"نيران صديقة" تعيد الاشتباك بين المبدعين والنقّاد السعوديين

وزارة الثقافة الوليدة تبعث الحياة في المجتمع الثقافي... وسجال "الإخوة الأعداء" يطاول قضايا قديمة ومتجددة

عودة الحياة الثقافية إلى طبيعتها في السعودية بعد الانفتاح الاجتماعي. (واس)

تحاول وزارة الثقافة السعودية إعادة الجذوة للحراك في بلادها، بعد حين من هيمنة الصحوة والركود على قطاع الآداب والفنون، ونظمت بالأمس لقاء جمعت فيه "الإخوة الأعداء" من المبدعين والنقاد، الذين نشبت بينهم سجالات الزمن الغابر وأثارت حزازات النفوس التي بقيت "كما هي".

واستثمر السعوديون أجواء الانفتاح الجديدة التي تشهدها بلادهم، واستقطبت سجالا بين الأضداد السابقين من الشعراء والروائيين والنقاد والأكاديميين، في جو اشتعل بتقاذف التهم، ولم يغب عنه غير صقور الصحوة الذين حضروا هم أيضا علي لسان الشاعر المخضرم محمد جابر الحربي الذي قال إنهم تواطؤوا مع النقاد في قتل المبدعين، ومحاولة وأد الحب الذي تحمله قصائدهم في المهد، وإهالة التراب على الضحايا، وهم أحياء في وجدان أحبتهم والجماهير يرزقون.

نحن السادة وانتم التابعون

وآزره في الحمل على النقاد الأديب السعودي الشهير عبده خال، الذي تناول المسألة على طريقته الهزلية وقال أمام جمع من حضور اللقاء انه سيعترف بأمر قد يثير نقمة النقاد؛ هو أنه لم يقرأ لهم قط ولن يفعل ذلك في المستقبل، وعندما يسأله شاب يتلمس طريقه نحو الإبداع نصيحته، فإنها ستكون "لا تقرأ لناقد ابداً، وان فعلت فإنما تجني على نفسك"، وهكذا ضجت القاعة بالتصفيق والضحكات. قبل أن يدعو في جولة أخرى الناقدين إلى التواضع حين تناولهم جهود المبدعين، ويتذكروا انهم "تبع لهم وعالة عليهم وليس العكس، المبدع هو الذي يرفع لواء المغامرة ويشق الطريق، أما أنت  أيها الناقد فلست غير باحث عن ثغرة تتسلل منها، إن كنت جديرا فابتكر نصاً وأرنا مهاراتك التي تحاكم إليها الآخرين".

لكن مواطنه الناقد محمد العباس لم يمهله طويلا، فأفسد عليه نشوة تصفيق الجماهير، إذ قلب عليه الطاولة بغتة وعاجله بالقول "انك تتحدث من ذاكرة قوامها صفر، ولست مؤهلاً للحكم على النقاد بعد اقرارك بأنك لا تلقي لهم وزناً، ولا تقرأ لها حرفاً. وفي حالة كتلك لا عجب أن يحمل كلامك المغالطات الكبيرة التي تضمن".

وهكذا مضى العباس في المناسبة التي شهدت "اندبندنت عربية" أوار السجال فيها، يصحح للمبدعين ما أجرموه في حق من هو محسوب عليهم، ويبرئ ساحتهم، باعتبار حزبه حسن القصد، ولا ينطلق من ضغينة على مبدعي بلاده، وإنما الغيرة على مقامهم أن يُنال منه أويُنتقص، كما فعل لدى التشكيك في استحقاق الروائي محمد حسن علوان جائزة "بوكر العربية" عن روايته "موت صغير"، إذ "قمت بالمنافحة عنه والدفاع في مقال طويل، برهنت فيه على بطلان دعاوى المشككين، وهكذا". كما لفت إلى أنه كان بين المنادين بترميز شعراء ومبدعين سعوديين، كي لا يحتاج مواطنيه حيث موئل العروبة والشعر، أن يستوردوا نماذج من خارج حدودهم أو يسرقوا مفردات وأسلوب أمثال محمود درويش، وهو الجهد الذي قال العباس إنه أثمر وجود رمز شعري سعودي، هو الشاعر الراحل محمد الثبيتي، الذي قال إن شاعريته ألهمت عشرات النقاد والمؤلفين، وأصدروا عنه نحو 30 كتاباً.

البراءة من الجلاد

ولم يكن العباس وحيداً أو منكشف الظهر هو الآخر، إذ وجد من شريكته في اللقاء الملتهب الدكتورة رانية العرضاوي خير درع وسند، وهي التي انطلقت من خلفية أكاديمية، واستوقفت فصاحتها الحضور، ونفخت في النقد من روحها، وحاولت بمكرها الأدبي فك الاشتباك بين الفريقين، قائلة "الناقد ليس سجاناً للنص، وإنما هو العين التي تدل على مفاتنه وجمالياته، وتستوقف القارئ للتأمل في معاني البهاء التي تحتاج عين جمال تبصرها، ومبدع نص ثان يفجرها. تلك هي وظيفة الناقد الحقيقي، أن يبنى الوعي، لا أن يكون جلادا يشوّه بقلمه الأحمر جمال النصوص البريئة، أو سجّانا يقهر الإبداع".

