"دوقة دي لاسال" لتمارا دي لمبيسكا: القناع والأصل

بيان لثورة نسائية في لوحة مثيرة للأسئلة

"بورتيه للدوقة دي لا سال" لتمارا دي لمبيسكا

حتى وإن كان من المتعارف عليه بالإجماع أن لوحة "البورتريه الذاتي مع سيارة بوغاتي" تعتبر الأشهر بين أعمال الرسامة البولندية الأصل تمارا دي لمبيسكا، فالذي لا شك فيه أن لوحة أخرى لها تحظى باهتمام النقاد والمؤرخين أكثر من أي عمل آخر لها وهي بالتحديد اللوحة المعروفة بالعنوان الذي اختارته لها الرسامة حين أنجزتها في العام 1925، ولعل في العبارة السابقة نفسها يكمن سرّ الإهتمام الفائق بهذه اللوحة كما سوف نرى بعد قليل، ولكن أيضا سر الإفتنان النخبوي بها.

الدوقة - الشبح

ولنبدأ هنا من النهاية، أي من التحقيقات والبحوث التي أجراها عدد كبير من المختصين بحثاً عن تلك السيدة المرسومة في هذه اللوحة التي تعتبر من أكبر لوحات دي لمبيسكا على الإطلاق من ناحية مقاساتها (162 سم إرتفاعا مقابل عرض يصل إلى 97 سم) وهي تبدو بالطبع عملاقة بالمقارنة مع ذلك "البورتريه الذاتي" الشهير "مع سيارة البوغاتي" (35×27 سم). فما الذي أسفرت عنه تلك المساعي؟ ببساطة إن تلك السيدة التي يُفترض بها أن تكون من سيدات المجتمع الراقي وذات ثراء فاحش، لكي توصي رسامة من طينة تمارا على لوحة بهذا الحجم، لا وجود لها في أي صحيفة أو كتاب أو سجل إجتماعي أو أية مدوّنات من أي نوع كان. إنها أشبه بشبح أطلّ لكي يُرسم هنا ثم اختفى تماماً دون أن يُخلّف أثراً سوى تلك اللوحة البديعة. ولنذكر هنا أن هذه اللوحة سيكون لها بعدما أُنجزت، شأن هام حيث سيقال أن المظهر الذي تظهر به الدوقة في المشهد سيكون هو تماماً ما سيوحى للنجمة السينمائية الألمانية الأصل مارلين ديتريش بالمظهر الذي راحت تتألق به أحيانا في أفلامها وغالباً في حياتها اليومية بحيث صار، في ذلك الزمن، موضة العصر.

 

إذاً بين اللوحة ومجهولية شخصيتها، وتمارا الفنانة والمرأة التي رسمت اللوحة، وأخيراً النجمة السينمائية الكبيرة، تأرجح ذلك العمل الفني خالقاً هو الآخر أسطوريته. و لعل الجانب الأكثر أهمية في تلك الأسطورية هو ما تنطق به اللوحة نفسها وتحديداً في علاقتها بالزمن الذي رُسمت فيه، زمن القسم الأول من سنوات ما بين الحربين العالميتين يوم راحت تندلع في عالم إنتقالي مرتبك يتأرجح بين المفاهيم والإيديولوجيات كل ضروب الثقلبات بل الثورات الإجتماعية في انتظار ترجمتها إلى تغيّرات سياسية. ولعل واحدة من أشد الثورات صخباً في ذلك الحين كانت الثورة النسوية التي لا شك أن تمارا كانت واحدة من المؤمنات بها. وذلك أمر يمكننا سبره في الغالبية العظمى من لوحاتها التي رسمت فيها نساء قويات باردات مفعمات بالعزيمة سواء أكنّ عاريات مجهولات أو من سيدات المجتمع بل من علية القوم المعروفات، إلى جانب بورتريهات لرجال غالباً ما كانت تربط الرسامة بهم صداقات وحتى علاقات عاطفية ستقول لنا سيرة حياتها أنها دائما ما كانت هي الطرف المسيطر فيها.

