إشكالية الإسلام السياسي

مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر والمرشد الأول لها حسن البنا (أ.ف.ب، غيتي)

بعد الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، وانسحاب روسيا منها جرّاء ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917، وإعلان كمال أتاتورك (1881-1938) في 3 مارس (أذار) 1924 إلغاء الخلافة العثمانية، مع رواسب "حركة الإصلاح والتجديد الديني" في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على يد جمال الدين الأفغاني (1838- 1897)، وتلميذه الشيخ محمد عبده (1849-1905)، بدأت تتشكل فكرة الإسلام السياسي في مجابهة الواقع الجديد الذي يسيطر عليه الاستعمار البريطاني والفرنسي في معظم البلدان العربية.

وكانت جماعة "الإخوان المسلمين" أول حركة في تكوينات الإسلام السياسي في القرن العشرين، حيث تأسست في مدينة الإسماعيلية على يد حسن البنا (1906-1949) في العام 1928، كتنظيم سياسي إسلامي، ثم انتقل مقرها الرئيس إلى القاهرة في العام  1932. وكان البنا ينادي بأن الرأسمالية والشيوعية لا تخدم المسلمين، وأن "الإسلام هو الحل". بيد أن البنا الذي أسس الجماعة، لم يكمل بعد الثانية والعشرين من عمره، وكان في زمنه علماء دين وزعماء سياسة لهم شأنهم؛ علاوة على أن مصر كانت تحت النفوذ البريطاني منذ العام 1882، وكانت طبيعة الأسرة الخديوية الحاكمة (1805-1953) استبدادية النزعة، لذا كيف لمُدرّس شاب في مستهل المعترك الحياتي يطلق على نفسه "المُرشد"، أن يبدأ بتأسيس حركة سياسية إسلامية تعمل وفق تصورات وأفكار لا تتوافق مع الواقع السياسي بشكل عام، وتتعارض مع قوى سياسية أخرى موجودة، دونما أن يكون له سند أو دعم خاص يسمح له بحرية العمل والانتقال والانتشار والمجابهة. وكل منْ يبحث ويستقصي في هذا الصدد بالذات، يصل إلى نتيجة أو حقيقة ثابتة، وهي أن سفارة بريطانيا في القاهرة كانت على صلة بجماعة الاخوان المسلمين.

وبحقائق الحاضر المرتبطة بحقائق الماضي نورد فقرة من فقرات تقرير "المراجعة الحكومية" عن الإخوان المسلمين، الذي أمر به رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون (2010-2016) في 31 مارس (أذار) 2014، وصدر التقرير في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2015، يدعم ما طرحناه آنفًا، فقد جاء في النقطة السادسة عشرة المضمون التالي: إن "حسن البنا وافق على المنفعة السياسية من العنف، وإن الإخوان نفذّوا هجمات من ضمنها الاغتيالات السياسية ضد رموز الدولة المصرية، وكلّا الجانبين البريطاني واليهودي كانت لهما مصلحة خلال فترة حياته، هذا من الجانب الخفي الخاص، أما من الجانب العلني العام، فقد ساعد تنظيم الإخوان المسلمين على أن تكون له حاضنة شعبية وجماهيرية، لأن أفكاره وتنظيراته كانت تحاكي الشعور أكثر من العقول، في مجتمع شأنه شأن بقية المجتعات العربية والإسلامية، حيث يسوده الفقر والحاجة، وينتشر فيه التخلف والأمية. وبذلك فإن فكرة إحياء الإسلام، وتطبيق الشريعة وفق مفهوم حديث يواكب معطيات العصر، كانت تجذب الآخرين إليها بسرعة مذهلة، سيما وأن البنا وجماعته كانا في بداية الطريق،

نعم كان البنا متأثراً بحركة الإصلاح والتجديد الديني، خصوصاً وأنه عاصر آخر أقطابها محمد رشيد رضا (1865-1935) الذي أثر فيه كثيراً، خصوصاً عندما انتقل إلى كلية دار العلوم في القاهرة. إلا أن حسن البنا كانت له أهداف سياسية تتجاوز حدود الإصلاح الديني، وبما أن آراءه وطروحاته بدأت تلاقي إقبالًا واسعاً، لذا بدأت تأخذ حركته أبعاداً سياسية خطيرة، إذ جعلت من جماعة الإخوان المسلمين قوة سياسية وثقلا اجتماعيا قادها بالضرورة إلى التزاحم ثم التصادم مع قوى سياسية مغايرة من جهة، ولها أقدمية في صلاتها وتشعباتها مع المستعمر البريطاني والقصر الملكي من جهة أخرى.

ونتيجة لذلك فقد أصدر رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي (1888-1948) في 9 يناير (كانون الثاني) 1948، قراراً عسكرياً رقم 63 ينص على "حل جماعة الإخوان المسلمين بتهمة التحريض والعمل ضد أمن الدولة"، ومصادرة أموالها، واعتقال معظم قادتها.

