Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"نقمة الوفرة" تغير هيكل أسواق الغاز والنفط

"على دول أوبك ألا تزيد الإنتاج مع ارتفاع الأسعار"

عامل صيني من شركة سينوبك خلال عمله في بئر نفطية بمقاطعة هيبي (أ. ف. ب.)

بدأت ثورة الغاز الصخري الأميركية في عام 2005، فقلبت الموازين الداخلية والعالمية في أسواق الغاز، وضربت الميزة التنافسية لعدد من دول أوبك في الغاز، والغاز المسال، والبتروكيماويات. والواقع أن تأثير ثورة الغاز الصخري في الولايات المتحدة على دول "أوبك" أكبر من أثر ثورة النفط الصخري التي بدأت في عام 2010، لأن تلك الثورة ضربت الأهداف الاستراتيجية لبعض أعضاء التجمع النفطي المذكور، بخاصة في مجالَي البتروكيماويات والغاز المسال، حيث أن توافر الميثان والإيثان بكميات هائلة وبأسعار رخيصة جداً أنعش صناعة البتروكيماويات الأميركية التي كانت في طريقها إلى الموت، وحولت الولايات المتحدة من دولة مستوردة للغاز المسال إلى مصدّر كبير له.
ونتجت من وفرة الغاز في الولايات المتحدة وانخفاض أسعاره أمور عدة، أهمها حرق الغاز أو بيعه بسعر سالب أو منخفض. ويستطيع المنتج تحمل هذه الأسعار لأن أغلب الغاز الجاف يأتي مصاحباً للنفط أو السوائل الغازية، بالتالي يجني المنتج عائداته من النفط والسوائل الغازية ويرمي الغاز في السوق بأي سعر.
هذه الوفرة في الغاز وانخفاض أسعاره شجعت قطاع الكهرباء على التحول من الفحم إلى الغاز، وتم التحول بشكل كبير لدرجة أن الولايات المتحدة كانت الدولة الوحيدة التي انخفضت فيها انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. هذا الخفض لم يكن نتيجة سياسات حكومية ولكن نتيجة عوامل السوق التي جعلت الغاز أرخص من الفحم، إلا أن هذه الوفرة تحولت إلى نقمة لأنها غيّرت هيكل السوق عما كان عليه في العقود الماضية. ونتج من "نقمة الوفرة" تحول ميزان القوى من المنتجين إلى المستهلكين، الأمر الذي يمنع ارتفاع أسعار الغاز لسنوات مقبلة.


حلقة الغاز المفرغة

في سوق عادية، يؤدي انخفاض الأسعار إلى انخفاض الإنتاج، الأمر الذي يعيد التوازن إلى السوق، ولكن سوق الغاز أصبحت حالة خاصة لأنه "منتج مصاحب"، فكلما ارتفعت أسعار النفط، تزيد نشاطات الحفر والإنتاج للاستفادة من ارتفاع أسعار النفط، وتزيد كميات الغاز المنتَجة بغض النظر عن أسعاره. وبما أن أسعار السوائل الغازية مرتبطة بالنفط، فإنه حتى لو تم حفر آبار غازية للاستفادة من السوائل، يتم استخراج كميات كبيرة من الغاز الجاف بغض النظر عن أسعاره. ويمكن القول إن جهود أوبك لرفع أسعار النفط أو إبقائها مرتفعة، كانت من الأسباب الرئيسة في وفرة الغاز والنتائج التي ترتبت على ذلك وأضرت بدول أوبك. المشكلة أن دول أوبك لم تنتبه إلى موضوع الصخري على الرغم من كل التحذيرات حتى عام 2014.
وفي هذا السياق، كان على دول أوبك رفع إنتاج النفط بشكل كبير بين عامي 2011 و2013 وخفض أسعاره إلى 75 دولاراً بدلاً من الدفاع عن الأسعار فوق 90 دولاراً، إذ إن ذلك شجّع إنتاج النفط والغاز الصخريَين بشكل كبير.
 