نحو تحرير إمرأة ما

في اختصار هنا يمكننا القول إن تلك الرسامة التي قد لا يعترف النقد الكبير بمكانة حقيقية كبرى لها هي التي اختارت تغليب الفن التزييني في أعمالها على المدارس الفنية النخبوية، حتى ولو داعبتها رؤى رمزية أو تكعيبية ورثتها من أستاذيها الفرنسيين في الرسم موريس دينيس وأندريه لوت، كانت صاحبة رسالة فنية تقوم على أسس إجتماعية وتتعلق خاصة بما كان يسمّى حينها "تحرير المرأة" ولكن ليس إقتصادياً أو إجتماعياً أو حتى سياسياً، بل جسدياً وروحياً. بالنسبة إليها كان على المرأة أن تمتلك جسدها وروحها. ولعلنا نجد في اللوحة التي نتحدث عنها هنا مرآة صاخبة لتلك الرؤية بالغة التقدم بالنسبة إلى ذلك الحين، ما يفرض علينا أن نشير إلى أن الدوقة المرسومة ليست في حقيقة الأمر سوى القناع الذي اختبأت تمارا خلفه لكي تقدم نظرتها الخاصة حول "ما يجب أن تكون عليه المرأة". ومن البديهي أن هذه الفرضية المبنية على مزاج تمارا النسوي من ناحية وعلى عدم العثور على أثر الدوقة نفسها في الحياة الحقيقية من ناحية أخرى، يجدر بها أن تقودنا إلى الإفتراض بأن ما لدينا هنا إنما هو شبه بورتريه ذاتي للرسامة نفسها، متواكب مع الصورة التي شاءت تمارا أن ترسمها للأنثى الجديدة بالمعنى المطلق للكلمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذ نقول هذا نتأمل "الدوقة" في وقفتها الصارمة وفي ألوان اللوحة نفسها الباردة. ففي الوقفة التي تم إختيارها على خلفية مشهد للمدينة يلوح عبر النافذة ما يوحي بسيطرة الأنثى على المدينة. أما الثياب التي ترتديها فهي أقرب إلى الملابس الرجالية الخاصة برياضة ركوب الخيل التي كادت تكون وقفاً على الرجال. ثم هناك الوقفة نفسها حيث نرى رجلاً على أرضية الغرفة والأخرى على درجة سلّم توحي بقدر كبير من الثقة بالنفس تعزّزه نظرة تتأرجح بين التحدي والعتب. ولنضف إلى هذا تلك اليد الموضوعة بقوة داخل جيب السروال مقابل اليد اليسرى المستندة إلى حاجز أو طاولة... ومن الواضح أن "الدوقة" حتى في تعبيرها اللامتناهي عما يسمى عادة "الإسترجال" تعبّر في الوقت نفسه عن أنوثة طاغية وسيطرة تامة على مصيرها عبر إدراك لا مراء فيه أنها إنما تحمل هنا رسالة واضحة.... ولنخلص من هذا إلى أن الرسالة تقول كل شيء، عبر كونها رسالة من "الدوقة" موجهة إلى كل من سيشاهد اللوحة، وهو ما تؤكده بالطبع تلك النظرة الحادة السابرة أعماق مُشاهد اللوحة في تواطؤ بيّن مع الرسامة نفسها بحيث تبدو "الدوقة" وكأنها مجرد مرآة لما تفكر فيه تمارا ما يعيدنا مرة أخرى إلى فرضية تجعل اللوحة بيانا أنثويا ثوريا.

سيرة تجوال متواصل

والحال أن سيرة حياة تمارا تؤكد لنا ذلك هي التي كانت في أوج نضجها، حين رسمت هذه اللوحة بعد سنوات من وصولها إلى باريس حيث عاشت سنوات طويلة من حياتها قبل أن تنتقل متجولة بين مدن وحيوات ورجال كثر لينتهي بها الأمر في أميركا ثم في النهاية في المكسيك حيث لفظت أنفاسها في العام 1980 عن إثنين وثمانين عاماَ.

فتمارا دي لمبيسكا ولدت العام 1898 لعائلة غورسكي الثرية في وارسو عاصمة بولندا، لكنها انتقلت باكراً إلى بيتروغراد بعد أن تلقت دروسها الأولى في لوزان بسويسرا. ولقد كان زواجها الأول في العاصمة الروسية عام 1916 حيث عاشت حياة رخاء وسط أجواء بيتروغراد الفنية مع زوجها تاديوش لمبيسكي سرعان ما قطعها عليهما إندلاع الثورة البولشفية فتوجها بثروتهما إلى باريس في العام 1918. وهناك، كما سوف تقول تمارا لاحقا، بدأت حياتها الحقيقية فعاشت مغردة على هواها دون أن تعبأ حتى بالصعوبات التي كان يعاني منها زوجها رغم أنها أنجبت منه ابنتها الوحيدة كيزيت. فهي في باريس الصاخبة العابقة بكل أنواع الفنون والأفكار والثورات، لم تهتم إلا بتطوير ذاتها متنقلة بين المجتمع والرسم بانية لنفسها صداقات في غاية الأهمية واصلة في العام 1925 كما إلى المشاركة في أول صالون لرسامي الآر – ديكو في العاصمة الفرنسية قبل أن تعرض في صالون الرسامات النساء في التويليري لتبدأ مجلات المجتمع باكتشافها ومنها مجلة "هاربر بازار" الأميركية الشهيرة التي ستكون أول من يلفت النظر اليها على المستوى العالمي ولكن كسيدة إجتماعية متمردة أكثر مما كفنانة كبيرة. ولسوف تظل هذه الوضعية ترافقها هي التي سوف يكون من بين عشاقها في ذلك الحين الكاتب الإيطالي دانونزيو وجامع اللوحات البارون كوفنر الذي سيكون زوجها الثاني بعد طلاقها من لمبيسكي. وهي انتقلت مع زوجها الجديد إلى الولايات المتحدة حيث انضمت إليهما كيزيت التي ستهتم بأمها في آخر حياتها وتساعدها في لوحاتها التي لن تتوقف عن رسمها حتى آخر أيامها.

المزيد من ثقافة