القبعة وغطاء الرأس من الحاجة إلى الموضة

اعتمر الناس القبعات منذ آلاف السنين وفق ما تظهره النقوش التاريخية

تعتبر هند برهوم أن القبعة تعطي أناقة و"شياكة" للسيدة (بيكساباي)

تبدو القبعة الأكسسوار الممكن الاستغناء عنه إن لم يكن لهدف أساسي كالوقاية من عوامل الطقس، كأشعة الشمس الحارقة والشتاء البارد والمطر. لكنها في الحقيقة لم تكتفِ بهذا الدور، ودخلت في تفاصيل الحياة لتكون دلالة لأمور كثيرة، من المعتقدات الدينية إلى المكانة الاجتماعية إلى الوظيفة، مروراً بالموضة. حتى بات لها "يوماً وطنياً" (غير رسمي) يصادف في 15 يناير (كانون الثاني) من كل عام. ففي بريطانيا يرتدي الناس القبعات المتنوعة بأشكال مبتكرة، وتشارك الملكة إليزابيث والعائلة المالكة في هذا الحدث الذي يعود تاريخه إلى عام 1711.
يُحتفل بالقبعة بطرق عدة تتنوع بحسب الجهة المحتفلة، فيقيم البعض احتفالات للأطفال في الحضانات والمدارس، ويعتمر الأولاد قبعات مختلفة الأشكال والألوان، ويتبارون أحياناً على لقب أجمل أو أغرب قبعة.


احتفال نسائي لبناني بالقبعة


هند برهوم سيدة مجتمع لبنانية نظمت احتفالاً بالقبعة على مدى 3 سنوات، وتخبر "اندبندنت عربية" أن علاقتها بالقبعة بدأت منذ نشأتها حيث كان لديها ولعاً خاصاً بها، وكانت تراقبderby horse race  (سباق الخيول البريطاني السنوي) كل عام في لندن حيث كانت السيدات يتزين بأشكال مختلفة من القبعات الملونة.
وبعد زواجها وعودتها للاستقرار في لبنان أقامت حفل غداء لصديقاتها، وطلبت منهن اعتمار القبعات الأنيقة، ما أضاف إلى الحفل "سحراً خاصاً"، فقررت أن تقيمه كل عام في فصل الصيف، ولكنها استطاعت ذلك لثلاث سنوات، ثم توقفت لشعورها أن البعض لا يأخذ الأمر بجدية.
وتعتبر هند إن القبعة تعطي أناقة و"شياكة" للسيدة، إضافة إلى الأنوثة شرط ألا تكون القبعة الرياضية. وتقول إنها تصلح للمناسبات وحفلات الغداء والعشاء، وتُلبس مع فستان أو "تايور" (لباس كلاسيكي). أما القبعات التي تحتوي على القش تناسب البحر والنزهات.
تأسف هند لأن السيدات في لبنان قلما يرتدين القبعة ويخجلن بها رغم أنها تجدها جميلة جداً، وتتمنى أن تعود لتكون حاضرة جداً في الموضة. هند ترتدي القبعة غالباً في المناسبات، وكلما أتيح لها السفر إلى لندن تشتري مجموعة من القبعات للمناسبات.


غطاء الرأس في التاريخ

اعتمر الناس غطاء الرأس منذ القدم، وتظهر إحدى اللوحات التي رُسمت منذ أكثر من 5000 سنة في مقبرة طيبة في مصر رجلاً بقبعة من القش. وفي النقوش السومرية قبل 4500 سنة تظهر النساء بما يشبه القبعات على رؤوسهن، وكذلك في بعض التماثيل كتمثال عشتار المشهور حيث تشبه القبعة المخروطية الشكل، التاج الملكي.
أردية مختلفة للرأس من القبعات والقلسونات والحجاب والكوفية والغفارة والطربوش والقلبق والعمامة والأغطية الأخرى للرجال والنساء انتشرت عبر الزمن. كانت عوامل الطقس السبب الرئيسي لانتشارها، وتنوعت أقمشتها بحسب المناطق، فمنها ما صُنع من جلود وفرو الحيوانات، ومنها من ريش الطيور وغيرها من الكتان أو القش أو الأقمشة المختلفة التي تنوعت بتنوع الطبقات الاجتماعية.
فكان العمال والفلاحون يرتدون أغطية عملية للرأس مصنوعة من أقمشة متينة دورها الحماية، أما بالنسبة للطبقة الميسورة فكان الحرير والمخمل والساتان وغيرها من الأقمشة الغالية الثمن يحتل قبعاتهم وأغطيتهم تشبّهاً بالحكام والملوك الذين رصعت قبعاتهم وأرديتهم بالأحجار الكريمة والماس.
ومع انتشار الديانات الابراهيمية صارت أغطية الرأس جزءاً من إظهار التدين، ففرضت في اليهودية تغطية الرأس وكانت العروس تضع نقاباً في زفافها ما يعكس الحشمة. واعتُبر غطاء الرأس للرجال دلالة للتواضع أمام الله عزّ وجلّ، وواجباً أثناء تأدية الصلاة. وما زالت بعض الفرق اليهودية مثل الحريديم، يرتدي متدينوها الحجاب الكامل والنقاب للمرأة فلا تظهر شعورهن، ويرتدي الرجال القبعة والمعطف الطويل المحتشم.
 


