Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة سد النهضة... قطار التفاوض "يتعثر" وترقب نتائج "اجتماع واشنطن"

الخلاف يعود إلى "المربع صفر" إثر عدم التوافق على الملء... ومراقبون يرجحون "انحسار" خيارات مصر

تسع سنوات من التفاوض بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا حول سد النهضة لم تسفر عن اتّفاق (أ.ف.ب)
 

بعد أكثر من شهرين من "التفاؤل الحذر"، الذي عم أجواء مفاوضات "سد النهضة" الإثيوبي المثير للجدل بين عواصم القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، بعد أن دخلت واشنطن على الخط لتسريع وتيرة الوصول لتفاهم ينهي سنوات من الخلاف بين العواصم الثلاث، عاد المسار التفاوضي إلى "نقطة الصفر وطريق مسدود" بحسب إعلانات رسمية، بعدما تبادلت مصر وإثيوبيا الاتهامات مجددا على خلفية تمسك كل طرف بمقترحه التفاوضي في اختتام رابع وآخر اجتماعات مفاوضات السد بمشاركة ممثلين من البنك الدولي والولايات المتحدة الأميركية بصفتهم مراقبين للاجتماع، في إثيوبيا "دون توافق".

وفيما تترقب كل من القاهرة وأديس أبابا ما سيسفر عنه الموقف الأميركي جراء تعثر التفاوض في اجتماع واشنطن الأخير والمقرر عقده غدا الاثنين، ويستمر حتى بعد غد الثلاثاء، وفقما قالت مصادر رسمية مصرية وإثيوبية لـ"اندبندنت عربية"، بناءً على مخرجات اجتماع واشنطن يوم 6 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي والخطوات المستقبلية بشأن الدور الأميركي في حال عدم التوصل لاتفاق بحلول منتصف يناير (كانون الثاني) 2020، عادت الأوساط المصرية للحديث عن خيارات الدولة لا سيما مع إعلان إثيوبيا عزمها بدء ملء خزان السد في يوليو (تموز) المقبل، حتى مع عدم الوصول لاتفاق، وهو ما تتخوف من تداعياته مصر بشأن حصتها "التاريخية" في مياه نهر النيل.

بشكل مفاجئ، غداة إعلان القاهرة وأديس أبابا اختتام رابع اجتماعات مفاوضات السد في إثيوبيا "دون توافق"، مساء الخميس الماضي، عاد "التلاسن وتبادل الاتهامات بين البلدين" بشأن تحميل كل طرف لما آلت إليه الأوضاع.

تصعيد "مفاجئ"
ومساء الخميس الماضي، قالت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإثيوبية (فانا)، إن المباحثات الثلاثية التي شهدتها  في إثيوبيا، يومي الأربعاء والخميس، بشأن سد النهضة "انتهت دون التوصل لاتفاق"، موضحة أن القاهرة  قدمت مقترحا جديداً يشمل ملء سد النهضة من قبل إثيوبيا خلال فترة تتراوح بين 12 و21 عاماً.

ونقلت الإذاعة عن سيليشي بيكيلي، وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي، قوله بعد الاجتماع، إن "اقتراح مصر الجديد غير مقبول". موضحاً "لقد درسنا مسائل عدّة" بينها ملء خزان السدّ. وأضاف "لقد تلاقينا حول نقاط عدّة. غير أنّنا لم نتمكن من وضع صيغة نهائية لاتّفاقنا".

من جهته، اعتبر وزير الموارد المائية والري المصري محمد عبد العاطي أنّ هذه المباحثات حققت "وضوحا" فيما يتعلّق بملء خزان السد. وبعيد تصريحات الوزير المصري، قالت وزارته في بيان لها "الدول الثلاث لم تتمكن من الوصول إلى توافق حول التصرفات المائية المنطلقة من سد النهضة في الظروف الهيدرولوجية المختلفة للنيل الأزرق"، مشيرة إلى "عدم وجود إجراءات واضحة من الجانب الإثيوبي للحفاظ على قدرة السد العالي (جنوبي مصر) لمواجهة الآثار المختلفة التي قد تنتج عن ملء وتشغيل سد النهضة خاصة إذا واكب ذلك فترة جفاف أو جفاف ممتد لعدة سنوات متتابعة".

