Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"هويتي"... مبادرة مجتمعية تعيد الاعتبار إلى تاريخ عدن

 تهدف للحفاظ على المعالم الأثرية باعتبارها إرثاً ثقافياً يتطلب الحماية من الاندثار

صورة من صهاريج عدن (اندبندنت عربية)

يذكر المؤرخون عدن باعتبارها إحدى المدن القديمة، التي أسهم وقوعها على مفترق الطرق العالمية في لعب دور مهم في الصراع السياسي والاقتصادي القديم، كما أنها من أقدم المدن العربية، التي كانت تمثل محوراً حضارياً للنشاط التجاري، الذي جعلها محط أنظار كبرى دول العالم، وهو ما ورد ذكره في كثير من الدراسات والمخطوطات التاريخية القديمة، واعترفت به منظمة اليونسكو.

ذُكرت عدن في سفر حزقيال، الذي تحدث عن مدينة القدس، وكانت في بدايتها شبه جزيرة صغيرة الحجم لا تملك أي موارد طبيعية، لكنها احتلت مكانة مهمة لموقعها في طريق التجارة العالمية القديم بين الهند ومصر، كما أنها كانت موطناً لمملكة أوسان القديمة منذ القرن الثامن   قبل الميلاد، ومع أوائل القرن السابع قبل الميلاد شنّ ملك سبأ "كرب إيل وتر" الأول حملة عليها، وقتل ستة عشر ألف قتيل، واستعبد أربعين ألف نسمة من سكانها، وفق ما جاء في النصوص السبئية.

 

 

المعالم شاهد إثبات

يطول الحديث عن تاريخ مدينة عدن وعراقتها، وفق ما تثبته الوقائع على الأرض من خلال ما تبقى من معالم وآثار عدة تشهد على مكانتها.

 وبحسب رئيس مركز رؤى للدراسات الاستراتيجية والاستشارات والتدريب رئيس مبادرة هويتي  جاكلين البطاني، "تضم عدن أكبر عدد من المعالم التاريخية والأثرية. ففي مدينة كريتر وحدها توجد ثلاثة معالم تاريخية بارزة يمتد تاريخها لآلاف السنين، وهي صهاريج الطويلة، عمرها نحو  3500 عام، ومنارة عدن وقلعة صيرة، وعمرهما يقارب الألف عام. وعادة لا يجتمع هذا الكم من المعالم الأثرية في مدينة صغيرة. بالإضافة إلى السدود السبعة والقلاع القديمة المنتشرة على قمم جبال شمسان، ومساجد يمتد تاريخها لأكثر من 600 عام مثل مساجد جوهر والعيدروس وأبان، الذي تم هدمه وإنشاء مسجد جديد على أنقاضه يحمل الاسم نفسه، وفنار معاشيق والأبواب السبعة وهضبة عدن، ودور العبادة من مساجد وكنائس ومعابد. وعدد من المباني التاريخية التراثية المنتشرة في الحارات القديمة كحارة اليهود وحارة الزعفران، والمباني التراثية مثل قصر الشكر والمجلس التشريعي والمتحف الحربي والبلدية ومبنى الضرائب والسائلات التاريخية الثلاث، وغيرها الكثير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أهداف المبادرة

وتلفت جاكلين في حديثها مع "اندبندنت عربية" إلى أن مبادرة هويتي، مبادرة مجتمعية طوعية أطلقها مركز رؤى للدراسات الاستراتيجية والاستشارات والتدريب، وبمناصرة من بعض المنظمات، وتهدف إلى الحفاظ على المعالم التاريخية والأثرية في عدن والمحافظات المجاورة، بالإضافة إلى التوعية بأهمية الآثار والمعالم وحمايتها، باعتبارها إرثاً إنسانياً وتراثاً ثقافياً وهوية يجب تعزيزها وحمايتها من الاندثار.

