Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تعقد القمة العربية في مقر الجامعة إذا استمر التحفظ الجزائري؟

الإرجاء قد يفتح ملفات مسكوتاً عنها أهمها إصلاح وتطوير النظام الأساس لـ"بيت العرب"

الجامعة العربية تتعرض لتحديات وإشكاليات حقيقية تواجه استمرارها في أداء مهامها وعملها (أ.ف.ب)

كان طبيعياً أن تؤجل القمة العربية في الجزائر لاعتبارات تتعلق بالدولة المضيفة، التي تدرك جيداً مع قيادتها السياسية الجديدة أن قرارات القمة ونتائج أعمالها يجب أن تكون مختلفة عن قرارات القمم السابقة، وأنه لا بد من طرح جديد يتجاوز ما كان سابقاً خصوصاً أن القمة الجديدة تأتي إلى المنطقة المغاربية وإلى الجزائر الدولة المحورية في إقليمها، بعيداً عن الدول العربية في المشرق، وبالتالي لم تكن كقمة الزهران أو قمة نواكشوط أو عمان على سبيل المثال.

تحركات لافتة
بعيداً عن ردود فعل زيارة الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط، وتصريحاته أثناء وبعد زيارته إلى الجزائر، فإنه من الواضح وجود أكثر من تصور لعقد القمة، الأول وهو الأرجح، تأجيلها لمزيد من المناقشات والاتصالات مع التركيز على فرص نجاحها ليس بإعادة سوريا فقط للجامعة العربية وتفعيل مشاركتها في مؤسسات العمل العربي المشترك، ولكن لتحديد تصورات عربية مركزة في الملف الليبي والفلسطيني مع تحديد الأولويات العربية لمواجهة التدخلات الخارجية التركية والأميركية تحديداً، بصرف النظر عن إثارة قضايا الصحراء والتعامل العربي مع الولايات المتحدة، وهو جوهر التحفظ الجزائري.

والتصور الثاني هو التعامل مع حدث القمة على أنه حدث عادي ودوري ومكرر شأن القمم العربية الأخيرة التي عقدت وانفضت أعمالها في يوم واحد وافتقدت آليات العمل والتنفيذ، وقد اضطر الأمين العام للجامعة للذهاب إلى الجزائر لمعرفة أسباب رفض عقد القمة ومناقشة المسؤولين الجزائريين، وخرج بتصريحات دبلوماسية متعللاً بأزمة فيروس كورونا، والحقيقة أن الأمين العام ربما يكون قد تناسى أن القمة ستعقد في الجزائر، وأن الرئيس الجديد عبد المجيد تبون يسعى لبناء رؤية وتصور عربي لافت، وأن الجزائر تبحث عن مكانتها كدولة كبيرة في الإقليم، وهو ما برز في مجمل الحركة الجزائرية أخيراً، بما في ذلك زيارة تبون إلى السعودية، وما دار فيها من قضايا وملفات، مما يشير إلى توجهات جزائرية صاعدة تعمل على استعادة الجزائر لموقعها السياسي والاستراتيجي في الإقليم بعد غياب سنوات طويلة، وهو ما سيدفعها فعلياً إلى عدم التعجل بعقد قمة عابرة شأن القمم العربية السابقة، ومن ثم كان قرار التأجيل والبدء في ترتيب الخيارات العربية العربية، وليس البحث عن مكان بديل وتوقيت جديد خصوصاً أن ملف استعادة سوريا لن يأتي بجديد ولن يحسم في القمة العربية إن عقدت في الجزائر أو خارجها، فلا تزال الخلافات قائمة ولم تحسم على موقع سوريا، ففي الخلفية مواقف عربية متعارضة ومتجاذبة وهو ما سيعني بقاء الأوضاع بالنسبة إلى الملف السوري لقمة تالية.

