Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التوظيف الإيراني الأميركي المتبادل

يوجد تنسيق بين الطرفين جوهره التهدئة وعدم التصعيد... وكلاهما نجح في استخدام الآخر لخدمة مصالحه

كانت إيران أمام تحدٍ رئيس وهو عدم قدرتها على تخطي الخطوط الحمراء التي وضعها ترمب (أ.ف.ب)

شهدت الأيامُ الأخيرة في المنطقة، خصوصاً بالعراق، تطورات متسارعة على صعيد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، بدأت بمقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني في ضربة جوية أميركية على خلفية الهجمات التي وجهتها الميليشيات العراقية إلى القواعد العسكرية الأميركية، وانتهت بمقتل متعاقد أميركي.

الردّ الأميركي كان لوضع الخطوط الحمراء أمام إيران فيما يتعلق بأي أعمال عدائية، وما يقابلها من رد أميركي. لم يكن اغتيال سليماني حدثاً بسيطاً، بل له كثيرٌ من الدلالات، فالجنرال يمثل الوجه العسكري للسياسة الإيرانية بالمنطقة، فمن خلاله نفّذت طهران سياسة تشبيك الملفات وإنشاء شبكة من الوكلاء الإقليميين داخل بعض دول المنطقة.

تولى سليماني تقديم الدعم اللوجيستي والتدريب والتمويل لتلك الميليشيات وحتى الدعم السياسي حينما يجري العمل على إعداد تلك الميليشيات لدمجها في النظام السياسي عبر البرلمان والحقائب الوزارية، وهو ما يجعلها فيما بعد أقوى من السلطة المركزية داخل بلدانهم.

إذن لأهمية دور وشخص الرجل وقربه من المرشد الأعلى الإيراني (قيل إنه كان ينسق معه شخصياً ومباشرة من دون أي قنوات تفصل بينهما) كان لا بد من رد إيراني، وتوقع الكثيرون أن يأتي الرد متأخراً عبر تكثيف نشاط الميليشيات ومهاجمة أهداف أو مصالح أميركية أو خليجية بالمنطقة أو خارجها، إلا أن الرد جاء بتوقيع إيراني استهدف قاعدتي عين الأسد وأربيل بالعراق.

ادّعى الحرس الثوري الإسلامي الإيراني أن وابلاً من الصواريخ (أرض - أرض) انطلق ضد قاعدتين أميركيتين مسفراً عن قتل أكثر من 80 من أفراد الجيش الأميركي.

لكن، بعد ساعات نفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقوع أي إصابات، قائلاً "القواعد تضررت قليلاً"، أمَّا البنتاغون فخرجت التصريحات لتؤكد أن القواعد الأميركية كانت في "حالة تأهب قصوى"، بسبب دلائل تؤكد أن إيران "قد تهاجم"، وأن الجيش كان لديه ما يكفي من التحذير من إطلاق الصواريخ لإطلاق الإنذارات.

كما أكد المتحدث باسم القائد الأعلى للجيش العراقي، في بيان، أن الإيرانيين أبلغوا الجيش العراقي قبل الهجوم "نية طهران استهداف القواعد الأميركية بالعراق". وبالعودة قليلاً قبل توجيه إيران تلك الهجمات الصاروخية، نجد أنه في أعقاب مقتل سليماني جرى تبادل الرسائل بين إيران والإدارة الأميركية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هنا يتضح أن ما حدث من تصعيد أميركي إيراني منذ مقتل قائد فيلق القدس وحتى الآن أن هناك تنسيقاً بين الطرفين، جوهره التهدئة وعدم التصعيد بما يؤدي إلى انزلاق عسكري، لكن كلا الطرفين نجح في توظيف الآخر على النحو الذي يخدم مصالحه.

فمن جهة كان مقتل سليماني الذي صدر بقرار مباشر من الرئيس دونالد ترمب بهدف توظيفه للداخل الأميركي لتسويق قدرة ترمب على التعامل مع إيران وتنفيذ أجندته الانتخابية بانسحابه من الاتفاق، وقتل أهم الشخصيات الإيرانية بما يخدم ملف الانتخابات الرئاسية المقبلة.

أمَّا إيران فكان لا بد لها من القيام بعمل تحفظ به ماء وجهها بعد مقتل الجنرال، لكنها كانت أمام تحدٍ رئيس، وهو عدم قدرتها على تخطي الخطوط الحمراء التي وضعها ترمب، وهي استهدف قواعد ومنشآت أميركية وسقوط ضحايا أميركيين.

لذا جاء الرد بعد تبادل الرسائل بين الطرفين وإبلاغ الإيرانيين للعراق بأنه سيتم تنفيذ هجوم على إحدى القواعد العسكرية، وهو ما يفسّره عدم إصابة هذا العدد الهائل من الصواريخ أي خسائر مادية أو بشرية، وسقوطها في أرض فضاء، فكان يمكن لطهران أن تستهدف أماكن بها أميركيون عسكريون أو مدنيون، كما أن القواعد العسكرية لم تكن أميركية، بل عراقية بها قوات أميركية.

أي أن الانتقام الذي روَّجته إيران كان منضبطاً ومحسوباً، فوقوع أي إصابة كان سيترتب عليه ضربات أميركية داخل إيران ذاتها، وربما تغيير النظام الإيراني.

هنا يتجلى كيفية توظيف إيران والولايات المتحدة بعضهما البعض على نحو يخدم مصالحهما، لكن المكسب الإيراني أكبر، فطهران التي صدرت عنها تصريحات من وزير خارجيتها يؤكد "انتهاء الفعل الإيراني" فيما يتعلق بالانتقام لسليماني، وأنها "لا تريد التصعيد أو الحرب"، سيدفع من جهة إلى ربما بدء مرحلة التفاوض للتهدئة والتفاهم من خلال أطراف ثالثة، مثل اليابان أو أطراف أوروبية، وإن كان الإيرانيون لا يراهنون على التفاهم مع الولايات المتحدة في ظل إدارة ترمب، كما سيدفع إلى الحديث مرة أخرى عن ملف الاتفاق النووي والعقوبات الأميركية، الذي كان توارى الحديث بشأنه منذ فترة تحت تأثير الاحتجاجات في الداخل الإيراني والعراق ولبنان.

المزيد من آراء