الجزائر أمام حكومة معلّقة بانتظار استفتاء الدستور

الخلل في علاقة الرئيس بوزرائه قد يدفعه إلى الاعتماد على مراكز النظام التقليدية وأولها المؤسسة العسكرية

لا يزال أغلب أعضاء حكومة عبد العزيز جراد الجزائرية، أسرى مكاتبهم انتظاراً لتزكية البرلمان مخطط عمل الحكومة كضوء أخضر "دستوري" لتباشر مهامها الفعلية، لكن ثلاثة وزراء شذوا عن القاعدة العامة وهم وزراء الخارجية والعدل والداخلية، بشكل يترجم حديثاً عن احتمالات اللجوء إلى تعديل حكومي جديد بمجرد الانتهاء من الاستفتاء على الدستور قبل منتصف العام الحالي.

ومنذ تعيين أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية عبد العزيز جراد وزيراً أولاً (رئيس حكومة) خلفاً لنور الدين بدوي، لزم الأخير مكتبه لفترة من الزمن مكتفياً بعقد اجتماعات حكومية دورية ولقاءات بروتوكولية مع مسؤولين أجانب زاروا الجزائر بكثرة منذ مطلع العام. على النقيض لم يتعرف الجزائريون بعد على نشاط معظم وزراء الحكومة التي تضم 39 وزيراً، يتوزعون ما بين وزراء كاملي السيادة وعدد من الوزراء المنتدبين. ليس منطقياً القول إن الرئيس عبد المجيد تبون لا يثق في أداء الوزراء الذين عيّنهم بنفسه في الحكومة، لكن بعض عارفين بخبايا قصر المرادية (قصر الرئاسة) يجزمون بأن الرجل يضع غالب المستوزرين الجدد "تحت المجهر" لاسيما أن بينهم "وزراء من الحراك" كانوا ينتقدونه والانتخابات الرئاسية الأخيرة.

وصرح الباحث في الشأن السياسي عبد الرحمن العايب أن حكومة عبد العزيز جراد "لا تمت بصلة للطاقم الذي رافق عبد المجيد تبون خلال الحملة الانتخابية، هي حكومة مرحلة وليست حكومة مكافآت ولا حكومة سياسية أو حزبية". وأضاف "اعتقد الرئيس الجزائري أنه يملك خلطةً سحرية قد تعيد ترتيب البيت الداخلي في لحظة، فتعامل مع الحراك الشعبي كأولوية بهدف إخلاء الشارع سريعاً تمهيداً لحوار واسع، بعض الخيارات الحكومية اعتمدت هذا المنطق والأمر ذاته مع الشخصيات التي دعاها تبون للاستماع لرأيها حول الوضع السياسي".

ولفت العايب إلى أن "رهان رئيس الجمهورية وفق الأولوية التي وضعها لنفسه فشلت إلى حد الآن، فالحراك الذي وجده تبون يوم تسلمه مفاتيح المرادية هو نفسه في الجمعة رقم 49 أي بعد نحو شهر من أدائه اليمين الدستورية". إذ "يحتمل هذا الظرف إما إجراء تعديل حكومي بعد استفتاء الدستور لتكون الحكومة إما سياسية فعلاً أو تقنية بالمعنى الدقيق".


حسابات تبون


عبّر عبد الرحمن العايب عن اعتقاده بأن المنطق الذي اختار تبون من خلاله الحكومة "ناقض تفكير عمق النظام الجزائري الذي اعتاد توزيع المناصب على الولاءات المأمونة الجانب، لكنه على النقيض قلب الطاولة رأساً على عقب متوقعاً رد فعل بنفس جرأة الفعل في حد ذاته". وأضاف "يجلس تبون في قاعة الاجتماعات بمقر رئاسة الجمهورية مع وزراء انتقدوه يوم فوزه بالرئاسة، ومنهم مَن وصفه بالرئيس المعين من قبل العسكر".
ومعلوم أن الإعلان عن تشكيل الحكومة قبل ثلاثة أسابيع فاجأ مراقبين قياساً إلى غياب "الانسجام السياسي" على التشكيلة وعدم حضور أي حزب فيها، ما عدا "جبهة المستقبل" التي دخلت الحكومة لأول مرة بمنصب "رمزي" هو وزارة العلاقات مع البرلمان.