موقف سابق
لطالما دعت الجزائر قبل القمة المرتقبة ومن قبلها بسنوات، إلى إعادة تدوير مناصب الجامعة واتباع نظام الكوتة، بل وتدوير منصب الأمين العام ذاته، وعدم قصره على دولة بالاسم، وبالتالي ظلت الجزائر تدعو إلى هذا الخيار، وسبق أن تبنت ذلك دولٌ عربية أخرى، والحقيقة أن الأمر لا علاقة له بمنصب الأمين العام أو جنسيته، حيث بات الأمر عرفاً دبلوماسياً مستمراً لدولة المقر الدائم، ولم يستثن منه سوى فترة تولي الشاذلي القليبي منصب أمين الجامعة بين عامي 1979 و1990، عندما كان مقرها تونس بعد اتفاقية كامب ديفيد، وإنما بإرادات الدول العربية الكبرى ومواقفها وسياساتها، والتي تتحكم في القرار العربي بين دول رفضت إحياء النظام العربي ووقفت عثرة أمامه وبين دول ظلت تدعو إلى ضرورة التعامل الحقيقي مع مهددات الأمن القومي العربي.

ومن ثم فإن القمة المقبلة مطالبة وفقاً لموقف الجزائر وتصريحات الرئيس عبد المجيد تبون، بالعمل على جدول أعمال جديد يتجاوز المواقف العربية التقليدية، بما في ذلك الالتزامات العربية المعتادة، ومنها مثلاً الالتزام بالمبادرة العربية في الملف الفلسطيني وبمواقف دول الجوار العربي لليبيا والموقف المتباين من إشكالية الصحراء، إضافة للتعاملات العربية الإقليمية والموقف من تركيا في ظل تحركاتها الأخيرة تجاه الدول المغاربية، ومن ثم فإن الأمر سيتعلق بما هو قادم من المنظور الجزائري.

الواضح جلياً إذن أن القمة العربية المقبلة ستكون مختلفة خصوصاً في حالة تدخل دول عربية أخرى على الخط داعمة للموقف الجزائري أو تأييده علانية أو التأكيد على تصريحات السفير أحمد أبو الغيط، ومن الواضح أن التأجيل سيدفع الجامعة العربية إلى مراجعة تحركاتها واتصالاتها من دون استبعاد طرح البديل في حال استمرار الموقف العربي على ما هو عليه أو عقد القمة في يونيو (حزيران) المقبل في عاصمة عربية بديلة إذا استمر التحفظ الجزائري على جدول الأعمال أو الموضوعات، وهو أمر وارد، فيما سيكون أمام الجامعة بدائلها وخياراتها خصوصاً أن الوضع العربي سيكون مطالباً بتبني موقف محدد في ملف القضية الفلسطينية باعتبارها القضية العربية الأولى.

والسؤال ماذا لو أقدمت الحكومة الإسرائيلية على تبني إجراءات انفرادية وتم حسم ملف ضم الأغوار وتغيير ولاية الأردن والسلطة الفلسطينية على المقدسات الإسلامية، وماذا لو تم شرعنة المستوطنات، وتكريس الوضع الراهن في ليبيا بالصورة الراهنة، واستمر التدخل التركي والإيراني في شأن العالم العربي؟ إضافة إلى احتمال الاتجاه لتبني سياسة الاتصالات العربية الإسرائيلية الرسمية، والتي ستمنح إسرائيل شرعية التحرك في الملف الفلسطيني، هنا تبدو التحفظات الجزائرية على بعض السياسات والخطوات العربية الراهنة ولاعتبارات تتعلق بالتوجهات الجزائرية في محيطها المغاربي خصوصاً، والعربي ثانياً.

البدائل المقترحة
ليس بخافٍ أنه في بعض الأوساط العربية لا يوجد تحمس للالتزام العربي بموعد القمة أصلاً، وكان يمكن للأمين العام تحري الأمر مبكراً بصرف النظر عن زيارته إلى الجزائر عندما أزف موعد القمة العربية برغم وجود اتصالات ولقاءات إجرائية ومواعيد مستقرة لتحضيرات الحدث أصلاً، وبالتالي فإن المواقف العربية المعلنة وغير المعلنة تعاملت مع حدث القمة والالتزام بموعدها على أنه مؤجل، وبالتالي سيكون أمام الأمين العام عدة مسارات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأول: استمرار الاتصالات المباشرة مع الجزائر لترتيب أعمال القمة المقبلة على أن تجري وفق الاستحقاق المعلن الجديد أي بعد شهر يونيو (حزيران) وتكون الجزائر قد صاغت رؤية متكاملة بالتنسيق مع الجامعة العربية، مما يضمن نجاح حدث القمة وينقل رسائل مهمة للخارج ويؤكد على موقف عربي جديد وهو ما تريده الجزائر، وليس بمستبعد أن تتم لقاءات عربية عربية تبدأها الجزائر في الفترة المقبلة من خلال زيارات مكوكية لعدد من الدول العربية الكبرى، مثل مصر والأردن والإمارات والسعودية مجدداً، إضافة إلى قطر والكويت، وهذا التوجه سينجح مهمة الأمين العام السفير أحمد أبو الغيط، وسيؤدي إلى نجاح فرص القمة ومقرراتها بالفعل.

