Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صانع الأسلحة البيضاء في غزة... يعمل من كرسيه المتحرك

لجأ إلى هذه المهنة ليحافظ على إرث فلسطيني قديم يُعد مصدر عز للعرب

على كريسه المتحرك يتنقل جلال بين زوايا ورشته الصغيرة، ينقل بيديه الضعيفتين الحديد الصلب، ليحوله بعد ذلك إلى أسلحة بيضاء تستخدم كأدواتٍ للزينة في معاقد الرجال، والبيوت القديمة وبعض المتاحف، ويعمل في تلك المهنة الشاقة لتحصيل قوته اليومي وقوت أطفاله الصغار.

وفي يوم نقل السفارة الأميركية إلى القدس بتاريخ 14 مايو (أيار) 2018، تعرض جلال لطلقٍ ناري إسرائيلي أثناء مشاركته في مسيرة العودة وكسر الحصار بالقرب من الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل، وتوسط العيار الناري في ظهره قرب عموده الفقري وأفقده القدرة على الحركة ما جعله طريح الفراش.

طلق مر

العيار الناري الإسرائيلي أفقد جلال قدرته على الحركة، وحوّله من شخص سليم إلى آخر مقعد، وأسوأ موقف كان إبلاغه بأنه لن يستطيع الوقوف على قدميه مرة أخرى، وأنه سيعتمد في تنقله من مكانٍ إلى آخر على كرسيه المتحرك.

وبعد رحلة علاج جلال التي ذاق خلالها المر، لم يكترث إلى إصابته وبعزم إرادته قرّر أنّ يكون إنساناً فعالاً يتحدى الإصابة، ويباشر العمل في مهنة الحدادة، في رسالة إلى إسرائيل بأنّ مصابي قطاع غزة لن يتحولوا إلى عبء على مجتمعهم.

رجل الإنسانية

وفي الحقيقة، جلال لم يكن يعمل حداداً قبل إصابته، بل كان رجل الخدمة إنسانية ويعمل في الدفاع المدني الفلسطيني محاولاً إنقاذ الناس من الحرائق والغرق، ومصاعب الحياة الأخرى، وبعد تحوّله إلى مقعد تعلّم مهنة الحدادة في ورشة صغيرة.

وقرر جلال أن يعيد لصناعة السيوف والخناجر مجدها القديم، وبالفعل بدأ في ذلك من خلال تخصصه في صناعة الأسلحة البيضاء، لتبصر الحياة من جديد على يديه، خصوصاً وأنّ صناعتها شارفت على الاندثار، ويقول "الجميع يستورد السكاكين والمعدات الحادة، ولا أحد في غزة يصنعها، لذلك ذهبت بهذا الاتجاه".

منذ الطفولة

اختيار صناعة السيوف البيضاء، لم يكن محض الصدفة بالنسبة لجلال، فهو منذ نعومة أظافره يعشق ذلك التخصص، ويضيف "كنت في صغري أقوم برسم الخناجر والسكاكين بأشكال مختلفة، وأتفنن في أن تكون مميزة عن بعض الأسلحة البيضاء المنتشرة، فتارة أرسم لها رأساً مدبباً، وتارة أخرى أخططها لتكون حادة الطرفين، وبعض الأحيان بذراع خشبي طويل".

هكذا بدأت قصة حب جلال للأسلحة البيضاء، وبعد تعلّمه مهنة الحدادة وهو مقعد على كرسيه المتحرك، قام بشراء صفائح وألواح حديدية، ليباشر في صناعة أول سيوفه، داخل ورشته الصغيرة التي افتتحها في غرفة صغيرة اقتطعها من منزله، لتصبح عمله الذي يتردد إليه كل يوم ومصدر رزقه الوحيد، بعد أن فقد قدرته على الحركة.

رحلة العمل

كلّ يوم عند التاسعة صباحاً، يصل جلال بواسطة كرسيه المتحرك إلى ورشته، ويعمل مباشرة على تحريك الحديد الصلب من مكانه إلى قطعة خشبية أرضية، وبصعوبة ينجح في ذلك كونه وحيداً يعمل في ورشته، وبعدها يبدأ في الرسم على الحديد أشكالاً متنوعة للخناجر والسيوف الطويلة، ويجمعها كلّها بالقرب من ماكينة قص الحديد.

وبعد الرسم والقص، تدخل صناعة الأسلحة البيضاء مراحل عدة، منها تنعيم حواف السيوف والخناجر، ثم تحويل أحد أطرافها إلى طرف حاد. وبالعادة يتحكم جلال في حدة السلاح الأبيض بحسب طبيعة الاستخدام، وهنا يوضح أن السكاكين المستخدمة في تقطيع اللحوم أو ذبح المواشي، يجب أن تكون حادة جداً لتلبي عملها، أمّا تلك المخصصة للمعارض لا ضير إنّ كانت غير حادة.

صعوبات

وثمة صعوبات تواجه جلال، أوّلها أنّه يعمل في الورشة لوحده، ولا يوجد من يساعده في نقل صفائح الحديد الصلب نظراً لصعوبة تنقله، فضلاً عن انقطاع التيار الكهربائي المتكرر والمستمر، ففي غزة تنقطع الكهرباء حتى 18 ساعة متواصلة في اليوم الواحد.

ومن بين الصعوبات الأخرى، عدم توفر الحديد الصلب دائماً في القطاع، كون أن إسرائيل تعمل على منع دخوله غوة، تحت ذريعة الاستخدام المزدوج، والمقصود بهذا المصطلح أنّه يدخل أيضاً في صناعات الأسلحة للفصائل المسلحة.

وبعيداً عن الصعوبات، فإن جلال يصنع السيوف والخناجر كاملة، يعني أنه بعد انتهائه من تحويلها من حديد صلب إلى سلاح أبيض، يقوم بتفصيل يد خشبية لها، وينجز ذلك بنفسه، علماً أنه تلقى دورات في النجارة ليستطيع إنجاز ذلك.

مصدر عز العرب

ويتعامل جلال مع كلّ الماكينات التي تدخل فيها صناعة السيوف، سواء كانت منشار الحديد، أو آلة السن، أو الجلخ الدائري الكهربائي، أو حتى المبارد الحديدة، كلّها يستطيع أن يتعامل معها بسهولة على الرغم من حركته المحدودة.

وبعد إنجاز الأسلحة البيضاء، يسوّقها جلال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو يقوم ببيعها إلى محلات الأدوات الحادة، وعدد آخر تشتريه المعارض والمتاحف الأثرية، وجزء منها يُعرض في مجالس الشيوخ.

وبحسب جلال تُعرض سيوفه في دواوين العائلات ومجالس العشائر. ولم يعّد أحد سواه يعمل في صناعة الخناجر والأدوات الحادة والتي شارفت على الاندثار، وقد لجأ إليها ليحافظ على إرث عربي فلسطيني قديم، الذي يعد مصدر عز للعرب.