Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العراق... حكومة مرتهنة وشعب ساخر

تحولت ساحات التظاهرات إلى مراكز للسخرية من النظام وتبعيته لإيران

تحوّل سخط الشعب العراقي ونقمته إلى سخريةٍ مُرّة وهو يرصد ما يدور على أرضه من صولات أميركا على خصومها وضربهم فوق الأراضي العراقية، تقابلها عمليات إيرانية ترد فيها، وتهاجم الولايات المتحدة في العراق أيضاً، وآخرها قصف قاعدتي (عين الأسد) بالأنبار، و(حرير) بأربيل.

طرفان متخاصمان حوّلا العراق إلى مسرحٍ لعمليات حربية واختبار قوة لفاعلية صواريخ البلدين، فاستحال العراق إلى (أرض حرام)، كما يُطلق العسكر العراقي على مناطق الفصل بين قوى الاشتباك الحربي، الذي صار مثيراً لغضب الشارع وحنقه على زعامات حوّلته إلى نكتة لاذعة!

ضربات متبادلة بعلم مسبق
اللافت الذي يثير سخرية وحنق العراقيين إن كلا الطرفين يتصل هاتفياً بالطرف العراقي، ويبلغه أنهم قادمون لتنفيذ عملية عسكرية عنده، بل ويحددون المكان والزمان الذي لا يتجاوز ساعتين بين الإبلاغ والتنفيذ، ما يجعل رئاسة الوزراء العراقية وعادل عبد المهدي الرئيس المستقيل، أن يبلغ الطرف المستهدف بما أخبره (الأصدقاء - الأعداء) الأمريكان عند إبلاغه وما يخبره الحلفاء أصحاب القدح المعلى الإيرانيون أصحاب الفضل في تعيينه، والمصرون على بقائه في الحكم ليُكمل دورته بعد السنوات الثلاث المقبلة، رغم استقالته بعد أن انخرط كلياً في صف سياستهم بالعراق، ورفض الرئيس دونالد ترمب ونائبه مايك بنس استقباله ومنع زيارته الولايات المتحدة، حتى وإن حلّوا فوق الأراضي العراقية، والتقوا جنودهم في قاعدة عين الأسد وسواها، بل اجتمعوا مع قيادات كردية تحت إمرة رئاسة الوزراء العراقية دستورياً.

إبلاغات مسبقة وضربات محققة
تؤشر الأحداث إلى أن الطرف الأميركي ممثلاً بوزير الدفاع مارك إسبر أبلغ عبد المهدي قبيل تنفيذ الضربة لموقع (كتائب حزب الله) في القائم بساعتين ليتيح له فرصة تقليل الخسائر البشرية، ولا يعرف أحد هل أبلغهم أم لا.

لكن الثابت أن عشرات الضحايا وقعوا بتدمير مواضعهم، وجلهم من فقراء شيعة الجنوب، فهل يتحمّل عبد المهدي مسؤولية قتلهم؟ هذا ما جعل العراقيين يتهمونه علناً بأنه لم يُصدر أمراً بإخلائهم.

اقتحام السفارة الأميركية
وعلى إثرها، اقتحمت أحزاب السلطة المنطقة الخضراء وأسوار السفارة الأميركية المحصنة عنوة ومن دون موافقة رئيس الوزراء، وشاركت قوات بملابس العسكر في ذلك يتقدمهم قادة أحزاب السلطة وميليشياتها الذين حاولوا اقتحام أبواب السفارة بعد حرقها.

حينها اتصل الوزير مايك بومبيو يومها بعادل عبد المهدي وأبلغه غضب بلاده عليه حول التعرض لسفارة الولايات المتحدة المخالف للأعراف الدولية ولاتفاقية بين البلدين، وتأكيده للرئيس ترمب الذي كان منهمكاً بلعبة غولف، بأنه تلقى رداً فاتراً من عبد المهدي ما دعا الرئيس ترمب نفسه إلى الاتصال ليخبره بجملة قصيرة، بلا سماع رد من عبد المهدي خلال رسالة قيلت بثوانٍ جعلته يهرع بكل ما يتمكّن ليحذر المهاجمين ولينقل على الفور موقعهم إلى ضفة النهر المقابلة، وبعدما وصلتهم الرسالة أصدروا بياناً خجولاً بأنهم انسحبوا احتراماً للحكومة ورئيسها وسياقات الدولة!

إيران تبلغ الحكومة باستضافة صواريخها
وفي المقابل أبلغت إيران حينها الحكومة العراقية بأنها عازمة على ضرب أهداف منتخبة للقوات الأميركية داخل الأراضي العراقية، انتقاماً على مقتل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني بعد تشييعه ودفنه.

وكان رئيس مجلس الوزراء العراقي في وضع لا يُحسد عليه، وهو لا يعرف تأثير الانتقام الإيراني وسعته، لكنه أعُلم بأن عملاً عسكرياً سيحدث على الأراضي العراقية المستباحة، وفق ما أبلغه الجانب الإيراني عبر وسائله الرسمية وغير الرسمية!

السيادة العراقية المنتهكة
تلك الأحداث أحالت العراق إلى بلد بلا سيادة، فهو منتهك من إيران والأميركان معاً، أحرجت عبد المهدي وحكومته، وزاد الطين بلة حين حرّكت إيران أعوانها للضغط عليه حتى يطالب البرلمان بالانسحاب من اتفاق (صوفا) واتفاقية التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الخاصة بمحاربة "داعش" بطلب من النواب الشيعة الذين يشكلون الأغلبية البرلمانية، لينهوا فصلاً من المنعة العراقية التي أوقفت التهديد الداعشي الإرهابي الذي وصل مشارف بغداد حينها وصار على أبواب العاصمة العراقية نفسها، والكثير من الساسة العراقيين يعلمون أن ذلك الانسحاب المفاجئ يضر بالمصلحة العراقية العليا في البلد الأضعف بالمنطقة والمهدد بوجوده.