وتأسف مسؤولة المبادرة من العبث، الذي طال أغلب المعالم التاريخية للعاصمة عدن، وانتهاك حرماتها ومحاولة طمسها، ومنها صهاريج الطويلة، التي تم السيطرة على حرمها من قِبل بعض المتنفذين، وتم بناء مساكن وعمارات داخلها على مرأى ومسمع وتواطؤ من السلطات المحلية، ولا يزال العبث مستمراً بها.

 تتابع، كما أن مهلكة الفرس أو معبد الفرس وكهوف البوميس التاريخية الواقعة على قمة هضبة عدن، تم السماح للسكان النازحين والمهمشين بالبناء داخلها، وتصريف مياه الصرف الصحي داخل الكهوف العريقة التي تستخرج منها مادة البوميس، وهي مادة توجد فقط في جبل شمسان، واستخدمت في بناء الصهاريج، وأغلب المعالم التاريخية التي قاومت كل عوامل التعرية حتى الآن، وشجعت السلطات المحلية على ذلك وأوصلت الكهرباء وخطوط الهاتف إلى قمة الهضبة، وبعض المنظمات تكفلت بإيصال المياه للساكنين هناك.
وتضرب مثلا آخر بالانتهاكات التي تتعرض لها المعالم التاريخية في عدن، ممثلة في سائلات عدن التاريخية الثلاث (الطويلة والخساف والعيدروس)، وهي ممرات ومسارب مائية أنشئت  قديما، وتسمح بمرور السيول إلى البحر لحماية عدن من الغرق أثناء الأمطار الغزيرة،  إلا أنه تم تدمير هذه السائلات والبناء عليها بعد عام 90 ميلادية. الأمر الذي أدى إلى غرق بعض الأحياء في عدن في وقت سابق، بالإضافة إلى تعرض دور العبادة لغير المسلمين للانتهاك مثل كنيسة يوسف ومعبد البنيان ومعبد جين، حيث أُحرقت الكنيسة بعد الحرب من قبل عناصر متشددة، ودُمر معبد البنيان. أما معبد جين فقد منحت وزارة الأشغال ملكيته لأحد المتنفذين ليقوم بهدمه وإقامة مجمع تجاري ولا تزال القضية في المحكمة.
أنشطة وزيارات

وتستعرض البطاني نشاط أعضاء المبادرة في زيارة عدد من المعالم التاريخية في عدن قائلة، في إطار برنامج أنشطة المبادرة، زرنا عدداً من هذه المعالم ومنها قلعة صيرة، وهي من المعالم التاريخية القديمة، وضمن هدفنا في زيارة كافة المعالم التاريخية في عدن ومعاينة وضعها والأضرار التي تعرضت لها، بسبب الحروب والصراعات وغياب النظام وعدم تطبيق القوانين، وقد وجدنا أن القلعة لم تسلم من الانتهاكات، وهي مهددة بالانهيار لأسباب عدة، منها عدم الصيانة والترميم الدوري، واقتلاع الأحجار من القلعة ورميها في البحر، ووجود دورة مياه داخل القلعة، كما وجدنا أيضاً من خلال المعاينة السطحية للقلعة بأن هناك حفراً وفجوات في جدران القلعة واقتلاع الأبواب الداخلية، بالإضافة إلى الشخبطة والرسم على جدران القلعة الداخلية والخارجية، كما أن التجريف لجبل صيرة من قبل المتنفذين لبناء عمارات وفلل خاصة بهم يُحدث ذبذبات في الجبال تؤدي إلى زعزعة أساسات القلعة.

 

 

التوعية المجتمعية

تؤكد مسؤولة المبادرة، أن مبادرة هويتي تأتي في إطار عمل منظمات المجتمع المدني، من  خلال التركيز على التوعية بأهمية الحفاظ على الموروث التاريخي، واستهداف المجتمع بكل شرائحه وفئاته، باعتبار أن مسؤولية حماية التراث الثقافي تشاركيه وتقع على الجميع، وكل فرد في المجتمع عليه أن يدافع عن هذا الإرث لضمان ديمومته واستمراره ليتوراثه الأجيال،  بالإضافة إلى استهداف السلطات المختصة بما فيها الأمنية، والضغط على كل الجهات المعنية للقيام بدورها في حماية المعالم الأثرية والتاريخية والحفاظ عليها من الطمس والتخريب والاندثار.

