بريكست أبصر النور قبل 3 عقود ولن ينجز في أشهر

شكّل سقوط جدار برلين بداية شجاعة جديدة لأوروبا وفي الآن نفسه بداية العد العكسي لبريكست

زوار يمشون الى جانب جزء من جدار برلين السابق إحياء لذكرى 30 عاماً على سقوطه (غيتي)

عندما يعكف المؤرخون على دراسة ملحمة بريكست لن تنحصر معاناتهم بتحديد تاريخ نهايته- وهو ما يدعوه بوريس جونسون بـ"تنفيذ بريكست"- بل سوف تمتدّ لتشمل تحديد تاريخ بدايته. لأنّ بريكست ليس وليد ساعات الصباح الأولى يوم 24 يونيو (حزيران) 2016، حين استيقظنا لنكتشف بذهول نتيجة استطلاع الرأي. بل بدأ قبل ذلك بكثير، بتاريخ 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، أي يوم سقوط الستار الحديدي. ويبلغ عمر بريكست بالتالي 30 عاماً.

كان جدار برلين مريحاً. طوال 30 عاماً، أصبحنا متعلقين به فكرياً وسياسياً. ولا ينطبق ذلك فقط على من تمتّعوا بحظوة تواجدهم على الجانب "الجيد" من الجدار. عندما تحدّث الرئيس جون ف. كينيدي عن الجدار لدى تشييده في العام 1960 قال "ليس الجدار حلّاً لطيفاً ولكنه أفضل بكثير من الحرب".

بفضل الجدار، برز نوعٌ من النظام. فقد قسم الجدار العالم إلى نصفين محدّدين. وسلّط الضوء على عدّو محدّد. وقدّم لنا فرصة رحّبنا بها للتذمّر بشأن النصف المقتطع من أوروبا. ووضعنا في موقع الذي ينتظر حلول الديمقراطية العالمية على غرار من يترقّبون قدوم المسيح المنتظر.

وسمح لنا أن نحلم بتوحيد الغرب والشرق وطي الحرب الباردة، وبلوغ تلك الجنة المشتركة حيث تسود الديمقراطية الليبرالية في آخر الدول المستبدة الكبيرة.

وفي يوم من الأيام، توقفنا عن الحلم، فقد سقط الجدار.

لكن الغبطة لم تدم طويلاً. وبين 1961 و1989، قضينا نحو 30 عاماً في انتظار سقوط الجدار. وبين 1989 و2019، قضينا ثلاثة عقود أخرى في تيهٍ حول طريقة التعامل مع سقوطه.

فمع غياب الجدار، تعقّد العالم فجأة. وكثُر الأعداء وتحوّلت الثنائية القطبية إلى أقطاب متعددة. وظهرت قوى عظيمة جديدة في جميع أنحاء العالم. وواجهنا ضرورة التعامل مع حركات التوحيد: الألمانية، بدايةً، فيما ضُمت ألمانيا الشرقية إلى الشطر الغربي من البلاد من أجل تأسيس بلد جديد قوّض بحجمه التوازن الأوروبي. ولم تكن المسألة مطمئنة. وجاء بعدها التوحيد الأوروبي الأوسع: مع توسيع الإتحاد الأوروبي شرقاً- وهو ضرورة أخلاقية بقدر ما هو مصدر للضيق وسوء الفهم. ضُللنا كي نؤمن بأنّ الدول الشرقية ترغب بتطبيق الديمقراطية الليبرالية بينما جلّ ما أرادته في الحقيقة هو تحرير أوطانها من قمع الإتحاد السوفياتي. ضُللنا فاستخفّينا بخسارة جزء من أوروبا لبعضٍ قيمه وهويته المشتركة.

ومن موقعنا كمستهلكين، ربحنا توسيع الأسواق وانخفاض الأسعار، وبصفتنا عمّالاً، حصلنا على رواتب أقل ووظائف أقل هنا وهناك. وبدت أوروبا الأكبر حجماً مرعبة. مرعبة بالنسبة لأحزاب اليمين لأنها محت الحدود. ومرعبة لليسار لأنها كسرت الرواتب ولم تعد مرتبطة بالنمو الاقتصادي.

