Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سجناء "داعش" البريطانيون... هل يدفعون إلى مقصلة الإعدام العراقية؟

أثيرت مخاوف جدّية في المملكة المتحدة من عدالة المحاكم العراقية

سجناء متهمون بالانتماء إلى داعش في أحد السجون السورية (أ.ف.ب.)

خلال الأيام الحافلة بالعمل، قد يرسل القاضي أحمد عدّة رجال إلى حبل المشنقة قبل حلول موعد الغداء.

فقد ترأّس داخل مقرّ عمله في إحدى محاكم بغداد أكثر من ألف محاكمة لعناصر متهمين بالانتماء إلى داعش.

يمشي السجناء المتّهمون بالانتماء إلى إحدى أكثر المنظمات الإرهابية وحشيّة في العالم بخطى متثاقلة عبر الأروقة مرتدين بزّات برتقالية فاقعة اللون. وينتظرون خارج قاعة محكمته بهدوء فيما يصغون إلى الذين يسبقونهم.

مثلَ بين يديّ القاضي الذي رفض الإفصاح عن اسمه لأسباب أمنيّة، متطرّفون غير نادمين وعُتاة القتلة وملفقون ومختلّون نفسيون. كما استمع لمتّهمين قالوا إنّهم انضمّوا إلى التنظيم كي يظلّوا على قيد الحياة فقط.

رأى شبانا من أوروبا سافروا آلاف الأميال للالتحاق بالتنظيم الجهادي عند ذروة نفوذه وعاشوا بما يكفي كي يشهدوا سقوطه. وهو يحضّر نفسه منذ بعض الوقت للتعامل مع العدد القليل من السجناء البريطانيين المحتجزين حالياً داخل سوريا الذين يثير مصيرهم الجدل.

وجرت محادثات حسب قوله بين العراق والحكومة البريطانية في مصيرهم.

وأضاف خلال مقابلة له مع "اندبندنت" في يونيو (حزيران) "أتابع قضيّتهم في الإعلام تحسّباً لإرسالهم إلى هنا. وهكذا سأعرف من هم."

وعدّد القاضي بعض الأسماء من مجموعة 10 رجال و30 امرأة يحملون الجنسية البريطانية ويُحتجزون في سوريا على يد القوات الكردية. وقُبض على معظمهم خلال آخر أيّام الخلافة التي سقطت في مارس (آذار) من السنة الماضية.

وبسبب خوفها من التهديد الأمني الخطير الذي يمثّله أعضاء داعش المزعومين، لا تريد الحكومة البريطانية أن يعود مواطنوها إلى المملكة المتحدة. لكن في المقابل، تقول قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تتألف إجمالاً من فصائل كرديّة قاتلت إلى جانب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في الحرب على داعش، إنّها لن تقدر على احتجازهم للأبد.

وإحدى الحلول التي تدرسها الحكومة وبلدان أوروبية أخرى وراء الكواليس هي السماح بإرسال السجناء للمحاكمة في العراق. في مايو (أيّار) من العام الماضي، حُكم على سبعة مواطنين فرنسيين بالإعدام في بغداد بعد نقلهم إليها من سوريا.

ويُدرس هذا الحلّ على الرغم من المخاوف القانونية وتلك المرتبطة بحقوق الإنسان التي يثيرها إرسال السجناء إلى بلد يُرجَّح أن يواجهوا فيه حكم الإعدام أو يتعرضون للتعذيب.   

ووجد تقريرٌ جديدٌ أصدرته الأمم المتحدة الأسبوع الماضي دلائل إضافية على مواطن خلل أساسية في محاكمات عناصر داعش المزعومين في العراق.

وقد أثقل كاهل النظام القضائي العراقي حجم القضايا المتعلّقة بداعش خلال السنوات القليلة الماضية. فبين يناير (كانون الثاني) 2018 وأكتوبر (تشرين الأول) 2019 فقط أصدر القضاء أحكاماً في 20 ألف قضيّة مرتبطة بالإرهاب وما زالت آلاف القضايا غيرها عالقة حالياً.

ووجد تحقيق الأمم المتحدة "اعتماداً زائداً على الاعترافات في ظلّ مزاعم متكررة بالتعذيب لم يجرِ التعامل معها كما يجب."