 

وبحسب البيان ذاته، أكدت القاهرة على "ضرورة أن يتكامل سد النهضة بوصفه منشأ مائيا جديدا في نظام حوض النيل الشرقي للحفاظ على مرونة المنظومة المائية، لمواجهة الظروف القاسية التي قد تنشأ عن ملء وتشغيل السد، إضافة إلى حالات الجفاف والآثار التي قد تنتج عن ظاهرة تغير المناخ".

ولم تُسفر مفاوضات استمرّت تسع سنوات بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا عن اتّفاق حتّى الآن. وحددت الدول الثلاث لنفسها خلال اجتماع عُقد في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني)، مهلة تنتهي في 15 يناير (كانون الثاني) للتوصل إلى اتّفاق، وكانت أكّدت بالفعل في 22 ديسمبر (كانون الأوّل) أنها حققت تقدّماً، وفق إعلانات رسمية.

وبناء على مخرجات اجتماع واشنطن في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، فإنه في حالة عدم التوصل إلى اتفاق، فسيتم الاستناد إلى المادة العاشرة من إعلان المبادئ الموقع بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا بشأن السد عام 2015. إذ تعطي هذه المادة الحق للأطراف المعنية في طلب الوساطة، وهو مطلب مصري متكرر، أو إحالة الأمر إلى الرؤساء لبحث أي خلاف.

إلا أن إصرار الجانب الإثيوبي على ملء خزان السد الذي تشيده على النيل الأزرق "دون الرجوع لاتفاق مسبق" لبدء تلك العملية، تثير مخاوف القاهرة بشأن حصتها المائية من نهر النيل، التي تعتبره "خطاً أحمر"، وفق مراقبين.

تبادل الاتهامات تستبق اجتماع واشنطن
وغداة "عدم التوافق" بين القاهرة وأديس أبابا مساء الخميس الماضي، تعالت حدة "التلاسن وتبادل الاتهامات" بين البلدين، حيث انتقدت الخارجية المصرية، في بيان "شديد اللهجة"، بيان وزارة الخارجية الاثيوبية، معتبرة أنه تضمن "العديد من المغالطات المرفوضة جملة وتفصيلاً، وانطوى على تضليل متعمد وتشويه للحقائق".

ووفق بيان القاهرة فإن المباحثات الأخيرة "لم تفض إلى تحقيق تقدم ملموس بسبب تعنت إثيوبيا وتبنيها لمواقف مُغالى فيها تكشف عن نيتها في فرض الأمر الواقع وبسط سيطرتها على النيل الأزرق وملء وتشغيل سد النهضة دون أدنى مراعاة للمصالح المائية لدول المصب وبالأخص مصر بوصفها دولة المصب الأخيرة ". متهمة إياه "بتعمد تعطيل الوصول إلى تحقيق تقدم ملموس".

ووفق الخارجية المصرية، فإن "هذا المنحى الإثيوبي المؤسف قد تجلى في مواقفها الفنية ومقترحاتها التي قدمتها خلال الاجتماعات الوزارية، التي تعكس نية إثيوبيا ملء خزان سد النهضة دون قيد أو شرط ودون تطبيق أي قواعد توفر ضمانات حقيقة لدول المصب". مؤكده أن القاهرة ستشارك في الاجتماع المقرر أن تعقده وزارة الخزانة الأميركية مع وزراء الخارجية والمياه لمصر والسودان وإثيوبيا في واشنطن خلال يومي 13 و14 يناير (كانون الثاني) 2020، للتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن وفي إطار سعيها للحفاظ على مصالح الشعب المصري التي لا تقبل التهاون فيها".

وكان بيان الخارجية الاثيوبية أشار إلى "إصرار مصر على قبول اقتراحها (حول ملء وتشغيل السد) منع التوصل إلى اتفاق"، مضيفاً أن المقترح المصري سيجعل ملء السد في "فترة بين 12 و21 عاما".

