إعادة التأميم جيدة سياسيا وشعبيا... ولكنها باهظة الثمن

شكاوى الناس تبرر لحزب العمال البريطاني الترويج للبند الرابع في دستوره البريطاني الذي يدعو إلى تأميم وسائل الإنتاج والتوزيع

تأميم عدد من مرافق الدولة بند أساسي في الحملة الانتخابية لحزب العمال البريطاني (اندنبندنت)

 تشير استطلاعات الرأي الحالية إلى أن الفرصة تكاد تكون معدومة لتشكيل حكومة عمالية ذات تفويض، أو تفويض كافٍ، لتنفيذ برنامج التأميم الذي خططت له، في قطاعات السكك الحديدية والمياه والبريد الملكي وشركات توريد الغاز والكهرباء وخدمة الكابلات المفتوحة التابعة لمجموعة الاتصالات البريطانية (بي. تي). ويستبعد المساهمون في هذه القطاعات كثيراً احتمال تنفيذ أي حكومة عمالية لسياساتها، إلى درجة أن إعلان الحزب المتعلق بـ " بي تي" رفع سعر أسهمها بنسبة 1% فقط.

لكن لا تزال هناك مسألة مهمة، وهي أن أفراد الشعب البريطاني، بمن فيهم حتى أولئك الذين لا يخططون للتصويت لحزب العمال، لا يزالون يشاطرونه على ما يبدو نظرته السلبية بشأن جزء كبير من الشركات البريطانية، ولا سيما تلك التي تُسيِّر مرافقنا العامة. أظهر استطلاع حديث أن 56% يؤيدون إعادة تأميم السكك الحديدية، فيما يعارضها 22%. ويدعم إعادة تأميم المياه 50% من البريطانيين، مقابل معارضة الربع. أما إعادة تأميم شركات الطاقة فيباركها 45% من الناس، ويعارضها 29% منهم فقط.

غالباً ما يكون لشكاوى الناس من سلوك شركات المرافق العامة ما يبررها. فهذه الشركات تستغل وضعها شبه الاحتكاري في ظل عجز تعاني منه كما يبدو الجهات التنظيمية التي من المفترض أن تتحقق من تجاوزاتها. وعلى سبيل المثال، تصرف هذه الشركات لمديريها التنفيذيين مكافآت صارخة لا علاقة لها بالأداء. يضاف إلى ذلك التهرب الضريبي، من خلال التلاعب المالي واستخدام الملاذات الضريبية في الخارج، وكذا الاستخفاف بالعملاء وعدم الرد على خطوط المساعدة الهاتفية، وتحميل العملاء تكاليف إضافية عن طريق الاحتيال، ناهيك عن تأخر القطارات إذا وصلت أصلا.

صحيح أن هناك مبالغة في هذه الشكاوى، لكنها وتنطوي على قدر كافٍ من الحقيقة لزيادة التأييد بين ملايين الناخبين غير الاشتراكيين على البند الرابع في دستور حزب العمال البريطاني الذي يدعو إلى تأميم وسائل الإنتاج والتوزيع.

ومع ذلك، أظن أن مركز ثقل الرأي العام هو أقرب إلى غرائزي وتجربتي الخاصة، إذ إنني وإلى حد كبير غير أيديولوجي، لكنني أرغب في أداء عمل ناجح. فخلال وجودي في الحكومة، كنت مسؤولاً عن إنشاء مصرفين مملوكين للدولة، هما مصرف الأعمال البريطاني ومصرف الاستثمار الأخضر. لكنني أيضاً دعمت إنشاء "بنوك منافسة" جديدة في القطاع الخاص لإضعاف قبضة الأربعة الكبار.

أشرفت أيضاً على عملية خصخصة واحدة مثيرة للجدل، وهي تلك المتعلقة بالبريد الملكي، مع الحفاظ على مكتب بريد مؤمّم، يدعم شبكة من الفروع ذات القيمة الاجتماعية على مستوى البلاد. وقد اتُهمَتْ الحكومة الائتلافية التي خدمت فيها كوزير، ببيع ما تبقى من "ثروة العائلة،" لكننا كنا مسؤولين أيضاً عن عملية تأميم ضخمة وعرضية، إذ أُعاد الإحصائي الحكومي بين ليلة وضحاها تصنيف شبكة السكك الحديدية كاملة ووضعها ضمن القطاع العام. وتشير حقيقة سوء خدمات السكك الحديدة أكثر من أي وقت مضى إلى محدودية قدرة التأميم على تحسين جودة الخدمة.

إن الشخص غير الأيديولوجي سينطلق في دعمه للتأميم من الفكرة المعقولة تماماً بأن في هذا الإجراء مصلحة عامة أوسع من مصلحة المالك الخاص. ويُعدّ الغرض الأساسي من الهيئات التنظيمية لقطاع الخدمات العامة هو تحقيق تلك المصلحة الواسعة على المدى البعيد. لكن المزاج العام متقلب، على النقيض من ذلك. إن الفكرة الرائجة بتحديد سقف أسعار الطاقة تتعارض مع هدف الاستثمار على المدى الطويل الرامي إلى ضمان إمداد مأمون، كما تتناقض حتى مع هدف تحقيق الطاقة المستدامة بيئيا على المدى الأطول. وبخصوص المياه، قد يأتي انخفاض أسعارها على حساب الاستثمار في الخَزَّانات ووقف تدفقات مياه المجاري إلى الأنهار.

