تحذيرات دولية... تداعيات مقتل سليماني من حرب بالوكالة إلى مواجهة مباشرة

خامنئي تعهد بـ"انتقام شديد"... وغوتيريش يدعو لضبط النفس... ومراقبون: "إيران ستتجنب رداً فورياً على أميركا"

تعد الضربة التي نفذتها الولايات المتحدة بطائرة مسيرة استهدفت من خلالها قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع لقوات الحرس الثوري الإيراني قرب مطار بغداد، الخطوة الأكثر دراماتيكية في التصعيد المستمر بين أميركا وإيران في الشرق الأوسط. وجاءت العملية بعد أشهر من هجمات شنتها إيران عبر وكلائها ضد أهداف لأميركا وحلفائها بالمنطقة، آخرها الهجوم على السفارة الأميركية في العراق.

 

 

العالم لن يتحمل حرباً جديدة

وفيما تبدو العملية الأميركية الكبرى ضد قيادة إيرانية مهمة رسالة متعمدة من واشنطن إلى طهران، فإنها خطوة تحمل مخاطر كبيرة من شأنها الدفع بالمنطقة إلى فوضى جديدة يخشاها العالم، وهو ما أعرب عنه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بقوله في بيان غداة مقتل سليماني، "إن العالم لا يمكنه تحمل حرب أخرى في الخليج"، داعياً قادة المنطقة إلى التحلي بأقصى درجات ضبط النفس.

وبالمثل أعرب ممثلو الدول الأعضاء في مجلس الأمن عن القلق من التصعيد بالمنطقة. ففي تعليقات مقتضبة للصحافيين، الجمعة، دعا نيكولا دي ريفيير، السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة إلى عدم التصعيد، وقال، "نحتاج إلى عدم التصعيد والاستقرار ونشجع الجميع للعمل على ذلك". فيما أشار تشانغ جون، سفير الصين لدى المنظمة، إلى بيان

خارجية بلاده، الذي أكد "رفض استخدام العنف في العلاقات الدولية، وضرورة احترام سيادة الأراضي العراقية"، وأضاف "أن بكين تتابع عن كثب الوضع في المنطقة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجاء الهجوم بعد أيام من استهداف الولايات المتحدة مجموعة كتائب "حزب الله" المدعومة من إيران في العراق وسوريا، ما أسفر عن مقتل 25 من عناصرها وإصابة أكثر من 50، وذلك انتقاماً لسلسة من الضربات الصاروخية التي استهدفت قواعد في العراق تتشاركها القوات الأميركية والجيش العراقي، ما أدى إلى احتجاجات شديدة خارج سفارة الولايات المتحدة في بغداد.

وقال وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، "إن سليماني كان يعمل بنشاط على تطوير خطط لمهاجمة الدبلوماسيين الأميركيين وأعضاء البعثة الدبلوماسية في العراق وأنحاء المنطقة". وعلى الرغم من التعاون بين الطرفين في دحر تنظيم داعش، فإنه لطالما اتهمت واشنطن سليماني وقواته بدعم الإرهاب في أنحاء الشرق الأوسط وتسهيل الهجمات على القوات الأميركية بالعراق. ووفقاً لإسبر، "فإن العملية التي وقعت في 3 يناير (كانون الثاني) كانت تهدف إلى ردع خطط لهجوم إيراني".

تصعيد متهور

المؤكد أن طهران لن تقف مكتوفة الأيدي حيال مقتل الرجل الثاني في البلاد، وقد اتهم وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف الولايات المتحدة بارتكاب "عمل إرهابي دولي" يشكل "تصعيداً أحمق خطيراً للغاية". وتعهد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بـ"انتقام شديد".

ولا تبدو توقعات المراقبين وخبراء مراكز الأبحاث متفائلة بشأن ما هو قادم، إذ اعتبر ويليام  تشسلر، مدير مركز رفيق الحريري وبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، أن توقيت وسياق العملية خطير للغاية. وقال "سوف يُنظر إليها داخل إيران على أنها تصعيد هائل، وباعتبارها عملاً محفوفاً بالمخاطر إن لم يكن متهوراً من قِبل أصدقائنا وحلفائنا"، ويرى الخبير الأميركي الاحتمال كبيراً في أن ترد إيران بعنف، ما قد يؤدي إلى المزيد من التصعيد.