لماذا الخلاف "مجددا"؟
بحسب مصدر دبلوماسي مصري، فإن الخلاف "مع أديس أبابا يكمن في مسألة تعبئة الخزان الذي تصل طاقته إلى 74 مليار متر مكعب، إذ ترفض القاهرة المساس بحصتها التاريخية من مياه نهر النيل الذي يعد المورد الأول للمياه لديها (تعتمد عليه بنسبة أكثر من 95% من احتياجاتها المائية)"، مضيفاً أن "القاهرة تخشى أيضاً من أنه إذا تمت التعبئة بشكل سريع فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف تدفق مياه النيل".

وذكر المصدر الدبلوماسي المطلع على المسار التفاوضي فإن "أديس أبابا تتعنت في فرض شروطها منتهجة في ذلك سياسة الأمر الواقع دون مراعات الاحتياجات المصيرية للمياه لمصر"، وهو ما رد بشأنه دبلوماسي إثيوبي بأن "القاهرة هي من تتعنت في التفاوض دون مراعاة الاحتياجات التنموية لبلاده".

ووفق الدبلوماسي المصري، فعلى الرغم من أن القاهرة لم تُحدد عددا من السنوات لملء سد النهضة، فإن الدول الثلاث اتفقت منذ أكثر من عام على ملء السد على مراحل تعتمد سرعة تنفيذها على الإيراد السنوي للنيل الأزرق، إلا أن الجانب الإثيوبي، "يرغب في ملء خزان لا تتجاوز الأربع سنوات". مشيراً في الوقت ذاته أن "الطرح المصري يقود إلى ملء سد النهضة في 6 أو 7 سنوات إذا كان إيراد النهر متوسط أو فوق المتوسط خلال فترة الملء، أما في حالة حدوث جفاف، فإن الطرح المصري يمكن سد النهضة من توليد 80% من قدرته الإنتاجية من الكهرباء، بما يعني تحمل الجانب الإثيوبي أعباء الجفاف بنسبة ضئيلة".

وبحسب بيان وزارة الخارجية المصري الأخير، فإن "إثيوبيا تأبى إلا أن تتحمل مصر بمفردها أعباء الجفاف، وهو الأمر الذي يتنافى مع قواعد القانون الدولي ومبادئ العادلة والإنصاف في استخدامات الأنهار الدولية".

 

من جانبه قال أيضا المتحدث باسم وزارة الري المصري محمد السباعي، إن القاهرة تنتظر ما سيسفر عنه اجتماع واشنطن الأخير (مقرر غدا الاثنين) والموقف الأميركي المترتب عليه، مشيرا إلى أنه سيشهد استعراض وتقييم نتائج اللقاءات الفنية الأربعة التي عقدتها الأطراف الثلاثة خلال الأسابيع الماضية وفقما قررته الأجندة المتفق عليها في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

ووفق حديث السباعي، فإن القاهرة "لا تعتزم إدخال تعديلات على مقترحاتها لملء وتشغيل السد الإثيوبي"، معبراً أن اجتماع "واشنطن سيكون فاصلا في المسار التفاوضي وعليه فإن القاهرة تنتظر نتائجه".

في المقابل، تقول إثيوبيا، وفقما تحدث به إلينا، مصدر دبلوماسي رفيع لديها، طلب عدم ذكر اسمه، إنها "لا تستهدف الإضرار بمصالح مصر المائية وأن الهدف من بناء سد النهضة هو توليد الكهرباء في الأساس وتلبية الاحتياجات التنموية لها وهو ما لا ترعاه القاهرة"، على حد وصفه. وتكرر إثيوبيا أن مشروع السد حيوي لنموها الاقتصادي في ظل سعيها لأن تصبح أكبر مصدر للطاقة الكهربائية في أفريقيا بطاقة تقدر بأكثر من 6000 ميجاواط.

وبحسب المصدر الإثيوبي، "فإن تخوف مصر من بناء سد النهضة ليس بالصورة التي تتحدث فيه"، قائلاً، "لا يمكن أن يقوض السد سبل حصول مصر على المياه". وتبلغ حصة مصر السنوية من مياه نهر النيل 55 مليار متر مكعب، فيما يحصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب.

"انحسار" الخيارات أمام القاهرة؟
بحسب تعبير وزير الموارد المائية والري المصري السابق محمد نصر علام، فإن فشل الجولات السابقة للمسار التفاوضي بين الدول الثلاث يصعب من الوصول إلى نتائج إيجابية في طريق الحل حلال اجتماع واشنطن الأخير، موضحاً "أديس أبابا لم تبدد المخاوف المصرية في أي من النقاط الرئيسة محل الخلاف".

