"الصمت" لإنغمار برغمان: شيء من الأمل في نهاية المطاف

السينمائي السويدي عرف دائما كيف يجعل من سينماه سينما تأمل فلسفي وفكري

مشهد من فيلم "الصمت" (من الإنترنت)

غالبا ما نُظر الى فيلم "الصمت" للمخرج السويدي إنغمار برغمان باعتباره صرخة يأس وسط حياة غامضة الأهداف تبدو كنفق مظلم. لكن صاحب الفيلم أصرّ دائما على أن هذا الفيلم يمكن النظر اليه باعتباره واحدا من أكثر أعماله احتفالا بالحياة وإصرارا عليها. هذا الفيلم الذي حقّقه برغمان في العام 1963 باعتباره خاتمة ثلاثية "سوداوية" شهيرة له سبقه فيها "عبر المرآة" (1961) و"متناولو القربان" (1962)، كان على أي حال واحدا من الأفلام التي أطلقت شهرته العالمية، ومكّنت سمعته القائلة أنه مخرج أفلام النساء بامتياز. ومع هذا لا بد أن نصدق المخرج – وهو كاتب الفيلم أيضا – جين يقول لنا أن الفيلم مبنيّ أصلا على رؤى ذاتية له وكان من شأنه أن يجعل شخصيتيه الرئيسيتين رجلين بدلا من إمرأتين، لكنه إختار هاتين الأخيرتين لأنه لم يُرد أن "يعرّي نفسه وأفكاره على الشاشة".

مهما يكن من أمر لا بد أن نشير هنا إلى أن برغمان يقدم عبر إمرأتيه الشقيقتين في الفيلم، صورة مختصرة لرؤى أوروبية خبرها بنفسه إذ تجول بين عدة بلدان في وسط أوروبا منهيا تلك الرحلة في بلده السويد وقد عايش نوعا من كآبة كانت تطغى على القارة العجوز قبل أن تبرأ من مستتبعات الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك يكاد الفيلم كله يجري أحداثا في مكان مغلق، في فندق كئيب مظلم في مدينة مجهولة تصل إليها آنا وإستير بالقطار آتيتين من جولة أوروبية في طريقهما الى بلدهما السويدي وفي رفقتهما إبن آنا جوهان، الصبي الذي يعيش بين المرأتين، أمه وخالته، وحدة مضجرة.

فصاحة الصمت

معظم مشاهد الفيلم، إذاً، تدور في غرف الفندق وممراته مع إطلالة من النافذة على الطريق القريب في تأمّل جوهان لمشهد مدرعات وجنود يتجولون جاهمين كرجال من حديد. لكن ذلك كله لا يسفر عن شيء وطبعا حتى عن عدم فهم جوهان أو المرأتين بما يحدث في تلك المدينة التي يتحدث أهلها – على قلة ما يتحدثون – لغة غير مفهومة هي أشبه بالهمهمات. الصمت هنا يبدو أكثر فصاحةً. لكن الفصيح أكثر هو الصراع الخفي إنما العنيف بين الشقيقتين: إستر المثقفة التي تعمل عادة مترجمة وتعلن رغم هذا أنها لا تفهم شيئا من حديث الناس هنا، وآنا الحسناء الحسّية التي لا يهمها إلا البحث عن متعتها. جوهان الضائع بين الإثنتين لا يفعل سوى التجوال بين ممرات الفندق تحت رقابة خادم لا يبعد نظراته عنه، وذات لحظة في حمى فرقة مسرحية تتألف من أقزام تقدم له عرضا تعاطفيا. وجوهان يطرح أسئلته على الجميع لكنه لا يلقى جوابا من أحد. إنه الصمت!.

