"حرب الغاز" في البحر الأبيض المتوسط

بين صراع الثروات الطبيعية واستحقاقات حركة التاريخ... خرائط جغرافية ومساقات بشرية مغايرة لأوضاع القرن العشرين

موقع إسرائيلي لإستخراج الغاز في البحر الأبيض المتوسط (غيتي)  

في منتصف العقد الاول من القرن الحادي والعشرين أصدر الجغرافي والجيوبوليتيكي الفرنسي الأصل المولود في فاس بالمغرب عام 1929 سلسلة من الكتب التي تتناول قصة جيوبولتيك العالم المتغير، وقد توقف كثيرا في مؤلفاته عند جيوبولتيك البحر الأبيض المتوسط بنوع خاص.

في ذلك الوقت كان العالم مشغولا بتطورات المشهد في العراق فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد قامت بغزوه في مارس 2003، وقبلها تطلعت الأنظار إلى أفغانستان، وعليه فقليلين هم الذين تيقنوا  لما سيحل بالبحر الأبيض المتوسط عما قريب، خلال عقد ونصف على الأكثر، من تداخل لمعطيات الجغرافيا، مع وقائع التاريخ. وعالم الجغرافية السياسية في كل الأحوال مهموم بتبيان كل الصراعات  بين السلطات وتأثيرها على الأرض أو الإقليم وصولا إلى العالم الواسع الذي يخضع لإعادة رسم خرائطه من جديد مرة أخرى.

والشاهد إننا لكي نقرأ تطورات المشهد في حوض البحر الأبيض المتوسط، فإنه لابد لنا من ربط المشهد الجغرافي بالمشهد التاريخي، ذلك أنه إذا كانت الجغرافيا هي ظل الله على الأرض، فإن التاريخ بدوره انعكاس الانسان وعمل يديه في هذا الكون الفسيح، حربا أو سلما.

والثابت أيضا أنه لا يمكن تحليل أو دراسة الصراعات بين القوى السياسية المتجاوزة في الأرض أو الإقليم من وجهة  نظر الحدود التي تقع عليها الدول فقط، لأن كل طرف له حلفاء بعيدون أو قريبون، ومن هنا  لابد من الأخذ بعين  الاعتبار قدرة أطراف الصراع والحلفاء بالتدخل عن مسافة بعيدة جدا.

في هذا السياق يمكن النظر إلى ما يجري في حوض البحر الأبيض المتوسط، لا سيما بعد أن انفجرت ينابيع الغمر العظيم من الغاز في منطقة شرق المتوسط.

غاز المتوسط وطاقة العصر الجديد

حكما لم تكتشف عيون العاز في المتوسط بين عشية وضحاها، إذ إنه من المؤكد أن خرائط المسح السيزيمي لمياه الحوض الأكبر في العالم كانت قائمة لدى الكبار، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، ولم يتم البدء في الاكتشافات إلا وفقا لخريطة مصالح أممية قد لا تبدو ظاهرة للأعين في الحال، لكن حكما سيتم الكشف عنها  في الاستقبال.

باختصار غير مخل تبدو الاحتياطيات من الغاز الطبيعي هناك ضخمة وهائلة، ويقدر الخبراء ما هو ساكن في منطقة شرق المتوسط بنحو 300 تريليون قدم مكعب، الأمر الذي دفع دول المنطقة إلى الإسراع في الاكتشاف ووضع اليد على تلك الثروات التي باتت تضارع في أهميتها وقيمتها الاكتشافات النفطية، بل يذهب البعض إلى أن الغاز ربما يكون طاقة نظيفة وسهلة الاستخراج ومن ثم الاستخدام.

على أن الصراع الجيوبوليتيكي الذي نحن بشأنه لم يعد قصرا على الدول ففي ظل اقتصاديات السوق، تبدو الشركات المتعددة الجنسيات، لا سيما شركات الطاقة الكبرى منافسا قويا وبخاصة في ظل ما يتوافر لها من رؤوس أموال تعينها على فتح مزيد من آفاق الاكتشافات، حتى وإن كانت تتخفى من وراءها دول باحثة عن النفوذ والسيطرة، الأمر الذي يزيد من تعقيد الصراع الغازي، قياسا بمثيله النفطي.

