"أمكنة" يبحث أثر التحولات المصرية بعد ثورة 2011

مساءلة أسطورة الشعب مع تجدد الانتفاضات العربية... ونظرة جديدة إلى الأدب

الكاتب المصري علاء خالد (يوتيوب)

بعد غياب خمس سنوات، عاد كتاب "أمكنة" الدوري إلى الصدور مجدداً، عبر العدد الثاني عشر الذي حمل غلافُه (تصميم إسلام العزازي)، عنوانَ "حيوات بديلة". الكتاب الذي يوصف أيضا بالمجلة على رغم بعده عن المفهوم الرائج للمجلات، يعد أحد أهم الكتب الثقافية غير الدورية المستقلة في مصر والعالم العربي، يحرره الشاعر علاء خالد وزوجته المصورة الفوتوغرافية سلوى رشاد، ويصدر من مدينة الإسكندرية، بمعدل عدد واحد سنوياً.

وجاء في افتتاحية العدد الجديد الذي يواكب مرور عشرين عاماً على صدور العدد الأول من "أمكنة": "ربما تكون التحولات العميقة ليناير(كانون الثاني) 2011 هي لقاؤنا المؤجل مع هذا المفصل التاريخي للألفية الجديدة، والذي جاء متأخراً عشر سنوات، ومع طاقته الذاتية المتولدة تمَّ في هذا اللقاء تجديد المتخيَّل الجمعي أو إدخال أسطورة حديثة/ قديمة عليه، ربما هي أسطورة الشعب/ الحشد، التي كادت تضمحل وتزوي في المخيلة الجمعية".

وتضيف الافتتاحية: "نلمح تحرراً من مفهوم سابق للسلطة وللتقدم؛ ربما لخلق حداثة جديدة أو نفض مفهوم الحداثة القديم ودخول أرض لا وعي جديد، أهم ما فيه هي تلك الشحنة الموجودة في الإنسان فقط دون باقي المخلوقات؛ شحنة الأمل".

يبدأ العدد بتلك الرحلة وهي من كتابة وحوار علاء خالد وفوتوغرافيا سلوى رشاد، وتتضمن جولة في مدينة القصير المصرية، المطلة على البحر الأحمر. وجاء فيها تعليقاً على زيارة لمصنع فوسفات توقف عن العمل منذ التسعينيات: "توقفت المدينة في لحظة حركة، فترى الأشياء تقف على شفا لحظة مبتورة، يمكن أن تستكمل في الفراغ.. تكمل بعينك هذه الحركة الناقصة، لتعود للأشياء حياتها الماضية.. يحمل هذا الفضاء الكبير الذي يشغله المصنع آلاف، بل ملايين اللحظات المبتورة، بدايةً من سكينة الكهرباء التي لم تُرفع، لضلفة الشباك السائبة التي يحركها الهواء حتى الآن".

فضاء بلا مركز

يقول الشاعر والروائي علاء خالد ل"اندبندت عربية": "كانت هناك صعوبة في اختيار فكرة لهذا العدد الجديد، فآخر عدد (الرقم 11) كان عنوانه "مسارات الثورة -1"، وكنا ننوي أن نتبعه بعدد آخر "مسارات الثورة -2 "، وهكذا. كان توقيت هذا العدد نهاية عام 2014، وبعدها حدث تحول لفكرة الثورة، فبعد إنجاز العدد الأول، امتلأت الساحة السياسية، والثقافية من بعدها، بالاحتراب الفكري، والتشرذم، والذي عطَّل ظهور تيارات فكرية جديدة، بل ساهم في ظهور حالة من التشوش الفكري والغوغائية، وتبعها غياب النظرة التأملية للأحداث، وهو الجانب الذي تعمل عليه "أمكنة" عادةً، أو بمعنى أصح عدم ظهور أفكار كبيرة أو خطوط كبيرة للأفكار والممارسات يمكن أن يتكوَّن منها العدد الثاني من مسارات الثورة؛ الذي لم يصدر".

ويضيف صاحب ديوان "تحت شمس ذاكرة أخرى"، أنه خلال العشر السنوات الأولي من "أمكنة"، كنا ملتزمين بإصدار عدد كل سنة، ونظراً للطابع البحثي للمجلة، فإنها كانت تحتاج جهداً وصبراً لتكوين العدد، وتشبيك موضوعاته للخروج برؤية ما وراء هذا التراكم. فأصدرنا في عقد الألفية الأول عشرة أعداد. وبداية من العقد الجديد أصدرنا عدداً واحداً (الرقم 11) بعد ثورة يناير بثلاث سنوات، وهو عبارة عن شهادات في الأماكن التي حدثت فيها الثورة في مصر. ولكن التحولات العنيفة والتقلبات التي شهدها المجتمع بعدها، لم تسمح بحضور رؤية موضوعات - كما أشرت - يمكن العمل عليها، فقد كان المجتمع مضطرباً، وأيضاً طاقتنا الشخصية كانت مضطربة ومُستنزَفة، وابتلينا جميعاً بحالة انكفاء على الذات، وغياب الخارج. بينما المجلة تكوَّنت بحالة عكسية تماماً، لذا تمَّ نسيانُها طوال خمس سنوات، إلى أن استعدنا جزءاً من حيويتنا للعمل الجماعي في عام 2019. وبالإضافة لارتفاع أسعار الطباعة، هناك جزئية الطاقة الشخصية، ليس بمضمونها الشامل كطاقة وجود، ولكن ما يخص منها العمل الجماعي من هذا النوع، وتخص حضور رؤية وأسلوب معالجة للموضوعات واقتراحها، وتطويرها؛ كانت غيرمتوفرة، إلى أن جاءت لحظة أحسسنا فيها بعودة هذه الطاقة".