ولقد حاول البنا في مرافعته أمام "مجلس الدولة" إلقاء اللوم على ثكنات الاستعمار البريطاني وتواطؤ القصر الملكي في حبك هذه المؤامرة، لكنه لم يفلح. وبعد عشرين يوماً من القرار، ردّت جماعة الإخوان المسلمين باغتيال النقراشي باشا بمقر وزارة الداخلية. واعترف القاتل عبد المجيد أحمد بذلك، بعد أن تنكّر بزيّ ضابط شرطة، وينتمي إلى "النظام الخاص" بحركة الإخوان. وعلى الرغم من أن البنا أصدر بياناً استنكر وأدان فيه الحادث، إلا أن ردة الفعل المضادة جاءت في 12 فبراير (شباط) 1949، حيث اغتيل البنا برصاصات رجل تابع للشرطة السرية المرتبطة بالملك فاروق (1936-1952)، ولم تسمح السلطات المصرية بخروج أحد من الرجال في جنازة حسن البنا، فحملته النساء من عائلته.

وتعرضت جماعة الإخوان إلى الحل مرة ثانية في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1954 بعد محاولتهم الفاشلة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر (1956-1970)، أثناء إلقاء خطاب بميدان المنشية في الإسكندرية، عقب توقيع "معاهدة الجلاء" والتي اعتبرها الإخوان ذريعة لعودة الاحتلال البريطاني للبلاد. كان مفنذ العملية السباك محمود عبد اللطيف عضو الجهاز السري للإخوان، وكان سعيد رمضان صهر حسن البنا صلة الربط بالعملية مع السفارة البريطانية.

عن الأمر أعلاه، أورد الكاتب والمؤرخ البريطاني ستيفن دوريل في كتابه الموسوم:(أم آي 6) مغامرة داخل العالم السري لجهاز المخابرات البريطانية، 2000؛ والذي اعتمد فيه على وثائق مخابراتية بريطانية وأميركية وألمانية وسويسرية عما يخص تحركات وتعاون سعيد رمضان مع أجهزة المخابرات الغربية. حيث يقول: بعد صراع الرئيس محمد نجيب مع جمال عبد الناصر، مالت الكفة لصالح عبد الناصر، ونجح في إجلاء القوات البريطانية من مصر، خطط جهاز (أم آي 6) للإطاحة بعبد الناصر، ولقد وجد ضالته في جماعة الإخوان المسلمين بالتعاون معهم من خلال سعيد رمضان. وفي كتابه الآخر: (أم آي 6) خمسون عاماً من المهمات الخاصة،2001؛ يورد أيضاً مدى تعاون الإخوان المسلمين مع أجهزة المخابرات الغربية.

ومما جاء في قرار جمال عبد الناصر أن "نفراً من الصفوف الأولى في هيئة الإخوان أرادوا أن يسخروا هذه الهيئة لمنافع شخصية وأطماع ذاتية مستغلين سلطان الدين على النفوس وبراءة وحماسة الشبان المسلمين ولم يكونوا في هذا مخلصين لوطن أو دين".

أما المرة الثالثة في حل تنظيم الإخوان المسلمين كان في 2 سبتمبر (أيلول) 2013، حيث قررت محكمة القضاء الإداري بوقف قيد جمعية الإخوان المسلمين، وطلبت المحكمة حل الجمعية وإغلاق مقرها العام وتصفيتها وفقاً للمادتين 44 و45 من القانون رقم 84 لسنة 2002 الخاص بالجمعيات والمؤسسات الأهلية، في الحقيقة إذا أردنا أن نبتعد عن نظرية المؤامرة، ولغة الاتهام بالارتباط مع المخابرات الغربية، ونقول إن العلاقة بين الإخوان المسلمين والغرب كانت تقوم على تبادل المنفعة السياسية وتوظيف أحدهما للآخر، فإن الرابح في هذه الفترات الزمنية هو الغرب، والخاسر دوماً هم الإخوان المسلمين، والأسباب كما يلي:

أولاً: وظف الغرب الإخوان المسلمين ضد الشيوعية في "الحرب الباردة"، والتيارات القومية في المدّ الثوري العربي، والأنظمة الوطنية التي لا تتلاءم مع السياسات الغربية، وهكذا استمرت جماعة الإخوان المسلمين في الظل السياسي لعقود طويلة، كونها أداة لا تصنع قراراً سياسياً ذاتياً يوصلها للسلطة مباشرةً.

ثانياً: ربط الدين بالسياسة، هدفه الوصول إلى السلطة، وبذلك يكون الدين في خدمة السياسة وليس العكس. وهذه تعتبر إحدى أهم إشكاليات الإسلام السياسي سواء عند الإخوان المسلمين أو غيرهم من التيارات والجماعات والأحزاب الدينية السياسية قاطبةً.

