Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سراديب الموتى"... باريس بين عالمين

مدينة الرومانسية والعشّاق تعوم فوق 6 ملايين جثة مدفونة على عمق يقارب الـ 20 متراً تحت الأرض!

مدخل سراديب الموتى في باريس (من الموقع الرسمي Catacombes de Paris)

في باريس تصنع الحكايا بمزيجٍ من الخيال والواقع، ويترك للتاريخ مهمة روايتها المصحوبة بالكثير من السحر والغموض. فمن كان يصدّق أن عاصمة النور، مدينة الرومانسية والعشّاق، تعوم فوق مدينة الموت التي يسكنها 6 ملايين جثة مدفونة على عمق ما يقارب الـ 20 متراً تحت الأرض!.. لكنها مفارقة حقيقية لها مرجعيتها التاريخية العائدة إلى قرونٍ خلت في حكاية باتت تشكّل اليوم واحدة من أساطير العظمة الباريسية.

إن باريساً أخرى تسمى بـ "سراديب الموتى" أو  Catacombes de Paris تسكن تحت باريس التي نعرفها ونعيش بهجتها. الأولى تحكمها رهبة الصمت، بينما تحتكم الثانية بسلطة الصخب والحياة المحمومة. لكنها في النهاية، باريس واحدة، يشكّلها تناقض مثير لعالمين منفصلين كلياً عن بعضهما البعض. عالم سفلي مظلم، رهيب، تكتب دهاليزه وجدرانه المكسية بالعظام والجماجم، خلاصة الوجود الإنساني المتأرجحة بين الجدوى واللاجدوى، وعالم علوي مفعم بالضوء، بالموضة، بالفن وبالحب. أما الانتقال بين هذين العالمين الباريسيين فيكون من خلال باب صغير يدخله سنوياً مئات الآلاف من الأشخاص الباحثين بمزيد من الشغف والحماس، عن قصص لا تنتهي من غموض هذه المدينة.

على هذه البقعة من الأرض التي تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 11000 متراً مربعاً، تتجسّد ثنائية الموت والحياة في تناغم فريد ومبهر. هو مشهد يمزج بين الواقعي والسريالي، تبرز من خلاله سخرية القدر بأوضح صورها، حيث الإنسان مهما علا شأنه يظلّ عابر سبيل لا أكثر ولا أقل، بينما يرسم البعد الفلسفي داخل هذه السراديب، حتمية دورة الحياة الطبيعية لبني البشر.

تعايش الأحياء مع الأموات

يعود مصطلح "سراديب الموتى" أو catacombs إلى مصطلح Catacombs باللغة الإنجليزية في إشارة إلى المدافن الرومانية تحت الأرض، والتي كان يُحفظ فيها رفات الموتى على شكل زخرفي في بعض الأحيان. ومن الأخطاء الشائعة أن كثيرين يعتقدون جميع المحاجر والسراديب تحت أرض باريس استخدمت لدفن وتكديس الجثث. فبحسب الموقع الرسمي لـ Catacombes de Paris فإن هذه السراديب تشكّل جزءاً صغيراً من متاهة الممرات الضخمة تحت مدينة باريس والتي تمتد على مساحة تقارب الـ 800 هكتار.

يذكر  Patrick Saletta في كتابه souterrains de paris  أن فكرة "سراديب الموتى" في باريس ارتبطت بالصعوبات التي لطالما واجهت الإنسان منذ العصور القديمة في تعايشه مع دفن الموتى. الأمر الذي استدعى منه قراءة تاريخية متخصصة للمقبرة كمكان ومفهوم بالنسبة للفرنسيين وتحديداً الباريسيين منهم.

وفي بحثه حول هذه التجربة الغريبة المعروفة بأنها أكبر وأضخم مقبرة في العالم، أوضح أنه في بدايات العصور الوسطى، تركّزت المدافن حول الأبرشيات الموجودة آنذاك. ومع حلول القرن السادس عشر كان لدى الباريسيين العديد من المقابر الشرعية والمعترف بها حول الكنائس، وأقدمها مقبرة كنيسة سان مارسيل. وبالمقابل أوجدوا المقابر الجماعية في زمن الحروب والأوبئة التي كانت تزوّدهم بالكثير من الجثث التي لا يعرفون أسماءها في أغلب الأحيان.

