Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودان يحتفل بالاستقلال في مستنقع الأزمات

ورث مؤسسة الدولة الاستعمارية وظلت كما هي

قاسم مشترك يجمع الانقلابات العسكرية في السودان هو "تعطيل التنمية" (رويترز) 

استقل السودان عن الاستعمار البريطاني، في 1 يناير (كانون الثاني) 1956، أي قبل 64 عاماً. وعلى الرغم من ذلك تحاصره أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية لا حصر لها.

بعض تلك الأزمات موروث، وبعضها وليد الدولة المستقلة وأخطائها وتعقيداتها وصراعاتها.

فالسودان، وفق الأكاديمي الدكتور الشفيع خضر، ورث بعد الاستقلال مؤسسة الدولة الاستعمارية التي ظلت كما هي، بل وأعملنا فيها تشويها، خصوصاً خلال حكم الرئيس السابق عمر البشير الذي امتد لـ 30 سنة. ومنذ فجر الاستقلال حتى اليوم، "يعيش السودان أزمة عامة تجلت مظاهرها في الحروب الأهلية المستمرة والمتجددة منذ 1955، وعدم الاستقرار السياسي، وسيادة غياب التنمية، وانهيار الخدمات، والصحة والتعليم، فضلاً عن إنهاك المجتمع وفقدان الثقة في الأحزاب واللجوء إلى القبيلة والعشيرة، والشعور بالاغتراب، ونزيف السواعد والعقول".

ويُرجع خضر "جذور هذه الأزمة" إلى "فشل النخب السودانية وقصور رؤاها، إذ استمرت في حالة تصادم منذ فجر الاستقلال، ولم تغادر المهمات التأسيسية لبناء دولة ما بعد الاستقلال الوطنية، فتفاقمت الأمور وتعقدت بالمعالجات القاصرة والخاطئة على أيدي الأنظمة المدنية والعسكرية المتعاقبة، والتي لم تركز إلا على كيفية بقائها واستمرارها في السلطة".

الدين والدولة

يتحفّظ خضر على "اختزال الصراع السياسي والاجتماعي في السودان على مجرد نزاع حول السلطة، أو صراع بين المركز والأطراف، أو صراع بين العلمانيين والإسلاميين". فالصراع في اعتقاده "ناتج من غياب المشروع الوطني المجمع عليه، والذي يجيب عن أسئلة التأسيس لبناء الدولة الوطنية في السودان".

ويشدد على أنه "لا علاج لأزمات السودان إلا بالتوافق حول هذا المشروع، حيث أن إثنيات وثقافات السودان يحتاج بعضها إلى بعضها في إطار تكامل الوحدة والتنوع وعبر آلية المساومة التاريخية"، مؤكداً أن "المشروع الوطني لا ينجزه حزب واحد أو تحالف أحزاب، ولا يبنى وفق أيديولوجية بعينها، بل يتطلب إسهام الجميع وعدم إقصاء الآخر. ويتمثل جوهره في التقاء حراك المركز مع حراك الأطراف، وتحالف المجتمعين المدني والأهلي، والتكامل بين المجتمع المدني والحركة السياسية".

ويخلص إلى أن "أركان المشروع الوطني السوداني تقوم على ترسيخ قيم الحرية والإصلاح السياسي والتنمية المستدامة والعلم والمعرفة والاستنارة والإصلاح الديني وحب العمل"، مؤكداً أنه "يمكن حل علاقة الدين بالدولة عبر مساومة تاريخية تلبي أشواق أصحاب الخيار الإسلامي وطموحات دعاة العلمانية والدولة المدنية، وذلك من خلال سيادة حكم القانون واستقلال القضاء، واعتبار المواثيق والعهود الدولية المعنية بحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من القوانين السودانية، وأن يكفل القانون المساواة الكاملة بين المواطنين تأسيساً على حق المواطنة واحترام المعتقدات وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة.

صراع السلطة

يقرأ الأكاديمي الدكتور النور عبد الله الأزمة السودانية من خلال "النسق التاريخي الذي أنتجها، وهو ما يتمثل في سياقات دولة ما بعد الاستعمار". ويعتبر "كل المشاريع التي وضعت لبناء الدولة السودانية منذ الاستقلال، سواء أكانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، فاشلة بامتياز". ويدلل على ذلك بالتراجع الخطير لدولة السودان في عدد من المؤشرات التنموية والاقتصادية العالمية، ومن ذلك تصنيف السودان في عهد النظام السابق ثالث أفشل دولة في العالم، بمعدل بلغ 109.4 على مدى أربع سنوات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويستنتج عبد الله أن "مجمل الصراعات التي حدثت وتحولت إلى حروب، سببها السلطة وليس الصراع من أجل التنمية واقتراح البرامج، بل حتى الثورات وخصوصاً ثورتي 1964 و1985 لم تحققا ما قامتا من أجله". لكنه يرى أنه بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 تلوح في الأفق آمال عريضة بشأن عظيم للسودان بين دول المنطقة، لأن الجميع استشعر المسؤولية بأن البلاد في مرحلة فاصلة عنوانها (تكون أو لا تكون)، خصوصاً وأنه للمرة الأولى يتحقق إجماع على قضايا الوطن وعلى حكومة وطنية انتقالية".

ويلاحظ عبد الله "عودة الوعي الوطني"، ومنبع ذلك هو أن "الدولة مهددة بالتصدع، وقد تجمع لديها مزيد من نذر التشظي والتفرقة والانقسام خلال ما شهدته من حروب وصراعات في مناطق عدة".

قواسم مشتركة

يدافع الأكاديمي الدكتور محمد عثمان عبد المالك، عن المرحلة التي تلت فترة الاستعمار، مشيراً إلى أنها "شهدت بناء الدولة من الصفر، وقد عاشت البلاد خلالها تجربة سياسية متقدمة في العالم، إلى جانب تجربة متميزة في العمل المدني والنقابات.

ويحمّل عبد المالك "مسؤولية فرقة السودانيين إلى المستعمر، الذي زرع بذرة التفرقة بينهم". ويجزم بأن "المستعمر هو من قرر انفصال الجنوب منذاك، وليس متى حصل الانفصال في 2011".

ويجد عبد المالك قواسم مشتركة تجمع الانقلابات العسكرية الثلاثة، انقلاب إبراهيم عبود (1958- 1964)، وانقلاب جعفر نميري (1969- 1985)، وانقلاب عمر البشير (1989- 2019)، ومنها "تعطيل التنمية في البلاد وتعميق المشكلات".