وذكرت أن المبادرة ستسمر في أنشطتها المتنوعة ولن تتوقف، فبالإضافة إلى الزيارات للمعالم التاريخية، هناك برنامج  لمحاضرات وندوات وورش عمل تثقيفية ومعارض للصور في المدارس الابتدائية والثانوية والجامعات، ورفع تقارير رصد وتوثيق للانتهاكات للسلطات المختصة والمنظمات الدولية والضغط عليها للقيام بدورها في حماية الآثار والمعالم، وتنظيم حملات إعلامية توعوية متنوعة تخاطب كل المستويات الثقافية والاجتماعية، وعقد دورات تدريبية، والتنسيق  مع المؤسسات التعليمية بضرورة غرس القيم الأخلاقية المتعلقة بالتراث الثقافي والهوية في المناهج التعليمية.

 



  حصر وتوثيق

وفقا للعضو الناشط بمبادرة هويتي مازن الجيلاني، تضمنت الأنشطة التي قام بها فريق هويتي العديد من زيارات المعالم والآثار في مدينة عدن، ومنها قلعة صيرة ومهلكة الفرس وجبل شمسان، الذي يتميز بقلاع وطرقات متدرجة وممرات طويلة صعودا تصل إلى قمم الجبل، بالإضافة إلى إحاطته بالسبعة الدروب، وتعد سدوداً موزعة على الشعاب والوديان التي تنحدر من جبال شمسان لتنتهي تلك الشعاب والوديان إلى صهاريح عدن.
ويضيف الجيلاني، أن البرنامج اشتمل على زيارة إلى المعالم الدينية التاريخية العدنية، ومنها المعابد البوذية والهندوسية، والكنائس والمساجد التاريخية، وأبرزها مسجد العيدروس ومسجد العسقلاني ومسجد أبان، والعديد من المساجد منها التي لا تزال على هيئتها، أو على الأقل لا تزال فيها شيء مما يوحي بتاريخيتها وهويتها الأصلية، وأخرى تم هدمها وإعادة بنائها، ولكن بنمط يختلف عما كانت عليه، وأدخلت عليها معالم معمارية تختلف عن نمط البناء في عدن.

 ويرى، أن للمبادرة التطوعية أهمية بالغة في حصر وتوثيق المعالم الأثرية في عدن والجنوب  بشكل عام، خاصة أنها تعرضت لطمس وتخريب ممنهج، وآخر ناتج عن الصراعات والحروب، بالإضافة إلى البناء العشوائي الذي أحاط بالعديد من المباني والمعالم الأثرية في عدن، بل وتعرض بعضها إلى النهب والاستيلاء وتحولت لممتلكات خاص.
ويعزو الجيلاني سبب مشاركته وبقية الشباب في مبادرة هويتي، إلى غيرتهم واستيائهم على ما يحدث لطمس هوية وتاريخ عدن المدينة الجنوبية الجميلة، وسعيا لإيقاف العبث الذي يطال معالمها التي تعد جزءاً من الهوية الجنوبية.

ويشير إلى أن الحروب والصراعات والانفلات الأمني الذي شهدته عدن والجنوب عامة في السنوات الماضية، وتدني الوضع المعيشي والاقتصادي والفقر وضيق الحال، أسهمت وانعكست سلباً على تغيير الوعي المجتمعي وأصبح الاهتمام بالمعالم والآثار من الأمور الثانوية، بل أصبح عند البعص التفكير بها من المستحيلات. لافتاً في هذا الصدد إلى أن دور مبادرة هويتي يكمن في الإسهام بتعزيز الوعي من خلال تكثيف التوعية المجتمعية عبر الوسائل الإعلامية والتعليمية المختلفة، وتوضيح أهمية الحفاظ عليها. وما ستجنيه من مكاسب اقتصادية وسياحية فضلا على أهمية الحفاظ على الهوية الجنوبية.

المزيد من منوعات