ويضيف صاحب رواية "ألمٌ خفيفٌ كريشةِ طائرٍ تتنقل بهدوءٍ مِن مكانٍ لآخر": "وفاءً لهذا العدد الثاني من مسارات الثورة الذي لم يصدر، حاولنا تتبع أثر هذه التحولات العميقة في مصر بعد 2011، فأغلب هذه التجارب المُختارة في العدد الجديد، لها علاقة داخلية بتلك التحولات، والتي سمحت بدورها بمساحة مِن الحرية والثقة لخوض هذه التجارب غير النمطية، وغير المركزية أيضاً، والتي تؤسس بخطى حثيثة لمجتمع بديل، متناثر جغرافياً في زوايا صحاري وواحات وقرى وقطارات وجبال، ومدن مصر، والعالم بالطبع".

الحياة البديلة

في العدد الذي يتألف من 399 صفحة، مقال بعنوان "الحياة البديلة.. محاولة متقطعة لتتبع المفهوم"، لأمل إدريس هارون، وملف بعنوان "الحياة في مكان آخر"، و"العسل مثل الذهب" كتابة وفوتوغرافيا نبيل بطرس، و"يوميات الشيخ الشاذلي" لمُصعَب الزيات، و"دار جان" لإسلام حنيش، و"البِجا يحبون القمر" كتابة وفوتوغرافيا ايتباي تؤر، و"الهامش الذي لا يعزل نفسه" لسارة إبراهيم"، و"خارج القفص الزجاجي" لأحمد عبد المجيد، و"مشاهد- رحلة مشروع بيئي" لماهر حبوب"، و"ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً".

ويحتوي العدد على "السينما حوار مستمر مع الحياة" لفاطمة محمد، و"حركة الأوكوبا أو محتلو المباني"، لأحمد يماني، و"أنا وفيسبوك والمكان الآخر"، ليوسف رخا، و"الهوية السائلة للغجر" لألكسندرا بارس بترجمة خلود سعيد، و"ما بدأته جلاديس وفر منه باتيرسون" لياسمين أكرم، و"الحياة بين وسيطين" لمحمد خالد، و"كنت غجريا وأصبحت بستانيا" لسحر الموجي، و"حفريات المستقبل" لمحمد عبلة، و"كميونة الحجارين في حلوان" لياسر عبد اللطيف".

ويبقى أن "امكنة" التي هي بمثابة كتاب عموماً تعتمد على فكرة الحكايات والتجارب الشخصية وثقافة المكان وتاريخه، الناس الذين صنعوا هذا التاريخ سواء بإرادتهم أو بحكم وجودهم فيه، والخصوصية الفنية لهذا المكان. احتفلت المجلة - الكتاب في 2010 بصدور عددها العاشر، ومحوره حياة الجامعة، بينما خصص العدد الأول للإسكندرية، والثاني للصحراء، والثالث للمدينة، والرابع للفلاح، والخامس للبطل، والسادس للمسارات، والسابع للحدود، والثامن للخيال والتاسع لتحولات المدن.

بعد حرب الخليج الأولى، فكَّر علاء خالد في طريقة للخروج من عزلة المثقف والبحث عن طريقة كتابة تقترب من الواقع في فترة كان اهتمام المجلات الثقافية العربية بالتصورات المثالية. ولهذا بدأ التفكير في مجلة هي أقرب الى الكتاب الدوري تبتعد عن المفهوم الضيق للأدب، بقدر ابتعادها عن الأفكار النمطية الجاهزة، وتكون قريبة من فكرة الحياة، والتجارب الشخصية. وجد علاء خالد (1960) في بعض النصوص المترجمة في مجلتي "الكرمل" و"مواقف" هذا الحس الكتابي المختلف. وكان المدخل الأساسي للمجلة الحوار مع أناس عاديين. فكرة وجد علاء لاحقاً أن مجلة "الطليعة" استخدمتها عبر تقديم حوارات سياسية مع أشخاص عاديين. هذا الشكل الكتابي قدّم حلولاً لمشكلة كيف يوجد الصوت الآخر؟ كيف يحضر بلغته؟ وفكرة الرحلة التي تبحث عن هذا الصوت المختلف.

منذ العدد الأول، اكتشف علاء خالد، ومعه مهاب نصر وسلوى رشاد، أن التاريخ الشفهي مهم جداً وأن فيه صدقاً وحرارة وعفوية. ومن هنا بدأت فكرة الحوار مع الناس وربط ذلك بالصورة الفوتوغرافية. الحكايات في المجلة تحفظ خبرةً شخصية، وهذا ما جعل الناس في قلب المجلة، لا على هامشها. ومن عدد إلى آخر، بدأت أفكار المجلة الأساسية تتبلور. حوارات تبحث عن الصوت الآخر، ومقالات ذاتية، ورحلات، حيث الصورة جزء رئيسي منها.

المزيد من ثقافة