من ربح الحرب في أفغانستان؟

البعض يعتبر الاتفاق مع طالبان انتصاراً دبلوماسياً وانتخابياً لترمب الذي أخفق في تنفيذ وعوده الخارجية... لكن العبرة دوماً بالنتائج

وفد طالبان وممثل أميركا خلال توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة  (أ.ف.ب)

بعد مفاوضات شاقة استمرت على مدى تسع جولات في العاصمة القطرية الدوحة، تم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان، ما يسجّل مرحلة جديدة في المسألة الأفغانية الممتدة بأشكال مختلفة منذ عقود.

ويتضمن الاتفاق عدداً من البنود الرئيسة، أهمها ضمانات بمنع استخدام الأراضي الأفغانية من أي جماعات إرهابية دولية أو أفراد ضد أمن الولايات المتحدة أو حلفائها. بعبارة أخرى لا يفرض الاتفاق على طالبان أي ضمانات بعدم حدوث عدوان على أطراف دولية لا تصنفها واشنطن كحلفاء، كالصين أو روسيا مثلاً، بل ولا حتى تحديد دقيق لمعنى حلفاء، وما إذا كان هذا يشمل أصدقاء واشنطن أم يقتصر فعلياً على أعضاء حلف الناتو.

كما يشمل الاتفاق جدولاً زمنياً لسحب جميع القوات الأميركية والتحالف الدولي، وكذا تسوية سياسية بين الرئيس الأفغاني وطالبان، وأخيراً بند رئيس آخر حول وقف إطلاق نار دائم وشامل.

التحليل الأوليّ قد يشير إلى نجاح واشنطن في إجبار طالبان على التفاوض مع الحكومة الأفغانية التي كانت لا تعترف بها وتعتبرها دمية أميركية، وكان غياب هذا البعد عن مشروع اتفاق سابق منذ شهور عدة، بالإضافة إلى قيام طالبان بعدد من التفجيرات في العاصمة تزامناً مع التوصل للاتفاق، سبباً في تراجع إدارة ترمب عن توقيع الاتفاقية آنذاك، وعودة الجانبين للتفاوض والتوصل لهذا الاتفاق الجديد الذي هلّلت له واشنطن.

الأمر المؤكد أن الكثيرين يعتبرون التوصل للاتفاق وسحب القوات الأميركية الذي سيتم على مراحل،  انتصاراً دبلوماسياً لترمب الذي أخفق في تنفيذ بقية وعوده في السياسة الخارجية حتى الآن، سواء في ما يتعلق بكوريا الشمالية أو إيران، كما لم يتأكد أنه سيتمكن من فرض تصفية القضية الفلسطينية، وضجيجه حول الصين لم يسفر عن حسم واضح بعد، في ما يتعلق بإيقاف تقدمها وصعودها الاقتصادي، وكان لتأثير فيروس كورونا على عرقلة النمو الاقتصاد الصيني دور أكبر من إجراءاته، ولكنه لا يستطيع أن يزعم لنفسه هذا الفضل حتى لو كان هذا ممكناً.

اتفاقية صعبة

قبل استكمال النقاش، من المهم ملاحظة عدد من البنود التي يتضمنها الاتفاق، ويحيط بها الكثير من الصعوبات، أولها ذلك البند الخاص بتسليم الأسرى، فيفترض أن تسلم طالبان ألف أسير من القوات الحكومية، وأن تفرج عن خمسة آلاف أسير من طالبان لديها، وقد سارع الرئيس الأفغاني، أشرف غني، بالتصريح بأن هذا الشرط ليس ضرورياً لبدء المباحثات بينه وبين طالبان، وهي خطوة أخرى لا تقل صعوبة، فالواضح أن الرجل يدرك صعوبة التفاوض مع الحركة، وأن ورقة الأسرى في الأرجح أهم ما لديه، فقواته لا تقوى على مواجهة طالبان التي تسيطر بالفعل على أكثر من 80 في المئة من مساحة البلاد.

 

لا تقتصر صعوبات تطبيق الاتفاقية على هذا العنصر، فصحيح أنها تلزم طالبان عدم توفير ملاذات آمنة في المناطق التي تسيطر عليها، ولكنها لا تمتد إلى الملاذات الآمنة للقاعدة والمتشددين الآخرين في باكستان. وتاريخياً كانت العلاقة بين طالبان والقاعدة محورية، وكانت سبباً في الغزو الأميركي لأفغانستان أكتوبر (تشرين الأول) 2001 رداً على تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول) الشهيرة قبل هذا الغزو بشهر، والذي أسفر عن هزيمة طالبان وخروجها من العاصمة كابول إلى الجبال الأفغانية العتيدة التي لم يقوَ عليها أحد حتى الآن، وتمكن مقاتلوها من التوسع التدريجي والسيطرة على مساحات شاسعة من البلاد، عادوا فيها إلى تطبيق أنماط حكمهم المتشددة في مناحي الحياة كافة، وبخاصة في ما يتعلق بحقوق المرأة والأقليّات.