صراع الغاز وتجربة النفط التاريخية

هل ما يجري في المتوسط من صراع شركات ودول على الغاز المكتشف حديثا وغيره مما لم يكتشف بعد يعيد التذكير بالعقود الوسطى من القرن العشرين حيث كان الصراع على نفط الخليج العربي والشرق الأوسط على أشده؟

 من الواضح تاريخيا أن تلك الحقبة كانت القوة المسلحة فيها هي صاحبة الكلمة الفصل، ولهذا كان الاستعمار يأخذ شكلا مباشرا، غير إن هذا النسق بات من الصعب القبول به في حاضرات أيامنا، ولم تعد فكرة السيطرة على حقول الغاز بالقوة المسلحة طريقا معترفا به أو له أدنى حد من المشروعية الأممية.

 هنا ظهرت كبريات شركات الطاقة التي تملك أدوات العصر من الأموال التي تيسر وسائل الاكتشاف، ولاحقا تضحى شريكا فاعلا وجلها يحصل على  نصيب وافر من كعكة الاكتشافات.

أبعد من ذلك باتت تلك الشركات تلعب دورا مؤثرا في العلن تارة ومن وراء الستارة تارة أخرى في مسألة رسم الحدود البحرية بين الدول، ضمن إطار البراجماتية الكوكبية غير المستنيرة، أي التي تسعى  فقط لتعظيم أعمالها وأرقام منجزاتها، وقيمتها في أسواق البورصات العالمية.

القانون الدولي والمناطق  الاقتصادية

كيف تجري مسألة التنقيب عن الغاز وما هي القواعد المنظمة لمسألة استخراج الغاز من مياه المتوسط بالنسبة للدول المتشاطئة؟

باختصار غير مخل يقسم قانون البحار مناطق الملاحة البحرية إلى مياه داخلية وإقليمية ومنطقة المرور البري، هذا إلى جانب المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، ووفقا لاتفاقيات جاميكا التي أبرمت عام 1982، ودخلت حيز التنفيذ عام 1994 فبإمكان الدول الساحلية استغلال تلك المناطق وفقا لقواعد الاتفاقية.

فعلى سبيل المثال المياه الداخلية هي تلك الأجزاء من البحر التي تنتمي إلى إقليم الدولة، أما المياه الإقليمية فبحسب بنود الإتفاقية يمكن لكل دولة أن تحدد عرض بحرها الإقليمي بمسافة لا تتجاوز 12 ميلا  بحريا، وبالنسبة إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة فتمتد إلى مسافة 200 ميل بحري، وبإمكان الدول المتشاطئة الاستفادة من خيرات تلك المياه، هذا بالإضافة إلى إقامة جزر صناعية ومنشآت ولكن بشرط أن تعلن عن مشاريعها للدول الأخرى، وتسمح لها بممارسة حق البحث العلمي والصيد وحفظ الموارد الحية.

أما الجرف القاري لأي دولة ساحلية فهو قاع وباطن جميع أراضي المساحات المغمورة التي تمتد إلى ما وراء بحرها الإقليمي في جميع أرجاء الامتداد الطبيعي لإقليم الدولة البري، وذلك حتى الطرف الخارجي للحافة القارية، وفي حال كانت الحافة القارية للدولة الساحلية تمتد لأبعد من 200 ميل بحري فبنود الاتفاقية تنص على تحديد تلك المسافة إلى 350 ميل بحري... ولعل السؤال هنا: لماذا الحديث عن هذا الوضع القانوني الدولي؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