وعندما حطّمنا الجدار، بنينا جدراناً جديدة - ربّما مخفية، ولكن حقيقية للغاية- بين الشرق والغرب والشمال والجنوب. وداخل الدول الأوروبية، بين من يسمّيهم مؤلف الطريق إلى مكانٍ ما ديفيد غودهارت "سكّان أي مكان" (وهم مواطنون مثقفون عالميون متنقلون يستطيعون التأقلم مع التغييرات العالمية) و"سكّان المكان المحدد" (المتشبثين بأرضهم المحلية، أو ضحايا العولمة الذين لا حول لهم ولا قوّة).

وغلب شعور بعدم الرضى والمرارة على الحماسة الأصلية تجاه الديمقراطية. وتصدّعت المجتمعات. وأخيراً وليس آخراً، ظهر شيء ما في العام 1989، شيء ضئيل جداً فلم يفهم أي أحد وقتها ضخامة ما ينطوي عليه.

وكان من شأنه تحسين الوصول إلى المعرفة وفي الوقت ذاته، تقويض آلية عمل الديمقراطية. وأطلق عليه حينها اسماً من ثلاثة أحرف غامضة كأنها رمز سرّي "www" [أو بالعربية "ش.ع.ع" أي الشبكة العنكبوتية العالمية]. الإنترنت. أو التمهيد لوسائل التواصل الإجتماعي. وبداية زمن اختفاء التمييز بين الحقيقة والزيف، وتدهور الثقة بالسياسيين والإعلام والنخب. في العام 1989، بدأ العد العكسي لبريكست.

 وصوّت البريطانيون لصالح الانسحاب من مجتمع أوروبي ألحوا في العام 1973 الطلب من أجل الإنضمام إليه، وهو مجتمع مُنحوا عدة فرص للخروج منه، كما أنهّ مجتمع صمموه وفصّلوه بأنفسهم ليصبح سوقاً مفتوحاً- هو الأكبر في العالم. من هي الجهة التي رغبت أكثر من الجميع في بناء ذاك السوق الموحد الذي يضمّ 500 مليون مستهلك؟ البريطانيون. ومن هي الجهة التي دفعت أكثر من الجميع باتّجاه توسيع الإتحاد الأوروبي بدل أن يقتصر على وحدة سياسية أصغر مثلما أراد له الباقون؟ البريطانيون. ومن هي الجهة التي جاء تعاطيها مع هذا السوق الموسّع على شكل تصويت بالإنسحاب منه؟ البريطانيون.

ويشير بريكست إلى غضب ومخاوف مشروعة لكنه رد خاطئ على التغيير. فالإتحاد الأوروبي هو المنطقة الأكثر مراعاة للمساواة في العالم والتي تطبّق أفضل نظام الرعاية الاجتماعية، كما أنّها الجهة التي قدّمت أكبر مساهمة في العالم لحماية البيئة. ربّما لم يستطع الإتحاد الأوروبي أن يحمينا بما فيه الكفاية في الماضي من الخلافات الإجتماعية التي سببتها الثورة التكنولوجية في أوائل تسعينيات القرن الماضي، والإنهيار المالي في العام 2008 أو أزمة الهجرة في العام 2015 لكنّه وفر لنا الحماية- وسيواصل حماية الدول الـ27 التي ستبقى مجتمعة في ذاك النادي. ومن الملفت أنكم لن تجدوا اليوم أي زعيم أوروبي وطني، ولا اغلبية في أية دولة أوروبية أخرى، تقول إنها تريد الإنسحاب من الإتحاد الأوروبي.

إن الشعبويين فنانون يبسّطون المشاكل المعقّدة ويدفعون الناس إلى الحلم باستخدامهم كلمات مثل "الانسحاب" و"الخروج" و"استعادة السيطرة. من يقوَ على عدم تصديقهم؟ لكن العشب ليس دائماً أكثر اخضراراً على الجانب المقابل من السياج. والشعبوية القومية هي الصداع الذي يلمّ بك بعد ليلة من الثمالة. وبعد مرور ثلاثة عقود على سقوط جدار برلين، ليس بريكست سوى صداعٌ أقرب إلى آثار السكر السيئة.

© The Independent

المزيد من آراء