وقال علام، "رغم ضرورة الانتظار لنتائج اجتماع واشنطن الأخير، وفقما اتفق عليه وزراء الخارجية للدول الثلاث مع الولايات المتحدة والبنك الدولي في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، فالجولة المقبلة من مسار التفاوض حال عدم حلحلة الخلاف تعني دخول وسيط بشكل مباشر حال عدم التوصل لاتفاق يرضي جميع الأطراف".

وتابع علام، "الخطوات المقبلة محددة وواضحة، تبدأ بمباحثات، وإذا ما تعثرت يتم اللجوء لوسيط، وإذا ما فشلت هذه الخطوة يتم اللجوء إلى الهيئات الدولية، وأخيرا الذهاب إلى محكمة العدل الدولية"، لكن بعض المراقبين يرون أنه كان لا بد من وجود اتفاق مسبق بين الأطراف الثلاثة حول "آلية" التحكيم الدولي، ومتى يتم اللجوء إليها.

وترجح بعض الأوساط المصرية، أن تضغط واشنطن لما تمتلكه من علاقات جيدة بكل من إثيوبيا ومصر والسودان، لتقديم تنازلات من أجل التوصل لاتفاق يرضي الجميع، معتبرين في ذلك أنه من مصلحة الجميع الإبقاء على مسار التفاوض السلمي وعدم اللجوء إلى لغة القوة أو التهديد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدوره يعتبر، عمرو الشوبكي، الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن "فشل المفاوضات جرس إنذار حقيقي"، مضيفاً، "أن ذهاب وفد المفاوضات المصري مرة أخرى إلى الولايات المتحدة يمكن أن يكون مفيدا إذا بحثنا في بدائل حقيقية وأوراق ضغط نعزز بها موقفنا التفاوضي في معركة وجود".

وبحسب الشوبكي، "فإن قضية سد النهضة تمثل تحديا سياسيا واستراتيجيا واقتصاديا وجوديا لمصر، ولم يعد مفيدا التذكير بالأخطاء السابقة في إدارة الملف لأن المطلوب هو خوض معركة حقيقية في السياسة والاستراتيجية والعسكرية لإنقاذ الوضع لا تقوم طبعا كما يردد البعض بسذاجة على ضرب سد النهضة".

ورغم ترديد البعض للحلول العسكرية، فإن أغلب المراقبين والمعنيين في مصر، باتوا يعتقدون أن الخيار العسكري لحل الأزمة من جانب مصر "ولَّى، ولم يعد مطروحاً، وليس ممكناً في الوقت الراهن، نظراً إلى الأوضاع الإقليمية والدولية، فضلاً عن التزام الأطراف الثلاثة باتفاق إعلان المبادئ الموقَّع في الخُرطوم 2015".

وأخيراً، كرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استبعاده الخيار العسكري، مشيرا إلى أن مصر تعول دائما على الحلول السلمية والدبلوماسية لمشكلة سد النهضة.

ويعد سد النهضة أكبر سد في أفريقيا، إذ يبلغ عرضه 1800 متر، وعمقه 170 متراً، بتكلفة بناء تبلغ نحو 4.7 مليار دولار أميركي. ووفق الموقع الرسمي للحكومة الإثيوبية، فإن أكثر من 8500 شخص يعملون على مدار الساعة في المشروع، الذي تبلغ سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب، وهو ما يعادل تقريباً حصتي مصر والسودان السنويَّة من مياه النيل.

ويمكن للسد، الذي يُبنى في منطقة بينيشانغو (أرض شاسعة جافة على الحدود السودانية، تبعد 900 كيلو متر شمال غربي العاصمة أديس أبابا) في الهضبة الإثيوبية بالنيل الأزرق، توليد نحو 6 آلاف ميغاواط من الطاقة الكهربائية، وهو ما يعادل 3 أمثال الطاقة الكهربائية المولَّدة من المحطة الكهرومائيَّة لسد أسوان المصري، حيث يمتد المشروع على مساحة تبلغ 1800 كيلو متر مربع.

المزيد من دوليات