الطريق إلى التفاوض

لم تختفِ طالبان أبداً من المشهد إذاً، ولكن عجزت الولايات المتحدة وحلفائها عن إيقافها عن التوسع واستهداف قواتهم، حتى وصلت هذه الخسائر إلى 3500 قتيل، منهم نحو 2300 أميركي أو أكثر قليلا. والأفدح آلاف الضحايا من الشعب الأفغاني والقوات الحكومية الأفغانية التي اكتشفت بعد قليل عدم قدرتها على حماية نفسها من طالبان، إلا بالدعم الأميركي، من هنا تحولت بقدر ما إلى قضية داخلية أميركية بشكل خاص في ما يتعلق بالاستنزاف الاقتصادي الذي قُدّر بأكثر من ألف مليار من الدولارات، وكان هناك وسيط جاهز يعرض خدماته المبنية على تفضيل وجود هذا التيار السياسي وأن يصبح إحدى أهم قنوات التواصل معه، نقصد الوسيط القطري الذي استضاف جولات تفاوضية عدة منذ سنوات، وسمح لطالبان بفتح مكتب تمثيل في الدوحة، وجاء ترمب ليضع المسألة في قلب حملته الانتخابية التي تركز على إنعاش الاقتصاد الأميركي، وبالطبع كان لديه حيثيات ومنطق حقيقي من إيقاف هذا الاستنزاف الذي لا توجد أي شواهد على إمكانية حسمه عسكرياً.

تقييم النتائج

في استراتيجية الحروب، كما في استراتيجية التفاوض، فإن العبرة دوماً بالنتائج، وهنا نستطيع التفرقة بين مستويين أو مرحلتين. في ما يتعلق بالمرحلة الأخيرة فإن الهدف المعلن للرئيس الأميركي هو إنعاش اقتصاد بلاده ووقف حرب لا أفق لها بعد تجربة كل ترسانة السلاح الأميركية، وبالنهاية تحقيق إنجاز يُستثمر في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفقا لهذه الحسابات قصيرة الأجل، فإن ترمب يحقق أهدافه التفاوضية، كما سيمكنه الادّعاء بأنه أجبر طالبان على التفاوض مع الحكومة الأفغانية المنتخبة، أما في المرحلة الأولى عند الغزو الأميركي فكان الهدف الأميركي المعلن هو القضاء على طالبان المتحالفة مع تنظيم القاعدة، ووقف تهديد أميركا والعالم، ولكن الاتفاق الراهن يقدّم ضمانات لعدم الاعتداء على أميركا وحلفائها، و لكن لا ضمانات لأعداء أو حتى أصدقاء أميركا الآخرين من اعتداءات قد تقدم عليها التنظيمات التي ستستضيفها طالبان بأريحية كاملة.

هنا قبل أن أكمل أستدعي من التاريخ الأميركي والدولي نموذجاً مشابهاً، مع فوارق مهمة، وهو نموذج المفاوضات الأميركية الفيتنامية في أوائل السبعينيات، أي في زمن نيكسون وكيسنجر، فقد تعثرت مفاوضات الانسحاب المشرّف على صخرة محاولة واشنطن الحصول على ضمانات بعدم قيام فيتنام الشمالية بغزو الجنوبية، التي كان على رأسها حكومة "عميلة" لواشنطن، وفي محاولة للضغط على القيادة الشمالية الشيوعيّة، قصفت واشنطن العاصمة هانوي خلال التفاوض بأكبر عملية جوية في التاريخ حتى ذلك الوقت، حيث وصلت إلى ألفي طلعة جوية، ولكن هانوي لم تفهم هذا القصف القاسي على أنه بمثابة استئناف للقتال أو ضغط سيسفر عنه تراجعها، بل صمدت معتبرةً إياه بمثابة حفظ لماء الوجه الأميركي تتحمله لتحقيق نصر شامل بعد توقيع اتفاقية خالية من أي شروط تجاه العلاقة مع الشطر الجنوبي، وهو ما حدث بالفعل، ثم اجتاحت القوات الشمالية الجنوب بمجرد انسحاب القوات الأميركية لتحقق نصراً استراتيجياً كاملاً، ولو كان باهظاً.

هنا، قد يقول البعض إن الاتفاقية تلزم طالبان الدخول في مفاوضات مع الحكومة الأفغانية، وهذا صحيح مقارنة بالنموذج الفيتنامي، ولكنها لا تلزمها الاتفاق معها، ولن تلتزم به حتى لو توصلت إلى ترتيبات مؤقتة، فالحصيلة واضحة، تهدئة وتوسع لطالبان في الأطراف خلال التفاوض، ثم بعد الانسحاب الأميركي أمر آخر، ربما تدخل معادلات جديدة داخلية في المشهد، وربما يستغرق الأمر وقتاً أطول من المشهد الفيتنامي، ولكن المحصلة واحدة، فطالبان طرف دولي تتفاوض معه واشنطن، ويبدي الرئيس ترمب استعداده للقائهم، وهو ما لم يحدث من قبل. هل يمكن أن يكون هذا مقدمة لبعض الاعتدال من جانبهم كي يمكن قبولهم دولياً؟ حتى الآن أستبعد هذا، ولكن النتيجة تظل واضحة.

كانت الساحة الأفغانية محل مكاسب انتخابية أميركية في المرحلتين، أي مكاسب قصيرة الأجل، ولكنها لم تحقق هدفها الاستراتيجي الأساسي وأثبتت مجدداً أنها حليف لا يوثق به وأنها فشلت في أغلب، إن لم يكن كل حروبها الحديثة، في ما عدا تحرير الكويت 1991، وخسرت طالبان جولة عسكرية في 2001، ولكنها عادت من جديد، لم تخرج خاسرة بل هي الآن منتصرة، من خسر هو الشعب الأفغاني الذي  أصبح طريقه للحضارة والتقدم بعيداً وصعباً، كما أن العالم قد يصبح أكثر خطراً في المستقبل.

المزيد من تحلیل