سويسرا تفتح أبواب الحسابات السرية أمام لبنان

تعرضت المصارف السويسرية لضغوط من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في السنوات الماضية

يطالب المحتجون في لبنان باستعادة الأموال المنهوبة (أ.ف.ب)

"استعادة الأموال المنهوبة"، شعارٌ لم تكلّ حناجر المتظاهرين اللبنانيين عن ترداده في ساحات التظاهر منذ الأيام الأولى لانتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث يطالب اللبنانيون باستعادة أموال يزعمون أنها سرقت من المال العام منذ 1992، والتي تقدر ما بين 70 و100 مليار دولار أميركي. وقد تم تهريبها إلى "الجنات الضريبية" الآمنة حول العالم، وأبرزها سويسرا وبنما وجزر ماكاو والمالديف ونيجيريا وعمان وباكستان وبيرو وساموا وسانت مارتين وترينيداد وتوباغو وفانواتو.

وتقدر شبكة العدالة الضريبية حجم الثروات المالية الخاصة التي لا تخضع لأي ضرائب حول العالم بنحو 32 تريليون دولار.

تبادل البيانات المالية

وفي خطوة لافتة في توقيتها بالنسبة إلى اللبنانيين، صادق البرلمان السويسري على تفعيل اتفاقيات التبادل للبيانات المالية (AEOI)، ما يعني أن سويسرا ستقدّم لهذه البلدان تفاصيل عن الحسابات المصرفية لمواطنيها أو آخرين تحوم حولهم شبهات ويملكون حسابات في المصارف السويسرية.

وسيشمل القرار لبنان و18 بلداً آخر، بحلول عام 2021، ما يمثل خطوة كبيرة في اتجاه إنهاء الفساد وتبييض الأموال، ويعزز النداءات لكشف السرية المصرفية عن "الأموال المنهوبة"، التي يشتبه في أن سياسيين ومتمولين لبنانيين أودعوها في حساباتهم المصرفية بسويسرا، التي تقدر وفق مصادر عدة بحوالى 22 مليار دولار، يملك 80 في المئة منها 137 شخصية لبنانية.

وتشير معلومات إلى أنه في السنوات الخمس الماضية، تعرضت المصارف السويسرية لضغوط كبيرة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، على اعتبار أن إجراءات السرية المصرفية السويسرية باتت تشكل قلقاً أمنياً بالنسبة إلى أوروبا وأميركا، ما دفعها بشكل تدريجي إلى تخفيف حدة هذه الإجراءات. وهذا ما استشعره بعض المودعين اللبنانيين، الذين يخشون فضح حساباتهم فقاموا بنقل مبالغ ضخمة إلى دول أخرى لا خوف فيها من إجراءات تعديل القوانين المصرفية مستقبلاً.

فضيحة "سويس ليكس"

في وقت كانت القوانين السويسرية تصون السرية المصرفية، بما يجعل الكشف عن البيانات المالية للعملاء يخضع لعقوبات جنائية، شهدت سويسرا فضيحة عرفت بـ "سويس ليكس" في 9 فبراير (شباط) 2015، واستندت إلى معلومات سرقها خبير المعلوماتية أرفيه فالشياني عام 2007، عندما كان موظفاً في مصرف "اتش اس بي سي" في جنيف. وتكشف الوثائق المسربة آلية للتهرب الضريبي.

ووفقاً لموقع "سويس ليكس"، تتعلق الوثائق المسربة بأكثر من 100 مليار دولار لـ 106 آلاف عميل (في البنك) من 203 بلدان. بالنسبة إلى لبنان، فقد احتل المرتبة الـ 12 بمبلغ 4.8 مليار دولار. والمبلغ الأقصى المرتبط بعميل على صلة بلبنان هو 236.6 مليون دولار. وهنا يوضح الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة أن هذا الرقم بكل تأكيد أقل بكثير من أرقام المودعين اللبنانيين، بحيث أنها محصورة بمصرف "اتش اس بي سي" وحده، إضافة إلى مرور 12 سنة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى عجاقة أنه من الصعب جداً معرفة الرقم الحقيقي للأموال المنهوبة من دون الاطلاع على حركة تنقّل رؤوس الأموال منذ 1992 وحتى يومنا هذا، مضيفاً أن "الدين العام اللبناني البالغ 86 مليار دولار في العام 2019 هو نقطة انطلاق بالحدّ الأدّنى لحجم الأموال المنهوبة، لا سيما أن الناتج المحلّي الإجمالي المُحقّق منذ عام 1992 وحتى اليوم هو 801 مليار دولار، أضِف إلى هذا الرقم الاقتصاد غير الرسمي والمقدر بـ 305 مليارات دولار".

ويشير إلى أنه "ومع زيادة قيمة الدين العام البالغة 86 مليار دولار، نصل إلى 1192 مليار دولار، وهو حجم المداخيل التي حصّلها لبنان منذ 1992، لكنه رقم لم ينعكس على الاقتصاد، ما يعني أن الفساد موجود وبشكل كبير".

الآلية القانونية

أما عن الآلية القانونية لاستعادة الأموال المنهوبة من البنوك السويسرية، فيوضح النائب في البرلمان اللبناني جورج عقيص أن ليس كل حسابات اللبنانيين في سويسرا مصدرها أموال غير شرعية، إنما على القضاء اللبناني التحرك وفقاً لقانون الإثراء غير المشروع لمعرفة مصدر تلك الأموال.

ويضيف أن موافقة مجلسي النواب والشيوخ السويسريين على منح الدولة اللبنانية حق الاطلاع على بيانات ومعلومات أرصدة اللبنانيين في سويسرا، يفتح الطريق أمام القضاء اللبناني لاسترداد الأموال المنهوبة، مشدداً على دور وزارة المال، كونها تمتلك كل بيانات الإنفاق والمشاريع التي نفذت في لبنان.

ويشير إلى أن "النظام القانوني اللبناني يتضمّن تشريعات بخصوص الإثراء غير المشروع ومكافحة تبييض الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وحول تبادل المعلومات لغايات ضريبية، من شأنها الحدّ من الفساد، إلا أنّ المشكلة تكمن في تطبيقها والقيّمين على تنفيذها، ممّا يحتّم تعديلها". أمّا الأهمّ من ذلك، فإنّ لبنان هو دولة طرف منذ 22 أبريل (نيسان) 2009 في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد UNCAC، التي تضمّ حالياً 186 دولة، وتنصّ على "إرجاع الموجودات والتصرف بها"، وفقاً لآلية تعاون ملزمة للدول الأطراف.

وشدد على ضرورة أن تضع الحكومة اللبنانية خطة واضحة لاستعادة أموال الهدر والفساد خلال هذا العام، كون تطبيق الإجراءات السويسرية يبدأ مع بداية عام 2021، معتبراً أنه من الضروري إنشاء لجنة تحقيق برلمانية تساعد في فتح ملفات الفساد.

المزيد من العالم العربي