استعادة طعم الزمن والجماليات الأنثوية... معرضان في قاعة بيكاسو القاهرية

 اعمال سمير فؤاد وأسماء علي تتقاطع وتختلف في فضاء واحد

لوحتان للرسام المصري سمير فؤاد في المعرض (موقع الصالة)

غالباً ما تثير فينا بعض الصور شعوراً جارفاً بالحنين إلى الماضي، كالمشاهد الفوتوغرافية القديمة للعائلة أو الأصدقاء، أو حتى المتعلقات الشخصية، أو ربما الوجوه السينمائية، قد تتضمن هذه الصور أيضاً أشياء غير متوقعة أحياناً، كالعلامات التجارية لبعض المنتجات مثلاً. يستدعي الفنان المصري سمير فؤاد بعض هذه الصور والمشاهد من الذاكرة معالجاً إياها برؤيته التصويرية الخاصة في معرضه الذي تستضيفه حالياً قاعة بيكاسو للفنون تحت عنوان "طعم الزمن" وهو يتطرق في جانب كبير منه إلى الذكريات الحميمة أو الصور المثيرة للحنين.

في تجربته التصويرية لا يسعى سمير فؤاد إلى تمثيل العناصر كما هي، أو الإيحاء بوجودها قدر سعيه إلى اكتشاف ما فيها من طاقة عاطفية تستند إلى حضورها المادي في الذهن، قد يفسر هذا إقدامه من قبل على رسم موضوعات وعناصر غير مألوفة في موضوعات الطبيعة الصامتة، كاللحوم والأسماك والعظام وغيرها. قد يبدو ذلك منسجماً كذلك مع طريقتة في المعالجة اللونية، والتي تخيم عليها حالة ضبابية بفعل التداخل بين المساحات والطبقات اللونية. أما هذا العنوان الذي اختاره الفنان لمجموعة أعماله تلك فهو يتقاطع إلى حد ما مع رؤيته الشخصية في المعالجة الفنية للعمل التصويري، وهو المعروف بتجاربه ومحاولاته الدؤوبة تمثيل الزمن والحركة في أعماله. في أعماله ينأى سمير فؤاد بنفسه عن خلق حدود خطية للمساحة أو العنصر المراد رسمه، فالخطوط الفاصلة بين العناصر تبدو مُتحركة أو متداخلة مع بعضها البعض، كي تعطي تأثيراً بالحركة وعدم الثبات.

يرى سمير فؤاد أن هذه النزعة لديه لتمثيل الحركة قد تكون من تأثير مشاهداته المبكرة والمكثفة للسينما، فقد كان يطل من شرفة بيته وهو صغير على إحدى دور السينما الصيفية، وظلت الصورة المتحركة على الشاشة جزءاً من ذاكرته البصرية، ما انعكس على رؤيته للعمل التصويري ورغبته في بث الحركة أو الاضطراب في عناصر لوحاته. يبدو المشهد في لوحات سمير فؤاد قريب الشبة بالصورة الفوتوغرافية المهتزة بفعل حركة العناصر أمام الكاميرا، أو كهذه الصور التي تم التقاطها على عجل من قبل المصور. هذا التشابه مع روح الفوتوغرافيا في أعمال سمير فؤاد لا يقتصر على حركة العناصر فقط، بل يتجاوزه إلى ترتيب المشهد وتهيئته على نحو فوتوغرافي. يمكن أن نضيف إلى ذلك أيضاً تأثير تعلق الفنان المبكر بالرسم بخامة الألوان المائية؛ هذه الخامة التي تتمتع بطبيعة شفافة وغير مستقرة. وللفنان كتاب عن فن الرسم بخامة الألوان المائية يشرح فيه باستفاضة طرق الرسم بهذه الخامة والأسطح المُستخدمة وطبيعة التعامل معها وتركيبها شرحاً وافياً.

بين اللوحات المعروضة عناصر لا يتوقف أمامها إلا من عايشها، كهذا الغلاف الدعائي المرسوم على علبة شاي كانت شائعة في مصر حتى بداية الثمانينيات تقريباً، ثم توارت أمام سطوة العلامات التجارية الأخرى وتعدد أشكالها. لا يقدم لنا الفنان هنا مرثية لأيام الزمن الجميل- كما يحلو للبعض وصفها- بقدر ما يذكرنا ويذكر نفسه بالتحولات الحادة التي طرأت على طبيعة العالم من حولنا، في الوقت الذي يستمر فيه في ممارسه متعته في التعامل مع اللوحة كمساحة للتجريب والتأمل، وربما اللعب والمتعة أيضاً. طعم الزمن يبدو كأنه سجل للانتقالات والمراحل التي مر بها الفنان في مساره الفني ككل، فهو يحتوى على انتقالات قد يراها البعض حادة وواضحة، ثمة أعمال أشبه بالتجريد اللوني إلى جانب أعمال أخرى ذات تركيبة تصويرية رصينة. تخرج الفنان سمير فؤاد في كلية الهندسة، والتحق بمرسم الفنان حسن سليمان لعدة سنوات، وعرض أعماله في كثير من دول العالم، كما أن له العديد من المشاركات والعروض الفردية في مصر.

تلك الرائحة

في المساحة الأخرى لقاعة بيكاسو تعرض الفنانة أسماء سامي مجموعة من أعمالها تحت عنوان "تلك الرائحة" الأعمال جميعها مرسومة بخامة الألوان المائية على الورق وتعتمد على أحد الثيمات الكلاسيكية في مجال التصوير، وهي صورة المرأة أو جسدها. تستلهم الفنانة صورة المرأة هنا من المخيلة كما تراها كعنصر جمالي له طبيعة خاصة. جسد الأنثى في أعمال أسماء سامي تُشكله مساحات اللون المُنسابة بنعومة على سطح الورق. ومع صعوبة التعامل مع خامة الألوان المائية استطاعت الفنانة توظيف سمات هذه الخامة في خلق علاقات بصرية واضحة للملامح وتفاصيل الجسد ككل، فبدا ككتلة ثابتة وسط محيط مراوغ من اللون الشفاف. تفرض خامة الألوان المائية هنا بطبيعتها الشفافة والعاكسة للضوء انسجاماً من نوع خاص بين العناصر، فالخلفية لا تشي بشىء في أغلب الأحيان، وهي تبدو منصهرة مع كتلة الجسد، وفي نعومة وخفة تساهم في تأكيد هذه التفاصيل الرئيسية للجسد ، المتماهي مع الكائنات وعناصر الطبيعة. تخرجت الفنانة أسماء سامي في كلية الفنون الجميلة في القاهرة عام 2005 ومارست التشكيل بالزجاج الملون قبل أن تنتقل إلى خامة الألوان المائية. شارك سامي في العديد من العروض الفردية، وهذا المعرض هو الثالث في ترتيب عروضها الفردية.

المزيد من ثقافة