بعد مراقبة ما يقارب 800 محاكمة أُجريَت بين الأول من مايو 2018 و31 أكتوبر من العام الماضي، قالت المنظمة إنّ انتهاك قواعد المحاكمات العادلة "أضعف كثيراً موقف المتّهمين مقابل الإدّعاء- وسط توفّر تمثيل قانوني غير فعّال وقدرة محدودة على تقديم البراهين أو رفضها". وزعم المعتقلون أنّهم تعرّضوا للتعذيب في نصف الحالات المرصودة تقريباً. وفي 59 في المئة من القضايا، تراجع المتّهمون عن الاعترافات التي أدلوا بها أثناء استجوابهم.

وادّعى التقرير كذلك أنّ النيابة العامة ركّزت على "الانتماء إلى منظّمة إرهابية" دون تمييزٍ بين من ساهموا في أعمال العنف وارتكبوا جرائم دولية ومن التحقوا بداعش حفاظاً على حياتهم أو قسراً.

وتشير بعض المصادر إلى سعي الحكومة البريطانية لحماية نفسها من المشاكل القانونية التي قد تواجهها إذا ما أُرسل مواطنوها إلى هذه المحاكم، غالباً كي تتفادى تكرار قضايا حقبة الحرب على الإرهاب السابقة حين واجهتها مشاكل قضائية على خلفية تواطئها المزعوم في تعذيب مواطنين بريطانيين.

ففي العام 2010، دفعت بريطانيا ملايين الجنيهات في تسويات خارج المحكمة مع معتقلين سابقين في غوانتانامو باي، السجن العسكري الأميركي في كوبا، بعد اتهامهم إياها بالتواطؤ في تعذيبهم.  

ومن خلال المفاوضات مع المسؤولين العراقيين، سعت المملكة المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إلى الحصول على ضمانات من الرئيس العراقي برهم صالح بعدم توقيعه مذكّرات إعدام مواطنيها وفقاً لمحلّلٍ عراقي مطّلع على المحادثات طلب عدم الكشف عن اسمه. والأمل من اتفاق كهذا هو إمكانية إرسال السجناء البريطانيين إلى العراق دون أن يواجهوا عقوبة الإعدام.

لكن المفاوضات تعثّرت في ظلّ المظاهرات الحاشدة التي شلّت العراق والقمع القاسي الذي تمارسه القوات الأمنية وفقاً للمحلّل.

وفيما رفض متحدّث باسم الحكومة التعليق على هذه الاجتماعات، قال لإندبندنت "إن أولويّتنا هي سلامة وأمن المملكة المتحدة ومَن يسكنون هنا. ونواصل العمل بشكل وثيق مع شركائنا الدوليين للتعامل مع القضايا المرتبطة بالمقاتلين الإرهابيين الأجانب ومنها تحقيق العدالة في مواجهة المشاركين في الإرهاب في الخارج."

"ويجب أن يمثل من قاتلوا مع داعش أو ناصروا التنظيم أمام العدالة حيثما أمكن عقاباً على جرائمهم في الدائرة القضائية المناسبة وهي غالباً المنطقة التي ارتكبوا جرائمهم فيها."

وأضاف المتحدّث باسم الحكومة أنّ المملكة المتحدة "أوضحت أنّ أيّ آلية قضائية يجب أن تحترم حقوق الإنسان وحكم القانون وأن تكفل كذلك إجراء المحاكمات العادلة ومراعاة الأصول القانونية."

لكن هذه المحادثات استمرّت في ظلّ إثارة تساؤلات ومخاوف جديّة من طريقة تعامل النظام القضائي العراقي مع محاكمات عناصر داعش.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي عدد من محاكمات عناصر التنظيم التي حضرت وقائعها الإندبندنت خلال يونيو، لم تستغرق المحاكمة الواحدة أكثر من عشر دقائق.

وخلال إحداها، وقف شاب عراقي عمره 24 عاماً اسمه مصطفى خلف أمام القاضي ليعلن براءته. واستمعت المحكمة إلى أنّه أوقف على يد قسد في باغوز في سوريا، موقع المعركة الأخيرة لداعش.

