Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجزائر… "تمرد" بالبرلمان ضد "مقصلة" العدالة بسبب حل المجالس المنتخبة

"الرأي العام ينسب ما هو جيد للسلطة التنفيذية ويُلصق ما هو سيء للتشريعية"

استدعي البرلمان سبعة وزراء للإجابة عن "أسئلة شفوية" بينها سؤالان إلى وزير العدل (الهيئة الإعلامية للمجلس الشعبي الوطني)

تكررت مظاهر رفض أعضاء اللجنة القانونية للبرلمان الجزائري التعاطي إيجاباً مع طلبات رفع الحصانة عن برلمانيين والواردة من وزارة العدل مقابل ارتفاع عددها في الفترة الأخيرة، ووصفت صحف جزائرية هذا التصرف بـ"التمرد المباشر" الذي يعكس على الأرجح رفض أعضاء المجلس خيار حل البرلمان خريف العام الحالي.

تمرد برلماني؟

لم تتمكن وزارة العدل من تحصيل أي رد إيجابي من لجنة الشؤون القانونية بخصوص طلبات رفع الحصانة عن نواب "تطلبهم للتحقيق في قضايا فساد" منذ فترة طويلة، أي منذ رفع الحصانة عن النائب البرلماني بهاء الدين طليبة في 25 سبتمبر (أيلول) من العام الماضي.

ويفرض القانون على وزارة العدل إرسال طلب موثق إلى مكتب البرلمان الذي يحيله للمداولة في جلسة مغلقة للجنة الشؤون القانونية قبل إحالته للتصويت في جلسة علنية (سرية)، لكن الملفت أن "تعطيل" تحويل تلك الملفات إلى مرحلة الجلسة العلنية تحوّل إلى خيار في لجنة الشؤون القانونية، كما أن آخر ملف أُحيل على التصويت العام قوبل بالرفض في صالح البرلماني إسماعيل بن حمادي.

وفي اجتماع للجنة الأربعاء للاطلاع على طلب رفع الحصانة الوارد عن وزارة العدل في حق عضوي المجلس عن محافظة وهران، قدوري حبيب ومير محمد بن صغير، انتقد برلمانيون الوثيقة الآتية من الجهاز التنفيذي في سياق معطيات عن وجود قائمة طويلة ترغب وزارة العدل إحالة أصحابها على التحقيق القضائي، بعدما استعصى ذلك على قضاة التحقيق لتمتع البرلمانيين بحصانة تشمل "الجنح والجرائم".

حجة الاستهداف

ويعتقد نواب في البرلمان، وعهدته بدأت في 2017 لتنتهي عام 2021، أنهم "مستهدفون" من الجهاز التنفيذي وفقاً لتسريبات من داخل لجنة الشؤون القانونية، ويمكن ملاحظة التحول الكبير من النقيض إلى النقيض في تعاطي الغرفة السفلى للبرلمان مع طلبات رفع الحصانة في بدايات الحراك الشعبي وما بعده، وقد عمّ شعور بين البرلمانيين بضرورة التعاطي مع ضغط الحراك في أسابيعه الأولى، لذلك تم تجريد زملاء لهم من الحصانة في ظرف قصير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول أستاذ كلية العلوم السياسية والإعلام في جامعة الجزائر، سليم حمادي، لـ"اندبندنت عربية"، إن "تحول أولويات الحراك أعطى فرصة للبرلمان المطعون في شرعيته من الجميع لاسترجاع الأنفاس، لقد اكتشف النواب لاحقاً أن بإمكانهم رفض طلبات رفع الحصانة بما يتيحه القانون لهذا المجلس، فالغريب أن معظم النواب لم يكن على اطّلاع بمسار رفع الحصانة إلا في فترة الحراك، لأن مثل هذه الطلبات ظل نادراً، وتعلق بحالة وحيدة تخصّ تسبب نائب في مقتل مواطن باستعمال السلاح الناري".

ويشير حمادي إلى أن "سلوك المجلس يكشف عن اتحاد هجين بين مختلف التشكيلات السياسية لا سيما المنتمية سابقاً لأحزاب الموالاة، فحتى انتماء رئيس البرلمان سليمان شنين إلى حزب معارض لا يُمكّنه من فرض منطقه على اللجان التي تملك صلاحيات داخلية واسعة". ورسّم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خياره بخصوص حل البرلمان بغرفتيه ما بعد تعديل دستوري عبر استفتاء شعبي قبل يونيو (حزيران) المقبل، وبدا تبون متردداً حول هذا الخيار خلال أسابيع حكمه الأولى لكنه بدأ، تدريجياً، الحديث بصيغة القرار حينما يتحدث عن تعديل قانون الانتخابات مباشرة بعد الدستور.