فحين تُزال عنه المظلة الدولية المتمثلة بالحماية الأميركية، التي قتلت زعيم داعش ولاحقته فإن ذلك يجعل كل ممكنات التحدي مفتوحة بعد أن خلص العراق من خطر كان يداهم المدن.

مزاج عراقي ساخر
هذه الأوضاع جعلت المزاج العراقي في ارتباك شديد، فهو أدرك أن كل ما يحدث من تغيرات لا تعدو أن تكون محاولات لاسترضاء إيران وسياستها وحلفائها بالعراق، أن يحول تلك الوقائع إلى مثار للسخرية عبر الميديا ووسائط السوشيال ميديا، التي تجد لها انشاراً غير مسبوق في البلاد التي أضحت تسخر من وجع هذا الكابوس الذي خيّم على الحياة العراقية، وأحال الواقع العراقي إلى الهلع والتخوف من قادم الأيام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فقد سخر ناشطون من تحويل الأراضي العراقية إلى ما يسمونه (ساحة حرب) بين أميركا وإيران حين تطلب الأطراف المتقاتلة فتح الأجواء قسراً، ويقتصر رد الحكومة العراقية بالإشعار المسبق لا غير، وبأنهم قادمون لتنفيذ ضربة ما، وليذهب الشعب العراقي وسيادة أراضيه إلى الجحيم، حسب وصف نواب عراقيين.

يقول أحد المعلقين ساخراً، "إن إسبانيا فرحانة باستضافة السوبر الإسباني، إحنا راح نستضيف الحرب العالمية الثالثة على أرضنا"، تعليقاً على تقاطع النيران الحالي.

ويضيف ناشط عراقي آخر ساخراً، "إن مسؤولاً هندياً اتصل بعادل عبد المهدي وقال له: عندنا نية معركة مع باكستان فيها مجال نتعارك يمكم"، وعلق ناشط على ولادة مولود عراقي، "مرحباً بك في بلدك العراق، يجيبه المولود: لا بشرفك تحجي صدق!؟".

وراح العقل الشعبي الحانق على الحكومة الحالية التي تدير البلاد في أسوأ مراحله على حد وصف عدد من النواب الحاليين، إلى التعليق على من يصف رئيسها المستقيل بالقول: "... هذا شغل عمل ما عنده بس يخابروه، أميركا تخابره: إحنا راح نقصف مقرات حزب الله بعد منتصف الليل، إيران تخابره: الصواريخ قادمة إليكم وهي بالطريق، أميركا تخابره: دولة الرئيس الصواريخ وصلت بسلام، أستراليا تخابره: إحنا ما نسحب قواتنا، فرنسا تخابره، إحنا ما ننسحب، بريطانيا تخابره: إحنا إذا تريد نسحب قواتنا عادي، وعراقي آخر يقول: هل صرت مأمور بدالة يا دولة الرئيس!؟"، بل يظهر كاريكاتير عراقي السيد عبد المهدي وهو يمسك هاتفه، ويقول للطرف الآخر: "ألو منو؟ شتريد تقصف؟ قل لا تستحي، عادي جداً".

وأثار موضوع الانسحاب من معاهدة الدفاع الاستراتيجي بأوامر إيرانية سخرية واستغراب السياسيين العراقيين، يقول الدكتور يحيى الكبيسي، "إنها شيزوفرينيا: يستدعون القوات الأميركية لـ(تحرير) بلدهم لأنهم وطنيون! ويجعلون يوم احتلال بغداد 2003 عيداً وطنياً لأنهم وطنيون! ويتوسلون الولايات المتحدة لمساعدتهم في هزيمة داعش لأنهم وطنيون! ويطالبون بإخراج القوات الأميركية حرصاً على السيادة لأنهم وطنيون! ويحدثونك عن الفسنجون الإيراني!".

المرجعية الغاضبة والمحذرة
هذا الوضع لم يرضِ حتى المرجعية الدينية التي تتوجس خيفة من المستقبل، التي كررت دعواتها إلى ضرورة إصلاح البيت العراقي واستقلاليته عن المثيرات الخارجية، فقد أكدت الجمعة أنّ "التعامل بأسلوب المغالبة من قِبل الأطراف المختلفة التي يملك كل منها جانباً من القوة والنفوذ والإمكانات، ومحاولة كل منهم فرض رؤيته على الباقين سيؤدي إلى استحكام الأزمة واستعصائها على الحل، وبالتالي ربما يخرج الجميع منها خاسرين، وتكون الخسارة الأكبر من نصيب البلد وعامة الناس الذين ليس لهم دخل في الصراعات الداخلية والخارجية الجارية، ولا يعنيهم أمرها بمقدار ما يهمهم أمن بلدهم واستقراره والمحافظة على استقلاله وسيادته وتوفير حياة حرة كريمة لهم ولأولادهم".

الاحتجاجات في تصاعد
مقابل هذا الوضع العراقي الملتبس تزداد الاحتجاجات في الشوارع ببغداد والناصرية ومدن أخرى تسعى للقصاص من قتلة المتظاهرين، وتحولت ساحات التظاهرات إلى مراكز للسخرية من النظام وتبعيته لإيران، وركزت على أحزاب السلطة وإخراجها من الحياة العامة، لينعم الشعب بنظام يمثله.

المزيد من تحلیل