ثم تبعتها في ذلك الكاتبة حليمة مظفر، التي حاولت هي الأخرى توزيع الميراث بين الفريقين بالتساوي، واعتبرت العلاقة بينهما تكاملية. فيما اتجه اهتمام الروائي حسين علي حسين، إلى ناحية أبعد، هي النظر إلى الثقافة بوصفها "قوة ناعمة" لبلاده، لا تقل عن النفط والصناعة، إلا أنها عانت من التهميش في مجالاتها الأدبية والسينمائية والمسرحية، متمنياً أن يكون لقاء كالذي هو بين ضيوفه إنما جرى تنظيمه في دار "أوبرا سعودية"، غير أنه لم يشأ أن يقلب المناسبة إلى مأتم فاستدرك بأن التوجه الجديد، أصبح يسير في هذا الطريق بالمملكة التي كانت القيود على الفنون فيها شديدة قبل إصلاحات رؤية 2030، التي أطلقها ولي العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان، قبل بضع سنين.

مسعر الحرب

وكان مقدم المناسبة، الشاعر الآخر محمد العابس، هوّن في بداية الأمسية من أي خلاف ينشأ أو نيران صديقة يوجهها المثقفون إلى بعضهم، وقال إن التوتر في العلاقة بين الأدباء من السنن الماضية حتى عهد قريب بين أحمد شوقي والعقاد وطه حسين وإبراهيم ناجي، وسعودياً بين عبدالقدوس الأنصاري وحمد الجاسر وعبدالله بن خميس وعبدالله بن إدريس ثم أضافت مظفر والغذامي وحمزة شحاته. إلا أن منظم الأمسية مدير القطاع الثقافي الكاتب في "اندبندنت عربية" محمد حسن علوان، بدا أنه "بيّت النية" منذ البداية بإشعال الجدل، وإثارة أشجان الماضي، وبعث أحقادها الثقافية لصناع حراك مختلف، إذ أسر في لقاء جانبي بأنه جمع الأضداد ليس ليكون رسول سلام بينهم وإنما "مسعر حرب"!

وهذا الذي حدث، إذ لم يخيب ظنه أي من الفريقين، فلا محمد الحربي نسي غمز النقاد ولمزهم، بقوله "كيف أبدع وأنا ميت. لماذا يقتلونني وأنا حي. كيف يقيدوننا بأغلال الثمانينات. نكتب العمودي والتفعيلة ما العيب. لماذا الحرب لغتهم وليس الحب"؟ ولا العباس ترك خفيف الظل عبده خال يتنفس، فما إن أنهى مرافعته ضده، حتى غمزه ضاحكاً، كأنه يقول "شفت كيف أو جعتك".

أما السفير السابق الشاعر الدكتور عبدالرحمن الجديع، فعلى الرغم من تصفيقاته الحارة لأحاديث الضيوف، إلا أنه قال لـ"اندبندنت عربية" مازحاً على مسمع من العباس "ماذا تريد لندوة جمعت بين عابسين: العابس المقدم، والعباس الناقد. موضوع شيق. لكن العلاقة بين المبدع والناقد قتلت بحثاً، ونحن تجاوزنا هذه المرحلة، نريد الإجابة عن إشكالاتنا المستجدة، لا اجترار القديمة".

ولدى الجيل الشاب الذي سجلت النساء منه حضوراً لافتاً، منطق آخر في نظر عبده خال الذي كانت له تجربة في البحث عن آرائهم عبر "تويتر"، قال إنه "لا ينبغي الوصاية عليهم، واعتبار أنهم غير مؤهلين للابداع أو حتى النقد". فيما تقول كاتبة شابة تدعى مها صالح الراجحي، إنها ترى أهمية النقد للمبدع، بوصفه "يسهم في نمو الكاتب، خصوصاً إذا ما تمً بأسلوب موضوعي وموجه نحو مكامن القوة والجمال في العمل الإبداعي، ويستهدف الإصلاح لا الإسقاط". ولربما احتاج المبدع المبتدئ النقد الموجه أكثر، بطريقة وصفتها الراجحي بـ"الناعمة"، تكون وقوداً للاستمرار، فأداة النقد في منظور الشباب أيضاً تقول "دقيقة جداً قد تحدث عكس المراد منها إذا ما تبنت أسلوب الإجحاف والقسوة والتقريع، حينها قد نفقد أعمالاً أدبية لم تأخذ حظها الذي تستحق". وعند الحديث عن نفسها تقول "أرحب بالنقد، وأراه إضافة وليس عبئاً".

وهكذا مضت أمسية، قال الصحافي السعودي عبدالله وافيه، "لم ينقصها إلا غياب عُذال الأدب من الصحويين" الذين كانوا في السابق يساجلون ويكيلون التهم لمن يعتبرونهم ليبراليين أو علمانيين ثم يسود الضجيج، قبل أن تقيد السلطات حركة المتشددين منهم. مشيراً إلى أنهم كانوا يخلقون صخباً، يجعل من المناسبة حدثاً، يثير شغف الصحافة، التي قال إنها ذهبت الورقية منها إلى بيات شتوي طويل كذلك.


 

المزيد من ثقافة