Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"صدمة المجتمع الجديد" في كندا تزيد نسبة الطلاق في الأسر ذات الأصول العربية

"بعض النساء تفكر من منظور انتقامي، فبعد أن كان صوتها غير مسموع في بلدها، تجدها تستقوي بالقانون في كندا".

هالة هاشم، كندية - سودانية من مقاطعة ألبرتا (إندبندنت عربية)

تصطدم الأسر المهاجرة إلى كندا ومنها الأسر العربية بعوامل مختلفة قد تؤدي إلى انهيارها، ولذلك مسبباته ودوافعه الناتجة من الصدمة الثقافية واختلاف المجتمع الكندي عن طبيعة المجتمعات العربية، إضافة إلى عوامل اقتصادية واجتماعية وضغوط تواجه الأسرة. فهل تعي الأسرة العربية هذا الأمر قبل أن تقدم على الهجرة إلى كندا؟ وما الذي يدفع نسبة كبيرة من النساء العربيات - الكنديات إلى طلب الطلاق بعد الوصول والاستقرار في كندا؟

مشاكل أسرية متراكمة وصعوبات تدفع إلى الطلاق

يرى الدكتور محمد باعبيد، مدير مركز المسلم للدعم الاجتماعي والاندماج في كندا، أن الطلاق ظاهرة تحدث في كل المجتمعات وأن أبناء المجتمع العربي والمسلم في كندا ليسوا استثناءً. ويقول "من خلال تعاملنا مع بعض الحالات من أبناء الجالية العربية والمسلمة في كندا، نرى أن جزءاً من مسببات الطلاق، عائد إلى وجود مشاكل بين الزوجين من مرحلة ما قبل الهجرة، تفاقمت بعدها. أما السبب الآخر فهو تعرض الأسرة بعد الهجرة لضغوط غير متوقعة، من بينها حاجز اللغة، والبحث عن فرص عمل مناسِبة تتلاءم وطبيعة المؤهَل الدراسي الذي يحمله أحد الزوجين أو كلاهما، إضافة إلى الصدمة الثقافية واختلاف المجتمع، نتيجةً إلى تصاعد حدة الخلافات وتكرارها وعدم إيجاد حل فتتحوّل هذه الخلافات إلى طلاق". ويوضح باعبيد "أن من مسببات الطلاق أيضاً، ارتفاع سقف الأحلام والتوقعات التي تضعها الأسرة في مخيلتها وتطمح إلى تحقيقها في كندا، لكنها تصطدم بالواقع الذي قد يكون محبطاً لها أحياناً، ناهيك عن التغيّر الذي يطرأ على أدوار المرأة والرجل، لأن المجتمع هنا يعطي المرأة حقوقاً موازية لحقوق الرجل ما يشكل صدمة كبيرة لكثير من الرجال، وقد تنعكس أحياناً دافعاً للرجل للنجاح في هذا المجتمع، فيقدم على معادلة شهادته أو الدراسة في كندا لكي يحقق ذاته. في المقابل نساء كثيرات يملكن دافعاً للدراسة أكثر من الرجال لأنهن يردن تعويض ما فاتهن في بلدانهم الأم، بينما يجد الرجل نفسه مضطراً إلى العمل في وظيفة بسيطة لا تتناسب مع مؤهلاته لكي يؤمّن مورداً مادياً. وقد تحصل المرأة على وظيفة أفضل منه ما يؤدي إلى تصاعد الخلافات". ويشير باعبيد إلى أن "بعض النساء تفكر من منظور انتقامي، فبعد أن كان صوتها غير مسموع في بلدها، تجدها تستقوي بالقانون في كندا. وقد يخلق ذلك تصورات لبعض الرجال بأن النساء في كندا تستقوي عليهم بالقانون، ما يخلق خللاً". ويضيف باعبيد "نحن في مركز المسلم حريصين على ديمومة الأسرة واستقرارها، لذا أوجدنا برامج التدخل المبكر أي التعرف على مؤشرات الخطر والعمل على علاجها قبل تصاعدها وتفاقمها، وننصح الأسر من أبناء الجالية في حال وجود خلافات أسرية أن يلجئوا إلى المراكز الأسرية والاجتماعية للحصول على الإرشاد النفسي. كما أن على الرجل أن يفهم أياً كان نوع الضغوط التي يتعرض لها، أنه لا يستطيع أن يترك الغضب يتملكه لأن القوانين هنا حازمة وقد يتعرض إلى عواقب وخيمة".

"فوبيا" من المجتمع الكندي

ترى اعتدال مطير (كندية - فلسطينية) وهي إعلامية ناشطة اجتماعياً أن "لدى بعض الرجال العرب فوبيا من المجتمع الكندي، أيّ يخافون من اختلاط زوجاتهم أو أسرتهم فيه، كي لا تتغيّر الأسس التي اعتادوا عليها. ويلجأ بعضهم إلى التضييق على زوجته وأسرته أكثر مما كانوا عليه في البلاد التي قدموا منها، ويحاول التحكم بهم، ما يزيد نسبة المشاكل بين الزوجين التي قد تصل إلى الطلاق. ولا ننسى أن نؤكد أن قوانين بعض الدول العربية وعاداتها الاجتماعية حرمت المرأة من حقوقها، بينما وضعت كندا قوانين عدة تحمي حق المرأة والمساواة. ولذلك تصطدم الأسرة عندما تصل إلى هذا البلد، نتيجةً للتراكمات والمشاكل السابقة، بواقع جديد مختلف عما اعتادت عليه، ما قد يدفع المرأة إلى طلب الطلاق. لذلك لا بُد للأسرة القادمة إلى كندا أن تتفهم طبيعة المجتمع والقوانين وأن تخطط جيداً لخلق توازن بين المهمات الجديدة لكلا الزوجين، كي يستطيعا الحفاظ على أسرتهما وعدم التفريط بهذا الكيان الحيوي للإنسان".

