خراب تدمر... استعادة بصرية للحروب السورية

فصيح كيسو العائد من استراليا يبحث عن آثار العنف

اختلاط الممثلين والجمهور في العرض (اندبندنت عربية)

ليست المرة الأولى التي يعود فيها الفنان فصيح كيسو (الحسكة 1964) من أستراليا إلى بلاده بعرض مسرحي، فالمخرج والفنان البصري الذي قدّم عروضه في أميركا وأوروبا والعالم العربي، اعتاد منذ تجربته الأولى "عُري" (1992) في المركز الثقافي الفرنسي بدمشق العمل على موضوعات جريئة فنياً واجتماعياً، منتقداً الصيغ التقليدية في تصنيع الـ "performance" وذاهباً إلى كسر احتكار الفن التشكيلي في تناول العالم كصورة. فأستاذ الفنون البصرية في جامعة سدني اكتسب مراناً غير عادي في المزاوجة بين فنون الشرق والغرب، وذلك بالدمج بين عالم الإشارات والرموز وبين عالم الصورة والأيقونة، مستفيداً من ثقافة واطلاع واسعين على حضارتين مختلفتين في وسائل التعبير، حيث المشترك الإنساني هو العنوان العريض لتجربة هذا الفنان الإشكالي.

هذا على الأقل ما حققه كيسو في عرضه الجديد على مسرح دار الأوبرا السورية، والذي جاء بعنوان "تدمر... الصراع العنيف" وكان الفنان السوري قام في مارس (آذار) من عام 2016 بزيارة ميدانية للمدينة الأثرية ومتحفها الشهير بعد استرجاعها من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وذلك بغية التوثيق لهذه المرحلة الزمنية من حياة "عروس البادية السورية"، من دون تدخل أو تعديل لا في الصورة الموثّقة ولا في الصوت، ليأتي هذا العمل نتيجة لهذه الزيارة وتسجيله عبر كاميرا فيديو للخراب والتدمير الذي طاولا المعالم والتماثيل والقلاع التدمرية. عمل شاق ومضن خاضه كيسو بعد الزيارة الثانية للمدينة واسترجاعها ثانية من "داعش". وقد سعى إلى ذلك عبر كاميرا محمولة باليد، وهو يصوّر ماشياً أو راكضاً بغية إبعاد الهدف التسجيلي والإخباري، وبهدف عكس حالة الهلع واللا متوقع التي شهدته المدينة من أعمال بربرية، لتصبح الكاميرا في يدي كيسو بمثابة العين البشرية التي تنتقل بحريّة بين الدمار والأنقاض، ساعية إلى التركيز على تفاصيل معينة منه، مستخدمة أسلوباً لبث الصوت وتضخيمه، ولتعطي الكاميرا إحساساً بالاهتزاز للمتفرج، والتي توافقت في العرض مع حركة الكاميرا المحمولة باليد، والمهتزة أثناء التصوير. وما ساعد في ذلك هو توزيع كيسو للشاشات الأربع في كواليس دار الأوبرا، ما فاقم في تنويع الانطباعات، وتعدد قراءات المتلقي الذي وجد حرية في التجوال بين هذه الشاشات. فالمُشاهد هنا لم يعد ملزماً بمسافة معينة، ولا بقربه أو ابتعاده عنها.

مناخات بصرية

استطاع مخرج "تدمر... الصراع العنيف" توليف مناخات عدة في العرض، فإلى جانب المادة البصرية التي قام بتحقيقها بنفسه، شيّد فضاءات نادرة للفرجة عبر سقف من التوتياء المثقوب بالرصاص، والذي قام هو شخصياً بتجميع قطعها من سوق حمص القديمة، لتكون عنصراً أساسياً من العرض المتعدد في عمارته وبناء علاقاته الجديدة مع المتفرج، بحيث شغل العرض كواليس - وخشبة -  دار الأوبرا الرئيسية، ليصبح التعامل مع الفراغ غير متوقع، وكأنه مركز لفنون العروض المعاصرة، ولتشكل الخشبة المكان الذي سيقدّم عليه الأداء الحيّ، وليستخدم المكان هنا كشاشة للإسقاط، وقد صُممت لتكون منطقة منخفضة عن الكواليس أو الـ"bac steg" بطريقة جعلت المتفرجين يتوزعون حول هذه الحفرة الأقرب إلى علبة، ليراقبوا الأداء من ارتفاع وصل قرابة المترين. فالجمهور في عروض كيسو لا مكان لديه للجلوس كما هو حال العروض الاعتيادية، فطبيعة التجربة لم تفرض عليه الزمن الواجب قضاؤه لحضور العرض، إذ كان للمتفرجين الحرية المطلقة في الدخول، والتنقل في المكان وبين الأعمال المركّبة، والتي كانت مهيأة من صفائح التوتياء المثقّبة بطلقات الحرب، وقد أنارتها إضاءة شمسية ساطعة نفذت عبر ثقوب السقف، بينما دخل الجمهور إلى الصالة عبر خيمة مصنوعة من أغطية بلاستيكية (بطانيات) كتلك التي توزعها مكاتب اللاجئين على السوريين في المخيمات الخارجية والداخلية.