وربط العايب "منطق التشكيل الحكومي بإجراء التهدئة الأول الذي أقره الرئيس يوم الإفراج عن 76 محبوساً من الحراك والمجاهد لخضر بورقعة أيضاً"، حيث "شكلت كل هذه المعطيات باكورة رهان الرئيس الذي لم يأت برد فعل كما يرغب"، يضاف إليها "الإفراج عن رجل الأعمال أسعد ربراب بما يمثله من رمزية في منطقة القبائل والمصالحة الاقتصادية مع نجله البكر عمر ربراب في الفترة الراهنة".


العودة إلى تقاليد النظام
 

قد تدفع هذه النتائج الآنية على مستوى الشارع، بالرئيس الباحث عن تقاليد جديدة بمفهوم "الجمهورية الجديدة" التي يرفعها شعاراً، إلى العودة خطوات إلى الخلف اعتماداً على مراكز النظام التقليدية وأولها رأي المؤسسة العسكرية، يأتي هذا في وقت يرأس أركان الجيش، اللواء سعيد شنقريحة، من دون قبعة سياسية (أي منصب نائب وزير الدفاع، مثلما كان الحال مع سلفه الراحل أحمد قايد صالح)، وهو شخصية عسكرية خالصة لا تحبذ تعاطي السياسة.

وعلمت "اندبندنت عربية" من مصادر مأذونة أن الرأي الأول بخصوص أول حكومة في عهد تبون كان يقضي باستمرار معظم وزراء الفترة السابقة في مناصبهم باستثناء أربعة أو خمسة شابتهم علاقة ما بالنظام السابق أو وردت أسماؤهم في تحقيقات أمنية متعلقة بفساد مالي بالإضافة إلى الوزير الأول السابق نور الدين بدوي.

أخيراً استقر تبون على الإبقاء على بعض الوزراء في مناصب سيادية لاسيما وزيرا الخارجية والعدل، صبري بوقادوم وبلقاسم زغماتي على التوالي، في مقابل توسيع قاعدة المشاركة في الجهاز التنفيذي وفقاً لمعايير "غير تقليدية" تراعي أحياناً العلاقة بالحراك الشعبي وأحياناً أخرى عامل الشباب.


محطة الدستور المقبل


ويتمسك تبون بمحطة تعديل الدستور في غضون الأشهر الثلاثة المقبلة بشكل كبير ويعتبرها فرصة لـ"شرعية ثانية" عبر استفتاء شعبي يصوّت فيه الجزائريون بعد الأخذ برأي البرلمان، وعملياً يمكن اعتبار تلك المحطة موعداً لتشكيل حكومي جديد بملامح ربما كلاسيكية تعتمد التوزيع الحزبي أو التقني المحض.
ويرغب تبون وفق مصادر في منح عبد العزيز جراد صلاحيات أوسع بما أنه يفكر منذ الآن في التعويل على رئيس الحكومة ذاته، إذ لا يوجد دستورياً ما يفرض على الرئيس إجراء تبديل حكومي بعد تعديل دستور البلاد ومع ذلك قد يجد نفسه مجبراً "سياسياً" في حال جاء التعديل بما يوجب تعيين رئيس للحكومة من الغالبية البرلمانية.

هنا سيكون الرئيس أمام معضلة مستجدة بما أن الغالبية الحالية تتشكل من جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي بما يمثلانه من رمزية لـ"حقبة بوتفليقة"، لذلك قد يتزامن تنفيذ بنود الدستور الجديد مع انتخابات تشريعية مبكرة تحل الإشكال من جذوره.
ويمنح الدستور رئيس الجمهورية حق المبادرة باقتراح تعديل دستوري، وبعد أن يصوّت عليه المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة يعرض التعديل على استفتاء الشعب خلال الخمسين يوماً التي تلي إقراره. بينما يمنع الدستور أن يمس أي تعديل مستقبلي الطابع الجمهوري للدولة، النظام الديمقراطي القائم على التعددية الحزبية، الإسلام باعتباره دين الدولة، العربية باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية، الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والمواطن، سلامة التراب الوطني ووحدته، العلم الوطني والنشيد الوطني، وأخيراً يمنع المساس بمبدأ إعادة انتخاب رئيس الجمهورية مرة واحدة فقط.

المزيد من العالم العربي