ثالثاً: استخدام التنظير الإسلامي تجاه الواقع السياسي والحياتي والاجتماعي يخلق تصادمات بين الوضعي والسماوي، جراء مفاهيم وأفكار ومعتقدات تخص جماعة دينية سياسية معينة، مثل الإخوان المسلمين، وآخرين من بقية المجتمع، لهم تنظيراتهم أو آراؤهم المغايرة، بمعنى أن الخلاف داخل المجتمع سيرتد على الدين لا السياسة، كون أن السياسة قابلة للخطأ والزلل، أما الدين فإنه نزيه لا شائبة فيه، وهذا الإشكال غالباً ما يؤدي إلى فشل الإسلام السياسي عند التطبيق.

رابعاً: السياسة سلطة زمنية تنحصر في الواقع الدنيوي وحسب، بينما الدين سلطة روحية تمتد إلى ما وراء الحياة الدنيوية. لذا فإن الجمع بين هاتين السلطتين في نظام حُكم واحد يخلق إشكالاً يؤذي الدين أكثر من السياسة، فينعكس على المجتمع سلباً لا إيجاباً، كما جرى في سلطوية "بابوية روما" سابقاً، وسلطة "المرشد الأعلى" في الجمهورية الإيرانية الإسلامية حاضراً. 

خامساً: الدين والسياسة كلاهما له مجاله تجاه الفرد والمجتمع والإنسانية، دونما أن تكون هناك حاجة أو ضرورة لدمج أحدهما في الآخر، أما الذين يعملون على تسيس الدين، أو التدين بالسياسة، فالأمر بالقدر الذي يتعلق برؤيتهم هم وحدهم، نجد أن جميع النتائج تبرهن على فشلهم، مثل الأحزاب الدينية السياسية الحاكمة في العراق منذ العام 2003، بعد تعاونهم مع المحتل الأميركي.

إن ما يعانيه الإسلام السياسي من إشكاليات ذاتية منهجاً وفكراً يجعل حالة الفشل ملازمة له، وإلا عليه أن يفصل ما بين الدين والسياسة شأناً وعملاً، وبما أن هكذا قرار يعني انهيار الأساس الذي بنيت عليه قواعد التنظير والتطبيق، لذا فإن الفشل والإخفاق سيبقى ملازماً للإسلام السياسي على نحو عام، أما فكرة البقاء والدوام وذلك من خلال استمرارية العمل السري، فإن هكذا وضع يعتمد بدرجة كبيرة على حصيلة الجوانب الإيجابية السابقة في فترة السلطة والحُكم، ومن هنا تجد أن بعضاً من الأحزاب السياسية التي تخسر السلطة تعود لها وفقاً لِما قدمت للشعب من خدمات وإنجازات على أصعدة متنوعة، وهنا تبرز إشكالية أخرى لدى الإسلام السياسي، حيث أن تجارب الأحزاب الدينية السياسية في السلطة والحُكم تتضاد سلبا عما كانت عليه سابقاً، مثل حزب الدعوة الإسلامية في العراق (2005-2018)، وحركة النهضة في تونس.

أما عن تجربة النظام السياسي الإسلامي في إيران، فحدّث ولا حرج، فمنذ العام 1979 وإلى يومنا هذا، نقرأ النتائج الرسمية التالية:

نصف نسمة إيران، أي 40 مليون فرد في خط الفقر، وأن نسبة 50% من ذاك العدد تحت خط الفقر.

 وصلت نسبة الإدمان على المخدرات إلى 10% من مجموع السكان، أي 8 ملايين فرد خارج نشاطات المجتمع.

 ارتفعت نسبة البطالة خارج المدن الصناعية الكبرى إلى 55% من الأيدي العاملة.

انتشار الفساد المالي والإداري والأخلاقي، سيما مع الطبقة الدينية الحاكم .

تردي الخدمات والرعايات العامة في المناطق غير الفارسية: أحوازية وكردية وبلوشية.

وهذا غيض من فيض. فهل لهكذا نظام سياسي إسلامي، أذى الشعوب داخل إيران، وكذلك شعوب المنطقة في البلدان العربية، جراء سياساته الطائفية والعنصرية والإرهابية، إن تفككت قبضته من دفة السلطة يستطيع أن يعود إليها؟

عندما نبحث وندرس ثم نصل إلى نتيجة يقينية بأن الإسلام السياسي فاشل، ولا يمكن أن يكون نظاماً سياسياً صالحاً في حُكم أي بلد من البلدان العربية والإسلامية، لأنه لو كانت النتائج على نحو معاكس لأرض الواقع، حيث الاستقرار والتقدم والرفاه، لكان من الواجب الأخلاقي والعقلي والمنطقي الإقرار بصلاح ونجاعة الإسلام السياسي. وبما أن هذا لم يحدث واقعيا، لأن الحقيقة الساطعة هي ما نتج عن الأحزاب والحركات والجماعات الدينية السياسية بالممارسة من إخفاق وتردي وتقهقر، لذلك لا مستقبل للإسلام السياسي طالما كانت أسسه قائمة على إشكالية ثابتة، وهي زج الدين بالسياسة، والتي تؤدي إلى تمشية السياسة على حساب الدين، إنها صورة تتكرر تقريباً على مدى قرن من الزمن دون تغيير قط. 

المزيد من آراء