Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكومة حمدوك... عقبات الانتقال الديمقراطي

 مسار الثورة السودانية يتلمس طريقاً مضطرباً نتيجة عقبات نظام البشير الذي دمر الدولة خلال 30 عاماً

رئيس الحكومة السودانية عبد الله حمدوك مع مجلس الوزراء في القصر الرئاسي بالخرطوم (أ.ف.ب)

إذا كانت الثورة السودانية لا تزال تختبر مخاضها العسير باتجاه الخروج إلى عملية الانتقال الديمقراطي، فإن ما بدا اليوم من تجربة الربيع العربي قد يسمح للسودانيين بالتجريب في ضوء الاستفادة من تلك التجربة، بحثاً عن سوية لتجاوز مآزق ذلك الربيع. يمكن القول، إن مسار الثورة السودانية اليوم يتلمس طريقاً مضطرباً نتيجة للعقبات التي لا تزال تتناسل أمام ذلك الطريق بعد زوال نظام عقائدي دام 30 عاماً وعاث خراباً غير مسبوق في تدمير بنية الدولة وجهازها.

لقد شق الشعب السوداني طريقاً إلى ثورة كان يدرك أنها باهظة ومكلفة، ولا يزال هذا الشعب قادراً على بذل المزيد في سبيل نجاح مسار هذه الثورة، لكن ما بدا في الفضاء العام (لا سيما فضاء وسائل التواصل الاجتماعي كفيسبوك) من ردود فعل وزخم متعدد الوجهة والمكان عكس كثيراً من التعبيرات اللامسوؤلة حيال نقد المسار الذي تخوضه الحكومة الانتقالية وسط عقبات وانسدادات وتدابير تعرف تماماً أنها أكبر من طاقتها، وأنها من دون وقوف الشعب إلى جانبها، لن يكون في وسعها مواصلة المسير.

كل من يتأمل في الواقع السياسي الراهن سيرى بلا شك اضطراباً وبطئاً في سياسات الحكومة، لا سيما سياسة وزارة المالية والاقتصاد الوطني، كما سيرى بكل وضوح حجم الخراب الذي تكشف عنه يومياً وسائل الإعلام كالصحف والقنوات الفضائية، من أنواع فساد لا تخطر على بال أحد في جميع أجهزة الدولة.

خارجياً، لا يسمح واقع الحكومة الانتقالية وما تعانيه من آثار نظام البشير وسمعته الدولية، بإمكانية إدراج السودان في سوية الدورة الاقتصادية العالمية نتيجة لوقوع اسم السودان في لائحة الدول الراعية للإرهاب، ما سيؤثر في سرعة إنفاذ البرامج الإسعافية لإنقاذ الاقتصاد الوطني من التدهور المريع. كما لا يسمح الفراغ السياسي والأمني في بعض أقاليم السودان الطرفية بالمساعدة على ضمان استمرار الأمن وما يمكن أن ينجم عن ذلك من اضطراب، فيما عملية السلام مع أهم حركتين معارضتين، (حركة عبد الواحد محمد نور وحركة عبد العزيز الحلو) لا تزال تراوح مكانها.

ثمّة ما يبدو انهماماً عاماً بالخوف على مصير الثورة في ظل الأوضاع المتعثرة لمسار الحكومة الانتقالية، وكذلك انعكاس الطبيعة التعددية للتحالف السياسي الحاضن للحكومة (قوى إعلان الحرية والتغيير) وما يدور حوله من تردد للخلافات وتعدد وجهات النظر حيال طبيعة التدابير التي يمكن اتخاذها للخروج من الوضع الراهن. هذا، إلى جانب الدعوات المتجددة للصادق المهدي رئيس حزب الأمة، لانتخابات مبكرة بين الحين والآخر، ليربك بها الاجتماع السياسي المنعقد على مدة المرحلة الانتقالية.

كل تلك الاهتزازات التي تمر بها الثورة السودانية ينبغي ألا تكون مدعاة للتبلد أو لهواجس من أنماط التفكير السلبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ذلك أن أهم ما يجب إدراكه في صيرورة هذه الثورة، هو النظر والتأمل العميق في الصورة الكاملة لما يمكن أن يكون عليه التحدي، وما يفرضه من استجابات. فالأحزاب التي تحتضن الحكومة في جسم قوى إعلان الحرية والتغيير تمارس اليوم تجريبها للعمل السياسي بعد انقطاع دام 30 ىسنة، وعلى إثر إقصاء وتفتيت نال منها طوال تلك السنوات على يد أجهزة نظام البشير. الأمر الذي يمكن معه توقع طبيعة محتملة للاهتزاز في أدائها الجديد بطبيعة الحال. كما أن الممارسات غير السياسية في الأداء السياسي أصبحت اليوم إحدى العوائق الخطيرة التي تعيق أي تدبير لسوية الاجتماع السياسي.

إزاء ما يبدو من انسدادين خطيرين حيال العمل السياسي، أصبح ما يسمى زوراً بالإعلام الجديد في وسائل التواصل الاجتماعي يعكس وينشر مزاجاً سالباً في الفضاء العام ويضخ تشويشاً عشوائياً توظفه قوى الثورة المضادة في أجندتها الخبيثة.

لقد مضى الشعب السوداني شوطاً تجاوز فيه كل الخطوط من أجل إسقاط نظام البشير، والجميع يدرك أن العراقيل التي تضعها الثورة المضادة تلعب على جلب مهمة مستحيلة إلى الوجود لأن الشعب السوداني أصبح اليوم واثقاً من أنه ليس في وسع أي أحد إعادة النظام السابق، لكن الصبر على ثمار الثورة هو الذي ينقصه في ظل أوضاع اقتصادية طاحنة، وتشويش أثر في كثيرين عبر الخطاب الذي تستثمره الثورة المضادة على فيسبوك وغيره من منابر التواصل الاجتماعي. 

إن هذا الواقع الثوري الذي تمر به الحكومة الانتقالية ينبغي أن يكون متفهماً لكل حريص على الثورة، لأن أي مقارنة بينها وبين نظام الإنقاذ (كما يحلو لبعض المغرضين) ستجر إلى استعراض شكلي تكون نتيجته ضخ مزيد من الإحباط.

عقبات المرحلة الانتقالية بطبيعتها يلعب فيها التحدي الدور الأكبر، لذا فإن من الأهمية بمكان أن يتفهم المتعجلون، أن حراك الثورة هو حراك صيرورة لا حراك انقلاب. وإذا ما بدا لكثيرين أن مناخ الحريات من ناحية، ومناخ الأزمة الاقتصادية من ناحية ثانية، قد يغري بالقابلية  للاستدراج نحو قوى الثورة المضادة (التي لا تزال تنشط على قدم وساق) بحثاً عن خلاص وهمي فذلك رهان خاسر.

بين إصرار الشعب على الخروج من آثار ما بعد الثورة، وقابلية البعض للاستدراج إلى براثن الثورة المضادة، بحثاً عن خلاص وهمي، سيكون رهان الشعب السوداني على المزيد من الاستجابة لتحديات إنجاح مرحلة ما بعد الثورة، عبر ابتداع صيغ جديدة لتدبير المعاش والاجتماع السياسي، كالآلية التي تم تكوينها قبل يومين تحت اسم (الآلية الاقتصادية العليا)، للبحث عن سبل سريعة للخروج من الأزمة الاقتصادية، عقب اجتماع ضم المجلس السيادي ومجلس الوزراء والمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير.    

المزيد من آراء