أما بالنسبة إلى المسيحية فتتحدث رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس عن غطاء على رأس الزوجة الكورنثية التقية الذي يبيّن أنها خاضعة لسلطان زوجها وبالتالي خاضعة لله. وترتدي الراهبات غطاء الرأس بشكل دائم، في حين كانت النساء المسيحيات ترتدينه أثناء الصلاة في الكنائس. ويضع رجال الدين المسيحيين أغطية رأس مختلفة بحسب الرتبة الدينية. 
وكانت النساء العرب قبل الإسلام يرتدين الحجاب والنقاب. وكُرّس في الإسلام كواجب للمتدينات وفرضته بعض الدول الإسلامية على مواطناتها وحتى زائراتها.
ويعتمر الشيوخ المسلمون العمامات والطرابيش الملفوفة بالشالات البيض، أو العمامات السوداء، بحسب الطائفة، وبالإضافة إلى كونها زيّاً، كان أحد أهدافها أن تخفي الصلع والشيب. أما الخمار فكان عادةً بيئية صحراوية من الأساس. ومع مرور الزمن انحسر غطاء الرأس في بعض المناطق وانتشر في مناطق أخرى بحسب الوجهة الدينية والسياسية للحكم.
 

قبعات الملوك
 

لبس الملوك في مصر القديمة التيجان المرصعة بالأحجار الكريمة، وبعضهم استخدم الورود والريش وقرون الحيونات للدلالة على السلطة والحُكم وتميزهم عن سائر الطبقات، من النبلاء والعامة، وفعل مثلهم الإغريق والرومان.
وما زال الملوك والأمراء والسلاطين في بعض الدول الأوروبية والعربية وأفريقيا يلبسون التاج في المناسبات بخاصة أثناء التتويج أو الصور الرسمية.
كما أن البعض اعتمدوا القبعة مثل الملكة اليزابيث والملكة مارغريت والملكة آن ماي والأميرة ديانا والأميرة هيا الحسين والأميرة بياتريس والدوقة كايت مدلتون وغيرهن في معظم المناسبات الرسمية. بعضهن اعتمدن القبعة الكلاسيكية مثل ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية وأخريات حرّكن الإبداع لدى صانعي القبعات بابتكار الغرائب بطرق فنية جميلة.


رفع القبعة

درج قديماً أن يرفع الرجال في أوروبا قبعاتهم الرسمية كتحية أو تعبير عن الاحترام. وتُستعمل عبارة "أرفع لك القبعة" ضمن إطار الاحترام والتقدير والامتنان. وفي حين يُستحسن أن ترتدي المرأة غطاءً للرأس أثناء الدخول إلى الكنيسة، إلا أنه يُعد قلة احترام إذا لم يرفع الرجل قبعته عن رأسه.
وغالباً ما يرفع الرجل قبعته بوجود سيدة احتراماً، ولكن رجال الأمازيغ في شمال إفريقيا يسدلون عماماتهم على وجوههم أمام السيدة احتراماً لها، وليس من المستحب إظهار الوجه وخصوصاً الفم أمامها في حين من الطبيعي أن تُظهر المرأة وجهها أمام الرجل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


قبعات لا تنسى

ما إن نذكر السحر والسحرة حتى نستحضر الساحرة المستدقة الأنف والذقن التي تطير على مكنستها ذات العصا الطويلة وقبعتها السوداء الطويلة التي تُستخدم عادة في عيد البربارة (لدى الطوائف المسيحية في الشرق لا سيما في لبنان)، ونذكر أيضاً قبعات السحرة التي يخرجون منها الأرانب والحمام والخدع الجميلة.
ومن القبعات العالقة في أذهان الناس قبعة نابليون بونابرت التي وضعها بشكل عرضي، كما فعل جنوده. وقبعة الكاوبوي أو رعاة البقر ذات الأطراف والتي يرافقها قطعة مثلثة من القماش تُربط على الوجه تحت العينين للوقاية من الغبار أثناء جري الخيول.
كذلك فإن أحد أشهر القبعات في العالم هي قبعة بابا نويل الحمراء ذات الإطار الأبيض والتي تُباع في فترة عيد الميلاد ويرتديها كثير من المحتفلين كباراً وصغاراً.
أيضاً قبعة تشي غيفارا "البيريه" التي ارتداها ثوار بلاد عدة تيمناً به. ومثلها قبعة المغني العالمي بوب مارلي الملونة التي صُنع نسخاً عدة منها، بعضها احتوى أيضاً على شراريب تشبه جدائل مارلي الشهيرة.
من دون أن ننسى قبعة الملكة اليزابيث الكلاسيكية بألوانها المختلفة، التي طلبت الملكة أن تكون بهذا الشكل أي من دون حواف كي لا تحجب الوجه والعينين عن الناس لأن ذلك يُعتبر وقاحة برأي الملكة.
ويخبر جوند بويد الذي كان يصنع أشهر القبعات وصمم قبعات لمشاهير أشهرهم الأميرة ديانا، أنه بمجرد أن ارتداء الأميرة البريطانية الراحلة لقبعة ما، كان الطلب يزداد على التصميم الذي تختاره.
وكانت الأميرة ديانا أشهر مَن بدّل في موديلات القبعات بجرأة، وتصدّرت غير مرة غلاف أشهر المجلات العالمية، خاصة أنها كانت تراعي المناسبات بطريق ذكية. ففي زيارتها لليابان اختارت ألوان العلم في ردائها الأحمر والأبيض، وفي زيارتها إلى دبي ارتأت أن تلف كامل شعرها تحت القبعة احتراماً لبلد محافظ.
يبقى أن أغطية الرأس عامة من القبعات إلى الحجاب دخلت الموضة من بابها العريض، فالحجاب التقليدي صنع بدائل له في لفات الشعر أو "التوربان" بأشكال مبتكرة، واستعادة القبعات مجدها في دور الأزياء العالمية.

المزيد من موضة