وفي نهاية القرن الثامن عشر، وبسبب انتشار الأمراض نتيجة للازدحام السكاني وقتها، وجد الباريسيون أنفسهم أمام عدد هائل من الجثث التي تتكدّس أمامهم يوماً بعد يوم. وبالتالي أصبحت المقابر مكتظة جداً بما فيها مقبرة "الأبرياء" الأشهر والأكبر في باريس. ما أدى إلى انتشار الدفن غير اللائق كالقبور المفتوحة والجثث المكشوفة. ولأن الناس كانوا قد بدؤوا يعيشون إلى جوار المقابر، صاروا يشتكون من الروائح الكريهة، حيث أن عمليات "الزفير" الناتجة عن تحلل الجثث باتت ترشح بقوة في الأزقة لدرجة أنها تسببت بإطفاء شموع الشوارع. وبالطبع اتخذت بعض الإجراءات الإصلاحية والترميمة لكنها لم تخلّص الأحياء من مشاكل الأموات بشكل نهائي، إلى أن تمّ حظر الدفن داخل حدود المدينة في 30 مايو من العام 1780 حفاظاً على صحة السكان، بعد أن تسببت الأمطار القوية بانهيار مقبرة "الأبرياء" وتعفن الجثث في المناطق المجاورة وتفسّخها.

في العام 1777 كان ضابط الشرطة أليكساندر لينور قد قدّم مشروعاً لمحافظة باريس يقتضي بتحويل جزء من المقالع الحجرية القديمة الموجودة على شكل أنفاق منذ القرن الثاني عشر تحت المدينة، إلى مقابر تحفظ رفات الأموات وتساعد الأحياء على مواصلة حياتهم في سلام بعيداً عن الأمراض والأوبئة. وكانت الموافقة على المشروع بمثابة ثورة على السائد، ثورة أنصفت الأحياء وحفظت الأموات.

حدثت عمليات نقل الجثث الأولى إلى المحاجر بين عامي 1785 ـ 1787، حيث كان يتم إفراغ المقابر الجماعية ونقل العظام عند حلول الظلام في شاحنة سوداء مغاطاة لتجنب ردات الفعل العدائية من قبل الناس والكنيسة. وبعد إفراغها كان عمال المحاجر تحت الأرض يقومون بتوزيعها وتكديسها في صالات العرض. واستمرت عمليات الإخلاء والنقل والتكديس بعد الثورة حتى عام 1814 بالتزامن مع إزالة مقابر الأبرشية وسط باريس. بعدها استؤنفت الأعمال مرة أخرى في العام 1840 خلال أعمال التخطيط الحضري في عهد لويس فيليب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

متحف الموت

بدءاً من العام 1809 افتتحت سراديب الموتى أمام الزوار الذين صاروا يأتونها خصيصاً من جميع أنحاء العالم. لكن قبل ذلك أخذ المهندس Héricart de Thury على عاتقه مهمة تحويل المحاجر التي باتت مليئة بالهياكل العظمية إلى مكان أثري قابل للعرض بطريقة فنية. وقد تمّ ترتيب العظام بعناية كبيرة بحيث تتناوب صفوف السيقان مع صفوف الجماجم في المقدمة، بينما تتراكم خلفها الأجزاء المتبقية، مشكلةً بهذه الوضعية جدران الممرات. مع العلم أن الزوار لا يستطيعون التجول إلا في جزء من السراديب، حيث أن المساحة المتبقية محظورة عليهم إلا أنها اقتحمت من قبل بعض الفضوليين أكثر من مرة.

وأكّد Saletta أن هذا المهندس الذي كان مدير المحاجر في مدينة باريس، صمّم على حفر بعض الاقتباسات المأخوذة من النصوص المقدّسة والشعر والفلسفة على أحجار وزّعها بين السراديب لاستكمال تصميمها الخاص كمتحف فني، ما أضفى على المكان مزيداً من السحر والإلهام بدءاً من عبارة "قف.. أنت أمام إمبراطورية الموت" المنقوشة على حجر فوق البوابة، والتي تحوّلت إلى أيقونة لغوية وأدبية في جميع أنحاء العالم.

بعد الافتتاح استقبلت "سراديب الموتى" خلال عقودها الأولى العديد من الشخصيات الهامة والمشهورة من أبرزها الإمبراطور النمساوي فرانسيس الأول الذي زارها عام 1814، ونابليون الثالث وابنه اللذين زارها عام 1860.

تمّ تنظيم مجموعة من المعارض والفعاليات التي تتمحور جميعها حول موضوعات الموت والحياة والتاريخ داخل السراديب، كان آخرها معرض "تاريخ الهياكل العظمية" الذي استمر من يناير 2017 وحتى نهاية ديسمبر 2019 الذي عمل على استكشاف الباريسيين الذين عاشوا بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر من خلال مقاربة أثرية وأنثروبولجية قام بها المعهد الوطني للبحوث. وقد كشفت نتائج الدراسات عن الأوبئة والامراض التي واجهت المجتمع الباريسي في تلك الحقبة الزمنية، بالإضافة معلومات عن النمط الغذائي ونوعية الأطعمة السائدة  وقتها.

