18 جلسة مباحثات في الإطار الوطني بين مصر والسودان وإثيوبيا اعتباراً من عام 2014 بشأن سد النهضة، كما تم توقيع اتفاق للمبادئ في 23 مارس (آذار) 2015 ليكون محدداً للتفاعلات التفاوضية، كما اهتمت مصر بترقية مستوى التمثيل في لجان المباحثات، من تمثيل فني فقط إلى تمثيل فني وسياسي وأمني، اعتباراً من ديسمبر (كانون الأول) 2015، حيث تمت ترقية اللجان لتكون بحضور وزراء خارجية كل من مصر والسودان وإثيوبيا، كما تم تطوير التمثيل مرة أخرى بحضور مديري الأجهزة الأمنية في الدول الثلاث، لتكون اللجان تساعية، ولكن كل هذه المجهودات لم تحقق نتائج التعاون المرجوة في إدارة الموارد المائية والسدود المستحدثة في دول النيل الأزرق الثلاث.

وقد اعتمدت مصر في منهجها التفاوضي على فلسفة عدم الممانعة في تشييد وملء وتشغيل سد النهضة كأداة للتنمية الاقتصادية الإثيوبية بشرط عدم الإضرار الجسيم بحصة مصر المائية ومكتسباتها التاريخية. وهي الحصة المؤثرة في حالة التنمية والاقتصاد بمصر بشكل مباشر.

وفي هذا السياق قدمت مصر مقترحاً متكاملاً لإثيوبيا في جلسة المباحثات الأخيرة بالقاهرة مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2019، استخدم فيها الخبراء المصريون أحدث النماذج الرياضية في سياسة ملء وتشغيل سد النهضة، طبقا للتصرفات المائية وحالة الفيضان ومعادلات التدفق المائي في 100 سنة، بهدف الموازنة بين التنمية الاقتصادية الإثيوبية وبين قدرة مصر على استيعاب الآثار السلبية لهذه التنمية على شتى أشكال الحياة والسلام الاجتماعي والتنمية الاقتصادية المصرية.

وبطبيعة الحال فإن المقترح المصري قد أخذ بعين الاعتبار الدورات الهيدرولوجية للنيل الأزرق ما بين فيضانات عالية ومنخفضة ومتوسطة وبما لا يقلل كهرباء سد النهضة إلا في أضيق الحدود، مع السماح بنقص أكبر من كهرباء السد العالي مع الحفاظ على مستوى لبحيرة السد لا يقل عن 165 مليار متر مكعب من المياه، مع تحمل نقص 5 مليارات متر مكعب سنوياً من الحصة المائية المصرية.

وللأسف رفضت إثيوبيا هذه الورقة الفنية في أكتوبر 2019، وأعلنت مصر عدم جدوى التفاوض، وأن العملية برمتها دخلت في طريق مسدود، وهو ما استدعى السعي المصري في اللجوء إلى أطراف دولية مرة أخرى، حيث اختارت القاهرة كلاً من الولايات المتحدة الأميركية والبنك الدولي، استجابة لعدد من المحددات، منها قدرة الطرف الدولي على الضغط على الجانب الإثيوبي، وهو شرط متوافر لواشنطن التي تدعم إثيوبيا سياسياً ومالياً على المستوى التاريخي، وكذلك القدرة على التقييم الفني لمسار التفاوض خصوصاً ما يرتبط بضمان سلامة المنشآت الهندسية على مجاري الأنهار ومتطلبات أن يكون السد متمتعاً برقم معامل أمان محققاً للأمن الإنساني للدول الثلاث، وهو شرط متوافر لخبراء البنك الدولي الضالع في ملف دول حوض النيل عبر مبادرة حوض النيل التي توفر تفاعلاً بين دول الحوض وتمويلاً من البنك الدولي للمشروعات المائية.

في هذا السياق دخلت كل من الولايات المتحدة والبنك الدولي كراعيين للمباحثات التي جرت بعض جلساتها في واشنطن، كما تم وضع سقف زمني للتفاوض محدد بثلاثة شهور، وبتسع جلسات فقط تعقد بالتناوب بالعواصم الثلاث ينتهي منتصف يناير 2020، ولكن هذا السقف تمدد بدوره ليصل إلى منتصف فبراير، وطبقاً للمعلن في بيانات وزارات الخارجية لكل من واشنطن والقاهرة وتصريحات بعض الوزراء المصريين والسودانيين، فقد تم التوصل بالفعل إلى مسودة اتفاق كان من المفترض أن يتم التوقيع عليها من جانب الأطراف الثلاث نهاية فبراير، وهي الجلسة التي لم تحضرها إثيوبيا، وأعلنت بعدها عن إقدامها على خطوة التخزين المائي في بحيرة السد يوليو (تموز) المقبل، بل وأقدمت على التراشق العلني مع الإدارة الأميركية، في وقت أقدمت القاهرة على توقيع الاتفاق المتفق عليه بالأحرف الأولى في واشنطن، وهي خطوة أفقدت الجانب الإثيوبي القدرة على المناورة وحصلت على استحسان أميركي في وقت يحبس الشعب المصري أنفاسه متخوفاً على مصيره المائي. ويبدو أن الملف المائي سيظل مفتوحاً بين دول حوض النيل، ليس فقط بسبب طموحات السدود، ولكن أيضاً بسبب تطلع الإقليم داخل الحوض وخارجه إلى مياه النيل.

المزيد من تحلیل