التغيّر في هيكل السوق
 

أسعار الغاز الأميركي لن ترتفع بشكل عام (المقصود بالارتفاع هو تحرك منحنى الأسعار المستقبلية كله إلى الأعلى، وليس مجرد ارتفاع مؤقت للأسعار الفورية أو للشهر المقبل فقط نتيجة عوامل معينة)، وذلك لأن "نقمة الوفرة" هي المسيطرة حالياً بعد أن تحولت موازين القوى من البائعين إلى المشترين. وتسجل أسعار الغاز حالياً حوالى 2.20 دولار لكل مليون وحدة حرارية، بعدما كانت في عامي 2007 و2008 عند أكثر من 14 دولاراً. فإذا ارتفع السعر إلى حوالى 3.80 دولار، فإن شركات الكهرباء ستعود إلى الفحم وتترك الغاز خلال سويعات، الأمر الذي سيخفض الأسعار مرة أخرى، وكلما زاد السعر زادت الكمية. وتُقدَر كمية الغاز التي ستتوقف شركات الكهرباء عن شرائها بحدود 4 إلى 6 مليارات قدم مكعبة يومياً، وهي كمية كبيرة وكافية لانهيار الأسعار. ولكن إذا افترضنا أن الأسعار استمرت بالارتفاع على الرغم من ذلك، فإن ولاية ألبرتا الكندية تستطيع تصدير حوالى 3 مليارات قدم مكعبة يومياً عبر الأنابيب التي تصل إلى ولايات أميركية عدة. فإذا استمرت الأسعار بالارتفاع فإن تطوراً جديداً سيكبح من جماحها: فلن يعود تصدير الغاز المسال الأميركي مجدياً، بالتالي سيتم إرجاع ما بين 3 و4 مليارات قدم مكعبة يومياً إلى الأنابيب. هذا يعني أن "نقمة الوفرة" جردت المنتجين من أي قوة سوقية وأصبحت القوة بيد المشترين والمنافسين. ويجب التنويه هنا بأن هناك كمية معينة من الغاز المسال ستصدرها الولايات المتحدة مهما كان السعر لأن العقود الموقعة مع الشركات الأجنبية تفرض إلزام هذه الشركات بدفع ثمن الغاز سواء أخذته أم لا. بالتالي فإن الكمية التي ستتأثر بارتفاع الأسعار الغاز هي تلك التي تفوق الكمية المتعاقد عليها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


إلى أسواق النفط

ما سبق كان مقدمة لشرح التغير في أسواق النفط وكيف تحولت موازين القوى من المنتجين إلى المشترين، فمع وفرة الإمدادات، اشترت الصين النفط بأسعار زهيدة وأنشأت مخزوناً نفطياً استراتيجياً ضخماً. طبعاً يحق لأي دولة أن تحمي نفسها لأسباب تتعلق بأمن الطاقة من جهة، والأمن القومي من جهة أخرى. لذلك نجد أن معظم الدول المستهلكة تملك احتياطيات استراتيجية من النفط والمنتجات النفطية، لكن الفارق كبير بين أثر احتياطيات النفط في الدول التابعة لوكالة الطاقة الدولية وأثر الاحتياطيات الاستراتيجية في الصين.
ففي الولايات المتحدة مثلاً، هناك قوانين تحكم بيع النفط المخزّن ضمن الاحتياطي الاستراتيجي، فلا بد من وجود حالة طوارئ تؤدي إلى نقص في الإمدادات، ولكن لا يمكن استخدامه للتأثير في أسعار النفط. إلا أن هناك حالات خاصة يتم فيها البيع من الاحتياطي الاستراتيجي لتغطية نفقات إدارته، بغض النظر عن السعر.
ولكن ما من قوانين لاستخدام الصين للاحتياطي الاستراتيجي. لذلك يمكنها شراء كميات كبيرة من النفط بأسعار منخفضة، فإذا ارتفعت أسعار النفط فوق حد معين، تبيع الحكومة كميات كبيرة منه، ما من شأنه أن يخفّض الأسعار، أو على الأقل يوقف ارتفاعها.
وتصرف بكين هذا، سيف ذو حدين، ليس فقط لأن هناك كميات إضافية من النفط في السوق، ولكن أيضاً لأنه يخفض واردات النفط الصينية. فإذا توافق تصرف الصين مع عوامل أخرى مخفِّضة للسعر، فإن الأسعار ستنخفض بشكل كبير. عندها ستشتري بكين النفط من الأسواق مجدداً بسعر أرخص. وهذا يعني أن الصين، كدولةٍ مستهلِكة، أصبحت ذات تأثير كبير في أسواق النفط. وما كان للصين أن تقوم بهذا التصرف لولا "وفرة النفط"، لأنه لو كانت هناك ندرة في الإمدادات فلا يمكن للصين أن تبيع جزءاً من مخزونها الاستراتيجي. إذ انخفضت أسعار النفط بشكل مفاجئ وكبير في الربع الأخير من عام 2018 بسبب زيادة السعودية الإنتاج بعدما فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظراً على نفط إيران، لكنه استثنى فجأةً سبعة دول مستهلكة بالإضافة إلى تايوان، فانخفضت الأسعار. إلا أن السبب الآخر الذي لم تتم تغطيته من قبل المحللين والإعلاميين وقتها هو أن ارتفاع الأسعار في صيف 2018 بسبب التأهب لفرض العقوبات على إيران، جعل الصين تبيع كميات كبيرة من احتياطها النفطي الاستراتيجي، مساهمةً في زيادة المعروض من جهة، وانخفاض وارداتها من النفط من جهة أخرى.
خلاصة الأمر أن "الوفرة" غيّرت هيكلية أسواق النفط والغاز، وأعطت المشترين القدرة على التحكم باتجاهات الأسعار. وستقوم الصين ببيع النفط من الاحتياطي الاستراتيجي كلما ارتفعت الأسعار بشكل ملحوظ، لهذا فعلى دول "أوبك" ألا تزيد الإنتاج مع ارتفاع الأسعار لهذا السبب، لأنهم يمكّنون بذلك الصين من تكرار التجربة وجني أرباح ضخمة على حساب الآخرين.

المزيد من آراء