من جهةٍ أخرى، تم استغلال سراديب الموتى لتسليط الضوء من خلال المعارض والأنشطة على التراث الجيولوجي للأراضي الباريسية. حيث أن هذه الأنفاق الحجرية القديمة هي المكان الوحيد اليوم الذي يمكّن الباحثين من معرفة تاريخ الأرض منذ ملايين السنين.

وتجدر بنا الإشارة إلى أن ضمان بقاء هذه العظام ضمن حالتها السليمة في مكان رطب جداً تحت الأرض، يمثّل إحدى التحديات الحقيقية أمام الباريسيين أنفسهم، خاصة وأن الأمر يتعلّق باحترام البقايا البشرية والحفاظ على التراث الجيولوجي والتاريخي لمدينة باريس من أجل الأجيال القادمة. وبالتالي ثمة جهود بحثية وتقنية جبّارة تعمل بجدية للحفاظ على "سراديب الموتى" في ظروف صحية وجيدة تضمن استمرايتها.

الصمت حارس السراديب وحاكمها

من لحظة عبورك الباب الفاصل بين عالم باريس المظلم وعالمها المضيء، يلزمك 130 درجة للنزول إلى السراديب الكامنة بما يعادل مبنى من خمسة طوابق تحت الأرض. وقد حُدد طول مسار الزيارة بـ 1 ونصف كيلو متر تقضيها صامتاً وأنت تتجول في مملكة جميع ساكنيها صامتون وتشترط الصمت على جميع زوارها. فعلى الرغم من أن الدهشة تأكلك طيلة ساعة كاملة هي متوسط وقت الزيارة، طارحاً في نفسك العديد من الأسئلة حول التاريخ والفلسفة والأديان والسياسة والفكر الإنساني، إلا أنك تلتزم الصمت دون أن تدري فلا تتفوه بحرفٍ واحد.

وفي الحقيقة ثمة رعب مطبق على المكان تفرضه جماجم الساكنين في العالم الأبدي وأوراحهم الخرساء، حيث تكثر في هذه الأجواء أفكار الرعب وتخيلاتها حتى أن بعض الزوار حكوا قصصاً ومغامرات عن أشباحٍ التقتهم داخل السراديب، مؤكدين أن ثمة أرواحٍ ما تزال عالقةً بين جدران الممرات تصطدم بالأحياء خلال مرورهم.

ويأتي مقطع من قصيدة للشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين منقوشة على قطعة حجرية في إحدى الممرات، ليزيدك رعباً لكن من نوع مختلف، إنه رعب من الخواء الملازم لمصير الإنسان، ومن فكرة أنك ستغدو مهما طالت أيامك جمجمةً وقلة من العظام. فهي تقول بما معناه: "لقد كانوا كما نحن غبار تتلاعب به الرياح، ضعفاء كما البشر، ضعفاء كما العدم".

تكمل مسيرك داخل متحف الموت، متنقلاً بين ممرٍ وآخر، وتحاول أن تصنع في مخيلتك قصصاً حول هذه العظام المكدّسة، فتعيد لملمة الأجزاء المتفرقة لكل جسدٍ على حده، وتكسيه من جديد بطبقةٍ من اللحم، وأخرى من أزياء زمن العصور الوسطى حين كان هؤلاء الباريسيون ما زالوا على قيد الحياة. تطلق الأسماء على شخصيات مختلفة الأعمار والأعمال، خباز، جندي، أم لثلاثة أطفال، مدرس، رجل دين، صانع عطور...... وتستدعي ذاكرتك لتنسج بعض المشاهد الدرامية من وحي الزمان والمكان.

من الطبيعي أن تجمع بين التراجيديا والكوميديا في حكاياك حول شخصياتك الافتراضية. فتتخيل كيف ماتوا؟ كيف كانوا يعيشون؟ هل كانوا سعداء؟ هل حقّقوا أحلامهم؟ هل كانوا مضحكين؟ ثم تنتقل إلى مرحلة أخرى من الدراما تتخيل فيها عمّال المحاجر وهم يكدّسون العظام فوق بعضها البعض بطريقة عشوائية، لا تضمن لك أن هذه الجمجمة وعظمة الساق التي إلى جانبها تنتميان لهيكل الشخص نفسه..

قد يستمر الخرس الذي يلقي بثقله على زوار السراديب، للحظات ربما، بعد تجاوز 83 درجة باتجاه مملكة النور والضجيج التي ستراها بأعينٍ جديدة كما لو أنك أمام فيلمٍ سينمائي يستعرض تاريخ المدينة وحيواتها العديدة والمتناقضة. فأنت الآن ترى باريس كلغزٍ مكشوف لكن يصعب حلّه.