ضغوط ذكورية على المرأة

من جهة أخرى، تقول لينا خالد (كندية - مصرية) "بعد وصولنا إلى كندا، اكشفت بعد فترة أن زوجي تزوج عليّ في مصر وكان دائم الذهاب إلى مصر. وبعدما عرفت بذلك وبرغبة زوجته الثانية في القدوم للعيش في كندا، ونظراً لأن القانون الكندي يجرّم تعدد الزوجات، طلب مني طلاقاً صورياً، كي يتمكن من جلب زوجته الثانية، وأنا قبلت الوضع لأسباب عدة، منها أنني أعرف أن ذلك حقه الشرعي الذي منحه إياه الإسلام، وأردت ألا أتعجل في قراري إضافة إلى أنني لم أكن معتمِدة على نفسي مادياً، وبقيت على هذا الحال 3 سنوات تقريباً، وأقام ضدي ادعاءات كاذبة وبلّغ الشرطة عني زوراً، كي يحرمني من أطفالي، فما كان مني إلا أن أردت حفظ نفسي وأطفالي تجاه كل ما نسبه إليّ، ولذلك طلبت الطلاق رسمياً كي احتفظ بحقي في رعايتهم". وأضافت "أنا في حال أفضل من قبل بكثير، ولكن في الوقت ذاته أرى أن على النساء العربيات والمسلمات في كندا أن يمنحن أنفسهن فرصة كافية للتفكير في موضوع الطلاق، لأنه ليس سهلاً على امرأة تعيش بعيداً من أهلها وتتحمل مسؤوليات كبيرة".

مرضت ففضّل الزواج بأخرى

أما هالة هاشم (كندية - سودانية) من ألبرتا، فتروي أن زوجها طلّقها هرباً من مسؤوليتها بعد مرضها الذي منعها من الحركة وجعلها محتاجة إلى رعاية طبية مستمرة، لذلك آثر أن يأخذ الأطفال ويعود إلى السودان، ويرسل لها "ورقة الطلاق من هناك ويبدأ حياة جديدة". وتضيف "بعد وصولنا إلى كندا، لم يرق لطليقها طبيعة الحياة هنا، لأنه يجب عليه أن يعود للدراسة بهدف معادلة شهاداته. وأن يشغل وظيفة لا تتناسب ومؤهله العلمي، ما أدى إلى تفاقم المشاكل بيننا إضافة إلى أنه كان قلقاً على الأطفال من البيئة الجديدة والبعد عن أهله، ما ولّد لديه ضغطاً نفسياً كبيراً، زاد مرضي منه، ما دفعه إلى أن يتركني وحيدة في بلد غريب وطلقني وحرمني أولادي ولا أستطيع العودة لأنني أتعالج في كندا".

فقدان الأمان الاجتماعي سبب للطلاق

في السياق ذاته، صرحت الدكتورة ميادة الشريف (كندية - عراقية) المتخصصة في الإرشاد النفسي وتعمل في مجال الإرشاد والعلاج الصحي والنفسي في المؤسسات الصحية في مقاطعة أونتاريو، "ألتقي تقريباً كل يوم بنساء من جنسيات مختلفة، يتعرضن للتعنيف. وأغلب حالات طلب الطلاق، ناتجة من أن الزوجين قدما إلى كندا محملين بمشاكلهم وخلافاتهم، لكن المشاكل قد تتغير بعد الهجرة إلى كندا، لأنه في البلد الأم هناك الأسرة الممتدة لكلا الزوجين وهناك المجتمع الذي يقدم الدعم لهما ويتصدى للمشاكل الأسرية ويؤثر فيها بمحاولة حلها أو منعها من أن تتكرر. كما أن طبيعة الحياة أيضاً مختلفة فمعظم الأزواج مشغولون بالعمل ما يجعل فرص الاحتكاك والتعامل السلبي بينهما أقلّ بكثير مما يحدث بعد الانتقال إلى كندا. مثلاً، بعض الأسر تعتمد على المساعدات الاجتماعية التي تقدمها الدولة الكندية للعاطلين من العمل وبعض الرجال يزداد تسلطاً ويبدأ بالتدخل في كل صغيرة وكبيرة ويحاول التضييق على أسرته وزوجته، بينما يجد أن المجتمع مفتوح بالنسبة إليه ويعمل ما يحلو له من دون أي رقيب. في المقابل، تشعر المرأة بالظلم عندما يقرر الزوج أن يصرف الإعانة المخصصة لها وللأولاد على نفسه أو أصدقائه أو أهله ولا يسمح لها بالمشاركة بالقرار. وتشعر بعض النساء بأنه لا ينبغي للرجل التحكم بموارد الأسرة بخاصة أن هذه المبالغ منحة من الدولة. وتضيف دكتورة ميادة أن تفاقم المشاكل التي تؤدي إلى الطلاق، تتلخّص بفقدان صمام الأمان الاجتماعي، لأنه لو افترضنا أن الرجل بالغ بالتعدّي وأذية زوجته في كندا، في غياب رقيب من أسرته وأهله أو من أسرة الزوجة يدفع عنها الأذى… وضع مماثل سيدفع المرأة إلى طلب الطلاق للتخلص من حالة الظلم والتعنيف التي تتعرض لها، وقد يكون الأولاد أيضاً معرضين لها". وتختم الشريف حديثها بالقول إن "تثقيف المجتمع العربي في كندا أمر مهم جداً وحيوي لفهم تغيّر طبيعة الحياة واختلافها عن البلد الذي قدموا منه، ولا بد من وضع أسس جديدة لبناء الأسرة العربية في كندا والحفاظ على كيانها".