تركيا مطامع جغرافية وثارات تاريخية

جواب علامة الاستفهام المتقدمة يعود بنا إلى صراعات الجيوبولتيك، والتي تفتح أعيننا على التراث الاستعماري العثماني لمنطقة شمال البحر الأبيض المتوسط، فقد كان الأتراك قوة استعمارية رجعية، تختلف عن النموذج الاستعماري الأوربي، إذ فشلت في أن تماثله بتقدمه التقني والثقافي، فالعثمانيين لم يكونوا قادرين في أي نقطة زمنية من تاريخهم على تمثل التجربة الأوربية في علاقتها مع الشعوب الواقعة تحت سيطرتها، بمعنى أنهم أخفقوا في إحداث ثورة صناعية أو رأسمالية  في الدول التي استعمروها  طوال القرن التاسع عشر، كما أن ضعفها  الدولة التركية المتصاعد ومناورات القوى العظمى الأوربية أحدث ثورات ضدها بين الشعوب المهيمن عليها بداية في البلقان، ثم في الشرق الأوسط، وكل طرف من هذين الطرفين مع مفكريه ومثقفيه الذين يستمعون لما يقال في أوروبا حول القومية، بداأ بالحديث عن الاستقلال وعن الأمة.

حين ولدت القومية العربية في بلاد الشام أوائل القرن العشرين، ضخّت في دماء العرب رفضا تاريخيا للعثمانيين، لا سيما وإن تاريخهم كان الدافع الرئيس لأن ترفضهم شعوب المنطقة، واحدة وراء الأخرى، الأمر الذي يمثّل مرارة في حلق كل من يؤمن بأوهام إيقاظ العثمانية القديمة مرة جديدة.

إنه الجيوبولتيك إذن الذي يتجلى اليوم في الصراع على غاز المتوسط، وهو أبعد ما يكون عن ذلك.

 

اتفاق أردوغان – السراج

يحتاج الحديث عن العلاقات الليبية التركية إلى قراءات قائمة بذاتها سيما وإن التاريخ العثماني على أراضي ولاية "طرابلس الغرب" أي ليبيا الحالية كما كان يطلق عليها في زمن الاحتلال العثماني لليبيا عام 1840 مليء بالمعاثر السوداء، غير أنه من الواجب الإشارة إلى أن تركيا التي تعيش مأزقا اقتصاديا رهيبا يتمثل في ديون تصل إلى نحو 250 مليار دولار، هي في الحقيقة تكلفة التجربة الاقتصادية التركية الزائفة، ناهيك عن ارتفاع معدل الأسعار، وزيادة البطالة، ما أدى إلى تمرد الدولة العميقة... كل ذلك أدى إلى حراك تركي تفتق عن فكرة عقد اتفاقية مع حكومة الوفاق في طرابلس، عسى أن تكون حصان طروادة إلى غاز شرق المتوسط، سيما وإن المياه الإقليمية التركية فارغة من أي احتياطيات للغاز .

وفقا لبنود الاتفاق بين تركيا وليبيا فقد اكتسبت تركيا مساحات مائية كبيرة جدا، ففي الوقت الذي كانت ترغب فيه اليونان والاتحاد الأوروبي بحصر حصة تركيا في حوض شرق المتوسط بمسافة لا تتعدى  41 كيلومترا ارتفع هذا الرقم بعد الاتفاق إلى 189 الف كيلومتر مريع، كما زادت ليبيا أيضا من مساحة نفوذها إلى أكثر من 16 الف كيلومتر مربع، ولم يكتف الاتفاق بذلك، ولكنه ووفقا لوثائق سربها  موقع "نورديك مونيتور" الاستقصائي أعاد تحديد إحداثيات المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين والجرف القاري.

القضية بالنسبة لتركيا ليست فقط مجرد البحث عن ثروات الغاز التي تستنقذ اقتصادياتها من الوضع المتردي غير المسبوق الذي ينذر بتشابه أحوال أردوغان مع السلطان عبد الحميد، رجل تركيا الأخير الذي اطلق عليه الرجل المريض... 

 

تداخلات الأوهام والواقع

حين ثار المصريون في 30 يونيو (حزيران) 2013 على حكم الإخوان المسلمين، انهارت أحجار الدومينو التي راهن عليها الرئيس التركي، فقد كان الرهان من عنده على سطوة إخوانية من المغرب إلى  مصر شمالا، ومن السودان إلى النيجر جنوبا، وكانت ليبيا هي كعب أخيل ولا تزال في الغرب منها تحديدا، والتوجه التركي إلى هناك يحمل أكثر من هدف:

بداية يحاول أن يعيد الكرة ثانية على أمل أن تقوم هناك ولاية إيديولوجية، عمادها الارهابيين الذين جاء وقت الخلاص منهم على الاراضي التركية بعد ان تم الاستفادة منهم في المعركة السورية.