الصمت هو السائد على أي حال بين الشقيقتين المتناقضتين في كل شيء الى درجة تبدوان معها وكأنهما – كما سوف يكون الحال بعد سنتين في فيلم مقبل لبرغمان فيه أيضا إمرأتان متناحرتان، هو "برسونا" (1965)-، وجهان لامرأة واحدة تعيش تمزّقا في داخلها بين حالتين متناحرتين. بل إن ما يسود بين إستير وآنا هو ذلك اللاتواصل الذي يعتبر من ناحية، صمتا مدمّرا، ومن ناحية أخرى "فصاحة صامتة" تقول كل شيء. ومنذ البداية نعرف أن إستر مريضة تعاني في غرفتها ألما يكاد يكون إحتضارا طويلا، بيد أنه لا يبدو على آنا أنها تعبأ حقا باحتضار أختها... بل تبدو في لحظات وكأنها تود لو تتعجل موت إستر، الذي لو صدقنا نظرية أن المرأتين هما في نهاية الأمر إمرأة واحدة لتبدى لنا انتحارا. لكن برغمان نفسه، والذي نجد شخصيته موزّعة الى حد ما بين المرأتين إنما معكوسة الى حد أكبر في شخصية الصبي جوهان، يحذرنا، في حديث أدلى به يوم عُرض الفيلم من ذلك الإقتراح "الإنتحاري" فهو يقول: "كنت قد وصلت الى لحظة في حياتي عليّ فيها أن أختار بين أن أستسلم لليأس وأنهي حياتي أو أقرر أن أعيش. لقد إخترت الحل الثاني". ومن هنا ربما سنجد نوعا من بريق أمل في المشهد الأخير من الفيلم والذي يلي تخلي آنا عن إستر المحتضرة حتى الموت، في الفندق ومتابعتها الرحلة الى السويد رفقة جوهان. ففي القطار نرى جوهان واقفا ذات لحظة قرب النافذة وهو يتأمل بحيادية إيجابيية السماء المشرقة ويحاول أن يفك حروف كلمة أخيرة كانت قد أسرّت بها إليه خالته إستر في لحظاتها الأخيرة قبل أن تموت. كلمة بلغة غريبة يتمكن الصبي على أي حال من فك لغزها ليجد أنها تعني: الروح. ومن المؤكد أن هذه الرسالة المنفتحة على العالم والحياة بدليل إبلاغها الى الصبي لا إلى آنا، لا تشكل فقط خاتمة لفيلم "الصمت" بل للفيلمين الآخرين الذين يشاركانه تكوين "الثلاثية". وواضح هما أننا في إزاء رسالة "شخصية" يبعث بها المخرج/الكاتب الى نفسه، طافحة بنوع من أمل غامض كان في حاجة ماسة إليه وكان من الصعب التكهن بأن موضوع أو سياق الفيلمين السابقين يعلنانه مسبقا. بل سوف يجد كثر من النقاد لاحقا أن الحاجة إليه لم تكن برغمانية فحسب، بل كانت أوروبية أيضا!

الشرط الإنساني

كل هذا قد يبدو للحظة إسقاطا على الفيلم من خارجه، غير أن الحال كانت هكذا على الدوام مع سينما إنغمار برغمان التي عرفت كيف تصل في هذا الفيلم كما في قمم أخرى له، الى ذروة النضج والتأمل في الشرط الإنساني وفي العلاقات بين البشر. فالسينمائي السويدي الذي ولد في العام 1918 ليموت بعد ذلك بنحو من تسعين عاما في 2007 عرف دائما كيف يجعل من سينماه سينما تأمل فلسفي وفكري هو الذي نهل دائما من كبار كتّاب المسرح الذين جعلوا من الشرط الإنساني والعلاقات بين البشر موضوعا لهم، الروسي تشيكوف والنرويجي هنريك إبسن والسويدي – أستاذه الأكبر – أوغست سترندبرغ، مرجعه في فنه. والحقيقة أن ذكر هؤلاء الكتّاب الكبار الثلاثة كمرجعية لبرغمان هنا ليس من قبيل الصدفة، فهو كان الى إهتمامه بالسينما طوال ستين عاما محققا لها أعمالا تعتبر اليوم قمما في الفن السابع جاعلة لبلده السويد مكانة متقدمة في هذا الفن، كان مخرجا مسرحيا وأوبراليا أيضا، أخرج أكثر من خمسين عملا  للخشبة.

 ومهما يكن لا بد من العودة هنا الى فيلم "الصمت" نختم به حديثنا لأن هذا الفيلم ليس فقط واحدا من أقسى وأشهر أفلام برغمان، بل كذلك لأنه الفيلم الذي عرف فيه، وربما للمرة الأولى في سينماه في ذلك الحين، كيف يتسلل الى داخل عواطف المرأة وتفكيرها وأزمات تواصلها بشكل سيجعل منه "مخرج أفلام المرأة" حتى وإن كان في وسعنا أن ننظر الى هذا الفيلم بما هو أبعد من ذلك بكثير. فـ"الصمت" بقدر ما هو فيلم عن المرأة هو كذلك وكما أشرنا غير مرة أعلاه، فيلم عن الإنسان، عن الإنسان المرميّ في هذا الكون، والذي عليه أن يحدد بنفسه غايته من العيش. ولعل المسار بين المشهد الأول في الفيلم (في القطار المكتئب الداخل الى مدينة مكتئبة) والمشهد الأخير (القطار المشرق على الحياة والخارج الى أفق شمس ستسطع) هو كل شيء هنا. ولئن كانت آنا قد فقدت بين المشهدين أختها إستر فإنما ألغت جانبها الخاص المكتئب والمريض لتبقي على ما يساعدها وابنها على حياة جديدة تعبق بأمل ما....

 

المزيد من