حادثة اختطاف العمال التونسيين تعيد الحديث حول سلامة العمال الأجانب وحمايتهم في ليبيا

لم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها في ليبيا، فقد أقدمت مجموعة مسلحة في 12 من يونيو (حزيران) من العام 2015 على اختطاف 10 موظفين من القنصلية التونسية

وزير العمل والتأهيل التونسي مع الناطق باسم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية (صفحة وزارة العمل والتأهيل بحكومة الوفاق الوطني على فيسبوك)

 درجت بعض الجماعات المسلحة في ليبيا على استسهال احتجاز المواطنين التونسيين، كلما وقع أحد أفرادها في قبضة الأمن التونسي. وجاءت عملية اختطاف 14 عاملاً تونسياً في مصفاة الزاوية في 14 فبراير (شباط) الحالي، تعزيزاً لتلك الحالة من انعدام الأمن التي تعيشها مدن المنطقة الغربية منذ زمن، إذ إن حالات الاختطاف والمطالبة بالفدية تتكرّر على الدوام هناك، ومن دون أن تجد السلطات المحلية حلاً لهذه المعضلة.

14 عاملاً مقابل شخص محكوم

في 14 فبراير الحالي، أقدمت مجموعة مسلّحة مجهولة على اعتراض حافلة كانت تقلّ 14 عاملاً تونسياً في طريق عودتهم من مصفاة الزاوية، واقتادتهم إلى مكان مجهول. كانت الحادثة صادمة بسبب العدد الكبير من المختطفين، وأيضاً بسبب الحجة التي ساقها الخاطفون كتبرير لعمليتهم، إذ نشرت المجموعة المسلحة مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تطالب فيه بالإفراج عن مواطن ليبي محكوم عليه في تونس بالسجن 20 عاماً في قضية تهريب مخدرات، مقابل إطلاق سراح المخطوفين لديهم.

ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة

لم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها في ليبيا، فقد أقدمت مجموعة مسلحة في 12 من يونيو (حزيران) من العام 2015 على اختطاف 10 موظفين من القنصلية التونسية، مطالبة بالإفراج عن زميل لهم احتجز على ذمّة التحقيق في تونس في قضية إرهاب، وقتذاك، أطلقت السلطات التونسية سراحه، وبعدها بأيام عدة، أفرج المسلحون عن موظفي القنصلية.

الحكومة التونسية... تغيّر سياسات التعامل

لعل تفاعل السلطات التونسية في هذه الحالات بطريقة مغايرة، أغضب الجماعات المسلحة التي عملت على التشدد في اختطاف مواطني تونس في ليبيا، كلما وقع أحد افرادها في قبضة الأمن التونسي، لكن الحكومة التونسية فضّلت أن تتواصل مع السلطات المحلية في ليبيا والمتمثلة في حكومة الوفاق الوطني، التي تقع مدينة الزاوية ضمن دائرة نفوذها، من أجل العمل على إطلاق سراح المختطفين وملاحقة المجموعة المسلحة.

الاقتراب من كشف هوية الخاطفين وتحرير المخطوفين

ولِكون المجموعة المسلحة أفصحت عن شيء من هويتها حين نشرت ذلك الفيديو للمطالبة بإطلاق سراح أحد منتسبيها المحتجز في تونس، صار من السهل على الأجهزة الأمنية تخمين هوية الخاطفين، أو الأماكن التي من الممكن أن يتجهوا إليها، ولم يتطلب الأمر كثيراً من الوقت، إذ سرعان ما علمت مديرية أمن الزاوية بمكانهم وتوجهت وحدات من قواتها لتحرير الرهائن. ويبدو أن شعور المسلحين بأن هويتهم صارت شبه مكشوفة للسلطات الأمنية، دفعهم إلى عدم المقاومة أو التورّط أكثر بقتل أحد العمال التوانسة، فما كان منهم إلا أن تركوا المكان الذي استخدموه للاحتجاز ولاذوا بالفرار، فدخلت وحدات مديرية أمن الزاوية، وأفرجت عن المخطوفين ونقلتهم إلى المدينة حيث عملت على ترتيب عودتهم إلى بلدهم.

جدل حول حقوق سلامة العمال الأجانب في ليبيا

هذه الحادثة فتحت العديد من الملفات حول سوق العمل في ليبيا ومدى تحمّل السلطات الليبية مسؤولية تأمين العمال الأجانب، كما فتحت الحديث عن المنشآت النفطية والتدابير المتخذة فيها لحماية العاملين وضمان سلامتهم وسط الأوضاع الأمنية المتذبذبة التي تعيشها البلاد في شكل عام. وقد طالبت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، السلطات الليبية ممثلة بوزارتي الداخلية والخارجية وحكومة الوفاق الوطني، بتحمل مسؤولياتها في ضمان حماية الأجانب المقيمين على أراضيها وسلامتهم، وقال رئيس اللجنة أحمد عبد الحكيم حمزة، إن السلطات الليبية مطالبة بتحقيق مبدأ قبول الأجنبي، الذي يكفل حماية حركة الأجانب على أراضيها وحريتهم.

لتدابير في صالح العمال الأجانب

على الرغم من أن الحكومة التونسية أبدت ارتياحها لعودة مواطنيها في بيان صدر عن وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي، غير أن الأصوات المطالبة بإعادة النظر في قوانين العمل وظروفه في ليبيا بدأت ترتفع، ما دفع وزارة العمل والتأهيل في حكومة الوفاق الوطني، إلى مناقشة هذا الملف مع المجلس الرئاسي، والتقى وزير العمل والتأهيل المهدي ورضمي بالناطق الرسمي لرئيس المجلس الرئاسي السيد محمد السلاك، لبحث ضوابط العمالة الوافدة وتصنيفاتها، ولم يرشح الكثير عن هذا اللقاء، سوى ما صرّح به وزير العمل بأن الوزارة بصدد إصدار بعض الضوابط التي ستزيد من حماية العاملين الأجانب في ليبيا، من دون أن يوضح شكل هذه الضوابط وماهيتها. ويبقى الواقع الأمني المتردي، يلقي بظلاله على كل مناحي الحياة في البلاد، فعلى الرغم من كل التدابير، لا تزال أعمال السطو المسلح والاختطاف تتكرر كل يوم، في ظل انشغال حكومة الوفاق الوطني بصراعها مع الجيش في الجنوب، وفي ظل انتشار السلاح وتكاثر المجموعات المسلحة المختلفة الأهواء والمصالح، الأمر الذي يحتاج إلى الكثير من الجدية والحزم في حلحلته، وعلى الرغم من ذلك، ليس أمام العمال التوانسة غير العودة إلى العمل في مصفاة الزاوية، إذ إن بلدهم لا يوفر لهم فرص العمل، معللين أنفسهم بأن ما يحدث معهم لن يتكرر.

المزيد من العالم العربي