بذلك عكس العرض مجموعة من الأعمال الفنية المعاصرة، والتي استوحت موادها من تأثيرات الحرب، وانعكاساتها على الإنسان السوري، متطرقة إلى التغييرات الطارئة على البنية المعمارية للبلاد كنتيجة للعنف. يطرح "تدمر... الصراع العنيف" أسئلة عن جدوى تخريب التراث الإنساني المتمثل في الآثار والفنون القديمة والذاكرة الشعبية، وتخريب الإنسان من الداخل، وذلك عبر تقنيات وأساليب عرض عديدة كلها صبت في فنون مسرحية وتشكيلية معاصرة، من مثل تجهيزات الفيديو والإضاءة والمسرح الجسدي، والتمثيل، وكل ما يمت بصلة لتيار الفنون التشكيلية الغالبة في سورية والعالم.

"الفصول الاربعة"

من هنا حضر الجسد في العرض عبر أداء حيِّ لمجموعة من راقصي قسم الرقص في المعهد العالي للفنون المسرحية، وعلى أنغام "الفصول الأربعة" لفيفالدي، وارتدى الراقصون والراقصات أزياء مصنّعة من البطانيات التي توزعها unisef على اللاجئين السوريين، لتأتي المادة المستخدمة هنا لتعبّر عن الاستعمالات المتعددة لهذه الأغطية البلاستيكية، والتي أرادها مخرج العرض لتعكس سخرية وتراجيديا الواقع الذي يعيشه السوريون داخل البلاد وخارجها.

أتى ذلك بمرافقة عرض رسوم متحركة بالأسود والأبيض من تصميم الفنان كيسو أيضاً، فطرح هنا الجسد السوري كمادة مهشّمة؛ يُعاد صياغتها وفقاً للتحولات النفسية والبيولوجية التي طرأت عليها في الحرب، لينتهي العرض بقصيدة لوديع سعادة، سجلها الشاعر اللبناني بصوته خصيصاً لهذه التجربة، وذلك بمرافقة عرض أداءٍ حُرّ لمجموعة من الممثلين. وحاول عبرها  فصيح كيسو التوليف مراراً بين ما يعرض على الشاشات والخشبة، موظّفاً قدرات عالية من التشكيل الجسدي والبصري، مرسلاً إشارات متنوعة عن سريالية الحدث السوري.

العرض الذي أنتجته "دار الأوبرا السورية" بالتعاون مع "جامعة القلمون الخاصة" كان استثنائياً من جهة الفهم المختلف لوظائف الفضاء المسرحي، والقدرة العالية على تنمية الفراغ وتطويره بالابتعاد عن شكل العلبة الإيطالية. و كتب الفنان طلال معلّا عن هذه التجربة كلمة في البروشور مقدّماً لها: "إن التعرّض للحقيقة أو تشوهاتها لم يعد يعتمد على العين الأحادية التي توجّه البصر عبر الكاميرا، كما حدث مع انطلاقة السينما وترسيخ أدائها المجتمعي في إبراز الحقائق. على الرغم من أن الكاميرا (باعتبارها وسيلة) قد قدّمت نفسها في إطار المرئيات الثقافية التي تتبادل مواقع الوعي مع الأدب والموسيقى والتقنيات المختلفة، ومستويات السرد الروائي والوثائقي كافة. فقد برزت اليوم إمكانية رؤية الموضوع ذاته من أكثر من موقع، إضافة لإمكانية رؤيته عبر الشاشة المقطّعة، أو عبر مجموعة الشاشات التي تمثّل عيوناً حقيقة ترصد التفكير بالحقيقة، أكثر مما ترصد الحقيقة لذاتها".

كلام الناقد والفنان السوري جاء في سياق تجربة مستمرة للفنان فصيح كيسو منذ تسعينيات القرن الفائت، حاز عبرها العديد من الجوائز والمنح العالمية، وقدّم عشرات العروض والمعارض حول العالم، محاولاً المجانسة بين فنون الزمان والمكان. وذلك عبر فهم جديد للواقع، وقراءة متأنية للتأصيل في إطار فنون الحداثة وما بعدها، ومن دون الخلط العشوائي بين عناصر مسرحية وبصرية وحركية، بل بالتعويل دائماً على مثاقفة رفيعة، تعتمد الإنسان بنية جوهرية في الطرح الفني، من دون إلغائه أو تهميشه، ومن دون التنكر للعناصر التراثية. بل هي تعتمد البحث الجدّي والقلق عن معنى استمرارها وتجديد التفكير بها في المستقبل، ومن غير نزعة التعالي عليها، أو التهكم منها. وقد تم وضعها في سياقات متجددة ودائمة، تسعى إلى تبريرها في قالب فني معاصر، ومنفتح على كل وسائل التعبير المنفلتة من الرقابات القبلية والسياسية والدينية، وكل ما له علاقة بإحالة الجسد إلى الحرام والعيب!

 

المزيد من ثقافة