وثانيا، الحصول على أنصبة وليس نصيب واحد من ثروات المتوسط، والهدف الثالث الموصول بالجيوبولتيك التركي الأوربي هو الانتقام من المجموعة الأوربية التي رفضت حتى الساعة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. 

هنا يبدو السجال الجيوبوليتيكي بين أردوغان والاتحاد الأوربي أقرب ما يكون من التالي: "اتركوا المياه الإقليمية لقبرص وما حولها، ولا تحاولوا تعطيل التنقيب التركي عن الغاز هناك، وإلا فإنني قادر على  تصدير موجات من الإرهاب والإرهابيين إلى داخل اوروبا"... و"أوقفوا الحديث عن بطلان الاتفاق مع ليبيا، وإلا فإن الارهابيين السوريين سوف يتسللون إلى دولكم"، وهو ما تشير بعض المعلومات الاستخبارية أنه حدث بالفعل، إذ أن العديد من عناصر المرتزقة التركية التي وصلت إلى طرابلس ما فتئت تتحول مباشرة إلى إيطاليا.

 

المجتمع الدولي وجيوبولتيك المتوسط

يعن للمتابع المحقق والمدقق لشؤون وشجون جيوبولتيك المتوسط التساؤل: "ماذا عن رؤية المجتمع الدولي لما يجري في حوض البحر الابيض المتوسط؟"

المؤكد أن هناك بعض من التطورات الإيجابية المتمثلة في مشهد منتدى غاز شرق المتوسط ، وهو إفراز إيجابي لقضية الغاز سنأتي عليه لاحقا.

 إلا أن علامة الاستفهام الآنية التي تشغل عقول الجميع تتمحور حول التمادي التركي فيما يخص المشهد الليبي، وبخاصة في ظل تدفق الأسلحة والمرتزقة على  طرابلس.

هنا  يكون النقاش من حول مسارين، الأول هو عدم المقدرة على مواجهة تركيا، وهو أمر لا يقبله عقل، فالقوة الأوربية القارية المعاصرة، كفيلة بأن تذكر أردوغان بمعركة "ليبانت"، في منتصف القرن السادس عشر، والتي تم فيها تحطيم أسطول العثمانيين القدامى.

هنا لا يبقى إلا خيار ذهني وحيد وهو أن هناك من يستغل أردوغان لتنفيذ أجندة غير واضحة المعالم حتى الساعة من جهة، وقد يكون في ذات الوقت هناك من يود إغراق أردوغان في مستنقع ليبيا.

 

المستقبل ومنتدى غاز شرق المتوسط

على أنه وسط هذا الصراع الجيوبوليتيكي المتحول تبدو هناك جوانب وضاءة، منها نشوء وارتقاء منتدى شرق المتوسط للغاز الذي دعت إليه القاهرة، والذي تصفه "لوري هايتيان"، مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأنه يهدف للتعاون بين البلدان المؤسسة لإيجاد أسواق لتصدير الغاز، ووضع سياساته في المنطقة، والتشارك في البنى التحتية الموجودة أو التي قد تنشا  في سبيل تسهيل عمليات الاستخراج والانتاج.

الدول المشاركة في المنتدى هي مصر كمؤسس، واليونان، وقبرص، وفلسطين، والأردن، كما طلبت فرنسا رسميا خلال الاجتماع الذي عقد في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي في القاهرة الانضمام إلى عضوية المنتدى، وأعرب نائب مساعد وزير الطاقة الأميركي عن رغبة بلاده في الانضمام كمراقب بصفة دائمة.

نحن إذن أمام كيان جيوبولتيكي ستكون له رؤيته بالنسبة لمنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، ومن نافلة القول سوف تتبلور عنه رؤى استراتيجية وأهداف تشاركية لخلق صورة مغايرة للمنطقة لم تتضح معالمها وسط ضباب وغبار تثيره تركيا.

باختصار غير مخل، حوض المتوسط على  موعد مع مولد عصر جيوبولتيكي جديد بخرائط جغرافية ومساقات بشرية مختلفة عما شهده القرن المنصرم.

المزيد من تحلیل