من ناحية أخرى، تشوب المصالح الخاصة وجهات النظر المدافعة عن المصلحة العامة. إن الحماسة للتأميم من قبل نقابات السكك الحديدية ونقابة عمال الاتصالات تتصل بوجهات نظر هذه النقابات ورغبات أعضائها أكثر مما ترتبط بالمستهلكين.  فنقابة الاتصالات تريد إيقاف المنافسة التي تؤدي إلى انخفاض رسوم التوصيل، ومستخدمو القطارات على دراية تامة بالإضرابات التخريبية حول الأجور وظروف العمل.

تجري الدعوة أيضا للتأميم على أساس أن من الممكن استثمار الأرباح الناجمة عن التأميم بدلاً من تحويلها إلى المساهمين. لكن التجربة الطويلة للتأميم في المملكة المتحدة تُعلمنا أن الاستثمار هو الذي يعاني من الناحية العملية. سيتعين على وزارة المالية الموافقة على استثمار جديد ضد المطالبات المتنافسة على الاقتراض الحكومي، وكانت تاريخياً متحفظةَ في حماية الميزانية العمومية للحكومة من مخاطر فقدان ثقة المستثمرين. وسيختار رؤساؤها السياسيون الاستثمار في المستشفيات والمدارس الجديدة على الاستثمار في أجهزة إشارات القطارات وحقول تنقية مياه الصرف الصحي.

عندما كانت الحكومة الائتلافية تعمل على خصخصة "البريد الملكي،" كان شاغلنا الرئيسي هو أن الحكومات المتعاقبة قد حرمت الشركة المملوكة للدولة من رأس المال، ما أحبط حاجتها للانتقال من العمل التجاري المرتبط بالرسائل والذي بات يحتضر إلى العمل المتنامي المرتبط بالطرود. في الوقت الحالي، تحجم الحكومة كثيراً وبشكل غير طبيعي عن الاقتراض بأسعار فائدة منخفضة. لكن حفلة الاقتراض الرخيص ستنتهي سريعا مع إنشاء جيل جديد من الصناعات المؤممة، التي ستتنافس على رأس المال مع الاستثمارات العامة اللازمة الأخرى.

من المؤسف جدا أن الأسئلة الجادة حول المِلكية والتحكم في إطار الاقتصاد الرأسمالي الحديث تلقى الإجابة من خلال حلول منهكة تعود إلى أربعينيات القرن الماضي. وهناك أكثر من نفحة حنين إلى أفلام الأطفال العتيقة بشخصياتها الرائجة مثل "المُراقب السمين" وهو يصدر تعليماته إلى "توماس محرك القطار"، إلى "ساعي البريد بات" وهو يوصل الرسائل إلى بيت الكاهن في نهاية خط السكة في البلد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الوقت الراهن تحجب الشعارات السهلة الخاصة بالدعاية الانتخابية الضوء عن بعض نماذج المرافق الأكثر إثارة للاهتمام مثل شركة مياه ويلز ذات الملكية المتبادلة، والتي تشتغل تجارياً لكن من دون مساهمين. تُمول أصولها ويُستثمر رأس مالها عن طريق السندات والفائض المالي المحتفظ به، والغرض منها كلها حماية عملائها من ارتفاع غير متوقع للأسعار. وهناك أيضاً الكثير من الأفكار الإبداعية لتوسيع نطاق ملكية الشركة، بالإضافة إلى نقاش مستفيض حول إصلاح إدارتها وتعزيز تأثير أصحاب المصلحة من غير المساهمين. إن دور الدولة لا يتمثل في خيار واحد من اثنين؛ إذ في بعض الأحيان، يمكن أن تكون الدولة جزءاً من هيئات مملوكة للقطاع العام، تعمل جنباً إلى جنب مع المؤسسات الخاصة، وتحفز الابتكار وتغرس بذور التفكير بعيد المدى، في حين أن القطاع الخاص وحده لن يستطيع تحقيق أي منهما.

في غضون ذلك، فإن المؤسسات المسيطرة على الاقتصاد هي شركات البيانات المملوكة من الخارج. لكن ليس لدى حزب العمال ما يقوله عن هذا الاقتصاد الجديد سوى فرض المزيد من الضرائب عليه لتمويل خدمة الانترنت السريعة المجانية. ولا يوضح بيان الحزب كيف ستتلقى غوغل وأمازون، وهما شركتان عالميتان، تعليماتهما بشكل صريح من مكتب سياسي اشتراكي بلندن.

يجب على أي شخص يفوز في الانتخابات أن يقبل أن أمل الجمهور سيخيب إزاء المرافق العامة، وحيال الهيئات التنظيمية التي استولت عليها الشركات على ما يبدو. نحن بحاجة إلى مقترحات ملموسة لتشدّيد القواعد التنظيمية، حتى تُكافئ الأداء الجيد بشكل أفضل من جهة، وتتخذ اجراءات صارمة ضد الانتهاكات المتعلقة بالاحتكار من جهة أخرى.

ولكن في إجراء هذه الإصلاحات، يجب على الحكومة أن تتطلع إلى الأمام، وتوفر المزيد من الخيارات والمحاسبة للمستهلكين وترسيخ الرأسمالية الحديثة، من خلال إعطاء الأولوية للاستثمار بعيد الأمد على حساب جني الأرباح على المدى القصير. إن مجرد إعادة خلق الصناعات القديمة المؤممة قد يكون عملا سياسياً جيداً، لكنه تصرف اقتصادي سيء، سيكلف الكثير ويحقق القليل جداً.

كان السير فينس كيبل زعيما لحزب الديمقراطيين الأحرار بين عامي 2017 و2019 وهو وزير سابق للأعمال والابتكار والمهارات.

© The Independent

المزيد من آراء