وأبرز الإدعاء وثيقةً صادرة عن الاستخبارات العراقية تقول إنّه ينتمي إلى عائلة متطرّفة وإنه كان عضواً فاعلاً في داعش. كما أضافوا أنّ اسمه وارد في قاعدة بيانات رئيسية تفصّل الرواتب التي تقاضاها أعضاء داعش- وأُدرج اسمه بصفته مقاتلاً.

كما عرض الادّعاء اعترافاً من المتّهم، نفى خلف أنّه أدلى به. وزعم أنّه علق داخل منطقة داعش وأنّه سلّم نفسه إلى السلطات.

وحكم عليه بالإعدام شنقاً.

واكتشفت بلقيس ويلي، وهي من كبار الباحثين في منظمة مراقبة حقوق الإنسان "هيومان رايتس ووتش" ومسؤولة عن عدة تقارير مهمة عن محاكمات داعش، النمط نفسه من المشاكل التي وجدتها الأمم المتحدة.

 وتقول "إن هذه المحاكمات غير معنيّة بالمحاسبة بقدر ما هي معنية بالانتقام. وهي لا تراعي بكل بساطة أي معايير المحاكمات العادلة. "

إذا أرسل السجناء البريطانيون إلى هذه المحاكم، يمكنهم أن يتوقعوا معاملة شبيهة بهذه. وقدّمت محاكمات المواطنين الفرنسيين الذين نُقلوا من سوريا بعض المؤشرات عن احتمال سير الأمور.

"بشكل عام، أثار الفرنسيون نفس المخاوف التي أثارها العراقيون. والذي تعلّمناه من هذه المحاكمات هو أنّ القضاء العراقي لن يخصّك بمعاملة أفضل فقط لأنّك أجنبي."

وفي الوقت الراهن، بينما عُلّقت المحادثات بين الحكومتين العراقية والبريطانية، يقال إنّ الدبلوماسيين الأوروبيين يدرسون احتمال السماح لمعتقلي داعش أن يقعوا في قبضة الحكومة السورية.

ومن الحلول الأخرى تشكيل محكمة دولية في سوريا- وهو الحلّ الذي تفضّله قسد. لكنّه يواجه عوائق كبيرة بسبب عدم استعداد الحكومة الروسية السماح بتخلّي حليفها في دمشق عن أيّ من سلطاته.

والحلّ الأخير الذي تدعمه المنظمات الحقوقية والأمم المتحدة، هو أن تعيد الدول الأوروبية مواطنيها إليها كي يواجهوا العدالة فيها. ولا يُعتقد أنّ الحكومة البريطانية تدرس هذا الخيار.

وأجرت الإندبندنت مقابلات داخل سجن يقع في الشمال الشرقي السوري في ديسمبر (كانون الأوّل) مع معتقلين بريطانيين من داعش قالوا إنه لم يجر أي اتصال بينهم وبين الحكومة البريطانية.

ويُحتجز كلٌ من أسيل مثنى، 22 عاماً، وإسحاق مصطفاوي، 27 عاماً، حالياً داخل سجن مخصّص للمشتبه بانتمائهم إلى داعش في الحسكة. لم يعلم أيّ منهما عن تجريده من جنسيته البريطانية ولا عن مصيره.

واعتبر مثنى الذي كان يبلغ 17 عاماً من العمر حين التحق بداعش أنّه يجب السماح له بالخضوع للمحاكمة في المملكة المتحدة.

وقال  "بصراحة أنا أفهمهم. فمن وجهة نظرهم ولأنهم لم يروا ما حدث داخل سوريا، أتفهم إن لم يرد أحد لنا أن نعود. فبالنسبة لي مثلاً، أنا الذي قضيت ستة أعوام في سوريا، إن عدت، لا تعلمون ما الذي أعود به وما الذي تعلّمته أو ما الذي أستطيع أن أفعله."

"لكن عليهم أن يكونوا متفهّمين أيضاً. في حالة المغتصبين أو القتلة أو مرتكبي الجرائم الكبيرة، فالمملكة المتحدة يسعدها أن تساعد في إعادة تأهيلهم أو إصلاح حياتهم وأوضاعهم وتحسين الأمور وإعطائهم فرصة ثانية."

لكن من الأرجح مع ذلك أن يجد نفسه أمام القاضي أحمد وليس داخل قاعة محكمة بريطانية.

© The Independent

المزيد من دوليات