الثاني: الاتجاه إلى البحث عن البديل، وهو الأمر الذي سيؤدي للذهاب إلى عقد قمة عربية في بلد آخر، إذا أعلنت دولة عربية أخرى ترحيبها بعقدها على أراضيها، وهناك حالات عديدة في هذا الإطار قد تفعل الموقف الراهن في حال اصطدام المواقف العربية وعدم التعويل على مجهودات الأمين العام فقط، والذي يتحرك وفقاً لإرادات عربية  عربية، وليس من تلقاء ذاته، ونجاحه وفشله مرتبط بمواقف الأطراف العربية المختلفة الأخرى التي تتعامل مع القمة المقبلة على أنها حدث عابر، لا يمكن أن يخرج بمواقف عربية جادة في مواجهة التحديات الراهنة التي يعلمها الجميع، ومن ثم فإن الأمين العام سينتظر فعلياً تكشف المواقف والتوجهات وسيتعامل معها من منطق رد الفعل والتحرك المقابل في حال تلقي ردود فعل سلبية أو عابرة، وهو أمر متوقع خصوصاً أن هنالك مواقف متحفظة من بعض الدول العربية، ومنها العراق وقطر والمغرب ولبنان ستظهر في الفترة المقبلة، مما سيتطلب تعاملاً من الأمين العام للجامعة وليس قبولها بصورة مباشرة.

الثالث: تأجيل القمة حتى إشعار آخر لمنع الصدامات المتوقعة نتيجة التجاذبات الواردة من أي طرف عربي، ولكن هذا السيناريو مستبعد خصوصاً أنه في حال فشل انعقاد القمة العربية في الموعد الذي أعلن عنه الأمين العام فإن البديل عقد القمة في مقر الجامعة العربية وبمن حضر من الدول، وهو أمر متوقع وغير مستبعد في ظل الحالة الراهنة للوضع العربي الذي سيربط الموقف من عقد القمة بالخروج بنتائج وتوصيات قابلة للتنفيذ وبلورة موقف عربي حقيقي تجاه القضايا المركزية وعدم قصرها على إعادة سوريا إلى موقعها في الجامعة العربية في ظل المشهد العربي الراهن.

وبالتأكيد فإن الجامعة العربية، وبصرف النظر عن أية تطورات بشأن عقد القمة أو عدم عقدها تتعرض لتحديات وإشكاليات حقيقية تواجه استمرارها في أداء مهامها وعملها وفقاً لنص الميثاق، وفي ظل الدعوات التي تتردد وراء الكواليس بإنهاء وتصفية الجامعة وبناء أخرى جديدة تواجه الدعوات الخارجية بتأسيس جامعة شرق أوسطية لنظام شرق أوسطي جديد تدخله أطراف الجوار العربي، وهو مخطط قديم تُعاد تدوير تفاصيله في الوقت الراهن للقفز على ما يواجه الجامعة العربية من فشل بسبب سياسات بعض الدول.

والخلاصة أن تأجيل انعقاد الجامعة العربية في يونيو (حزيران) المقبل، قد يفتح ملفات مسكوتاً عنها، أهمها إصلاح وتطوير النظام الأساس للجامعة، وهو الملف المهم والذي طرح منذ سنوات طويلة، ولربما جاءت الجزائر لتفتح الباب الموصود لعقد قمة مختلفة من حيث موضوعاتها ورؤيتها وقراراتها، فهل يحدث ذلك أم يؤجل؟ خصوصاً أن القضية ليست في عقد القمة بمن حضر بل بالقرارات العربية المتوقع صدورها نتاج عقد القمة في توقيت بالغ الخطورة على مستقبل النظام الإقليمي العربي بأكمله.

المزيد من متابعات