حرب مباشرة ترضي موسكو وبكين

وقال تشسلر "نحن نتحرك بنشاط من حرب بالوكالة إلى حرب مباشرة وعلنية بين الولايات المتحدة وإيران. بالطبع، لا شيء سيرضي موسكو وبكين أكثر مما لو أصبحت أميركا غارقة في حرب أخرى بالشرق الأوسط".

ويصف باري بافيل، مدير مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن في مجلس الأطلسي، العملية الأميركية بأنها "استجابة متأخرة لسلسلة من الأعمال العدوانية الإيرانية الكبرى مثل الهجوم على منشآت نفط سعودية وإسقاط طائرة أميركية من دون طيار"، مرجحاً "أن يثير مقتل سليماني رداً إيرانياً كبيراً، مثل تنفيذ هجمات إرهابية ضد أفراد أو مصالح أميركية في دول أخرى، بما في ذلك أوروبا".

ويرى أنه "يجب أن تسعى الاستراتيجية الأميركية إلى ردع رد فعل إيران ووقف الأزمة". ويضيف، "ما تريده الصين وروسيا ليس أكثر من أن يتورط الجيش الأميركي في صراع عسكري آخر بالشرق الأوسط يستنزف الولايات المتحدة".

ويقول ماثيو لوفيت، رئيس برنامج رينارد للاستخبارات ومكافحة الإرهاب لدى معهد واشنطن، "إن إحدى الحالات في مدينة نيويورك تؤكد احتمال وقوع هجوم انتقامي إرهابي من جانب الوكلاء الإيرانيين. إذ أُدين علي كوراني، وهو مهاجر لبناني إلى الولايات المتحدة، بقيادة خلية نائمة لمنظمة الجهاد الإسلامي، جناح حزب الله المسؤول عن العمليات الهجومية خارج لبنان".

وكان كوراني، الذي حكم عليه بالسجن في ديسمبر (كانون الأول) لمدة 40 عاماً، قال "إنه على الأرجح سيشن هجوماً إذا أقدمت الولايات المتحدة على فعل ضد إيران أو حزب الله أو قادتها". وبعد إلقاء القبض على كوراني، أخبر نيكولاس راسموسن، مدير المركز القومي الأميركي لمكافحة الإرهاب، المراسلين في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، "أن حزب الله مصمم على منح نفسه خيار عمليات في الداخل كعنصر حاسم في كتابه عن الإرهاب".

وترسل طهران منذ عقود عناصر إلى أوروبا لتنفيذ عمليات اغتيال لمعارضي النظام وغيرها من أعمال الإرهاب. وينتظر دبلوماسي إيراني المحاكمة في بلجيكا بسبب محاولة تفجير تظاهرة للمعارضة الإيرانية في باريس، وهو مجرد مثال آخر يوضح مدى نشاط عملاء المخابرات الإيرانية في أوروبا.

طهران ستحجم عن خطوة مكلفة

وعلى الرغم من التهديدات الإيرانية بعد مقتل سليماني، صاحب الدور الذي لا يُضاهى في تنفيذ سياسة بلاده إقليمياً، يرى مهدي خلجي، الزميل لدى معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، "أن النظام في طهران ربما يتجنب الانتقام الفوري إذا رأى أن مثل هذه الخطوة مكلفة أو كسبب محتمل لنزاع عسكري خطير مع الولايات المتحدة". وفي مطلع يناير(كانون الثاني)، وسط تصاعد التوترات في العراق وقبل مقتل سليماني، صرح خامنئي، "لن نأخذ البلاد إلى الحرب، لكن إذا أراد الآخرون فرض شيء على هذا البلد، فسوف نقف أمامهم بقوة".

ويشير فريدريك سي هوف، المبعوث الأميركي الخاص السابق إلى سوريا، إلى أن خسارة قاسم سليماني ستؤثر بشكل كبير على العمليات الخارجية لإيران. ويقول "لقد كان مركز الثقل العسكري لجهود الهيمنة الإقليمية لإيران، وعبقرية تشغيلية وتنظيمية ليس لها نظير في صفوف الحرس الثوري، وسيشعر الوكلاء الإيرانيون في لبنان وسوريا والعراق وأماكن أخرى بغيابه". ويضيف "على الرغم من أن إغراء طهران بالانتقام سيكون قوياً، فإنه إغراء يستحق المقاومة، شريطة أن تكون واشنطن مستعدة وترغب في التصعيد العسكري إلى مستويات لا تستطيع إيران مضاهاتها".

المزيد من دوليات