ويلفت سليم حمادي الانتباه إلى ربط بين هذا الخيار وسلوك النواب "يجنح البرلمانيون في الفترة الأخيرة إلى سلوك جماعي في التمرد على طلبات العدالة من باب مقاومة خيار حل المجلس"، مضيفاً "الرئيس تبون يعلم يقيناً أن البرلمان بتشكيلته الحالية يفقد الحجة في الترويج لأي إصلاحات سياسية مقبلة".

 مواجهة مع زغماتي

وعاد البرلمان الجزائري، الخميس، لنشاطه العادي في استجواب وزراء الحكومة للمرة الأولى منذ أكثر من سنة كاملة، فقد استدعي سبعة وزراء إلى الغرفة السفلى للإجابة عن "أسئلة شفوية"، بينها سؤالان إلى وزير العدل بلقاسم زغماتي، الذي تكون دائرته الوزارية وراء نحو 90 في المئة من طلبات رفع الحصانة عن نواب منذ تعيينه وزيراً في الحكومة في أغسطس (آب) العام الماضي.

وبدا على زغماتي انزعاج كبير وهو يجيب عن سؤالين يتعلقان بـ"معاناة عائلات مساجين في التنقل بعيداً لرؤية ذويهم المحبوسين"، فقد طالب النائب من وزير العدل "تشييد وحدة إعادة التربية (سجن) في كل محافظات الجزائر الـ 48"، ما اعتبره ممثل الحكومة أمراً مستحيلاً ويتعارض مع مبدأ "إعادة التربية في الصميم".

وترث حكومة عبد العزيز جراد عن الحكومة التي سبقتها نحو 977 سؤالاً كتابياً لم تتم الإجابة عنهم، ونحو 728 سؤالاً شفوياً لقيت المصير نفسه، وهي حالة تتشابه فيها الغرفة الأولى للبرلمان مع الغرفة الثانية، أي مجلس الأمة (مجلس الشيوخ)، ما يعطي مكتب البرلمان فرصة لـ "الثأر" من مصالح زغماتي في حال تأكدت معطيات عن "تمرد" السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية.

البرلمان والشارع

وتشعر نسبة كبيرة من الجزائريين أن البرلمان الحالي كان الأسوأ من بين غالبية الولايات البرلمانية التي توالت في فترة عبد العزيز بوتفليقة، ولا يُخفي نواب أنفسهم حينما يتواجهون مع الإعلام بشكل فردي، تأييدهم لضرورة حل هذا المجلس درءاً للاتهامات المتلاحقة.

ويقول النائب البرلماني حكيم بري (من دون انتماء) حول موضوع حل المجلس الشعبي الوطني "أضمّ صوتي للمطالبين بحل البرلمان لسبب يختلف عن الدعاوى الرائجة، نحن برلمان بلا صلاحيات واعتدنا رفع الأيدي من دون انتقاد ولا معارضة، كما أن الرأي العام ينسب ما هو جيد للسلطة التنفيذية بينما يُلصق ما هو سيئ بالسلطة التشريعية ".

لكن تساؤلاً جوهرياً حول رأي النائب حكيم بري إن كان البرلمان لا يملك فعلاً أي صلاحيات؟ في الحقيقة يحوز المجلس مجتمعاً على صلاحيات واسعة لا يمكن تجسيدها إلا في حالات التصويت بالغالبية، فللبرلمان الحق في إقالة الحكومة برفع "ملتمس الرقابة"، وهو آلية استعملها نظام بوتفليقة مرة واحدة في تاريخه حينما كلف البرلمان الموالي له (غالبية من جبهة التحرير الوطني) لإطاحة الوزير الأول السابق أحمد أويحي، وذلك في فترة خلاف شديدة بين الرئيس ورئيس الحكومة سنة 2006 .

والتعامل مع هذه الوضعية جعل من تفكير الرئيس المنتخب عبد المجيد تبون ينطلق من أصل الإشكال، وهو جعل رئاسة الحكومة أحقية للغالبية البرلمانية وتعويض الغالبية الحالية بأخرى يصفها بـ"النظيفة التي لم تُنتج عن تحالف المال بالسياسة"، وقصد نتائج تحقيقات قضائية استمع فيها الجزائريون إلى تهمة "التمويل الخفي للحملة الانتخابية وتمويل الأحزاب سرياً".

فقد تساقط رجال أعمال بسرعة البرق أمام تحقيقات قضائية طالت كيفية وصولهم إلى مواقع سيادية في هيئات دستورية أبرزها البرلمان، كما أن أحزاباً تحولت إلى مقار لصناعة القوائم الانتخابية المرشحة على أساس المال الفاسد، إذ يُشكل التحقيق مع نجلي جمال ولد عباس الأمين العام السابق لـ"جبهة التحرير الوطني" مثلاً، أحد المظاهر المشار إليها، فالقضاء اتهمهما بالحصول على أموال من رجال أعمال مقابل ترؤس قوائم الحزب في الانتخابات البرلمانية التي جرت سنة 2017.