Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الراديو في يوم عالمي للحوار والسلام وانتشاره يعزّزه "خصمه" الرقمي

أنقذته الأرياف والسيارة وبدل أن تصرعه وسائط الإعلام الجديد، زاد انتشاره بفضل "خصميه": التلفزيون والخليوي

صوت يصل الى المهمشين ومن انهار نظام حياتهم اليومي (موقع "يونيسكو")

الأرجح أن تطول قائمة التناقضات والتشابكات التي أدّت إلى استمرار الراديو في موقع الصدارة في وسائط الاتصال عالميّاً، إذ يستمع إليه قرابة 70 في المئة من سكان الكرّة الأرضيّة... حتى الآن. ربما تتغيّر تلك الصورة في لحظة ما مستقبلاً، أما حاضراً فإن أرقام الأمم المتحدة تشير إلى أن ما يزيد على 5 مليارات شخص يستمعون إلى الوسيط المسموع الذي ابتكره الإيطالي غويغليلمو ماركوني في العام 1896.

كيف يمكن تفسير الصمود الأسطوري للراديو في وقت تنوء وسائط الإعلام والاتصال كافة، بعبء المنافسة مع المعلوماتيّة والاتصالات المتطوّرة بأجهزتها وشبكاتها وأدواتها التي تكتسح الحياة اليوميّة للبشر في غالب مناحيها ومساحاتها؟

في اليوم العالمي للراديو الذي كرّسته "اليونسكو" منذ العام 2011 (ثم الأمم المتحدة في العام التالي) ليكون في 13 فبراير (شباط) سنويّاً، بدا الوسيط المسموع كعملاق يعرف حجمه تماماً، على الرغم من كل الضجيج حول موته. وجرى اختيار ذلك اليوم احتفاءً بتاريخ بدء إذاعة الأمم المتحدة بالبث في العام 1946. وفي كلمته هذه السنة لمناسبة ذلك اليوم، لم يتردّد السيّد أنطونيو غوتيرش، الأمين العام للأمم المتحدة، في الإشارة إلى أنه "في عالم اليوم الرقمي، يصل الراديو إلى أعداد من البشر بأكثر مما يفعله أيٌّ من الوسائط الإعلاميّة كلها... إذ إنه ينقل معلومات حسّاسة للناس، ويرفع الوعي العام حول قضايا مهمة".

لنتذكر السيارة و"الانقلاب"

وفي سياق الاحتفاء هذه السنة باليوم العالمي للراديو، أشارت الآنسة أودري آزولاي، المديرة العامة لـ "منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة" ("يونيسكو") إلى الملمح ذاته، وعزت استمرار الراديو إلى عوامل تشمل دوره في مناطق انهار فيها نظام الحياة الطبيعيّة كمناطق النزاع، في دول ما تحت حزام الصحراء الكبرى الأفريقية والساحل الغربي لتلك القارة، إضافة إلى وجود أجهزة راديو في 75 في المئة من المنازل في العالم الثالث، ما يشير إلى قدرته على الاستمرار وسيطاً في الاتصال بين المجتمعات والشعوب. وكذلك ذكّرت آزولاي بتمرّس الراديو في توصيل معلومات مهمة (وكذلك رفع الوعي العام) إلى من لا زالوا يعانون الأمية الألفبائيّة (وكذلك أمية الكومبيوتر)، وأعدادهم تقدّر بعشرات الملايين عالمياً.

ولعل كلمات آزولاي تتصل تماماً مع الشعار الذي اختارته "يونيسكو" ليرافق "اليوم العالمي للراديو"، وهو "الحوار، التسامح والسلام".

في المقابل، هل تكفي العوامل الآنفة الذكر في تفسير صمود الراديو أمام اكتساح الوسيط الرقمي عوالم الإعلام والاتصالات؟ يرد إلى الذهن سريعاً أن السيارة أنقذت الراديو تاريخياً من الاندثار المحتمل الذي حمله الوسيط المرئي- المسموع. مع انتشار السيارة عالميّاً، يجدر تذكر أن لا سيارة يغيب عنها الراديو. يجدر تذكّر أن مليار بشري يستخدمون السيارة والمركبات الخفيفة في التنقل يومياً، وفق مجلة "فوربس" التي تذكر أيضاً أن قرابة 90 مليون سيارة تباع سنويّاً في العالم. يرافق الراديو تلك الأرقام كلّها، ما يعني أن الراديو المتحرك على المواصلات يشكّل سيلاً لا يكف عن التدفق.

استطراداً، ربما لم يصمد الراديو كثيراً في صورته التقليدية التي تضعه في صدارة المنزل، تتحلق حوله العائلة لتستمع إليه مصدراً موثوقاً للقريبة والبعيدة، ويسيطر على أدمغة الملايين فلا تجد السلطات مناصاً من مخاطبتهم عبره، بل إن القفز إلى السلطة بالانقلاب رُبِط تقليدياً بـ "البيان الأول" عبر الراديو. استدراكاً، لا زال ذلك الأمر الأخير يحصل حتى الآن، ودار صراع على الراديو قبل أسابيع قليلة في غير دولة أفريقية (كونغو، أفريقيا الوسطى، تشاد...) في سياق الصراع على السلطة فيها! 

 

في تحدي عصر الكومبيوتر والإنترنت

قبل الدخول في تفاصيل النقاش عن علاقة الراديو بالوسيط الرقمي، يجدر التذكير بأرقام ترد في موقع "راديو إنك. كوم" المختص بإحصاءات الراديو، تفيد بوجود قرابة 44 ألف محطة إذاعة عالميّاً، وانتشار عادة الاستماع إلى الراديو في الأجيال المعاصرة. إذ يستمع 93 في المئة من مواليد مستهل الألفية الثالثة (أي من ولدوا بين عامي 1980 و1996) إلى الراديو أسبوعياً، مع نسبة مماثلة في "الجيل إكس" (= من وُلِدوا بين عامي 1965 و1979). وحاضراً، يثبّت قرابة 60 في المئة من الشباب تطبيقين رقميّين على الأقل للحصول على البث التدفقي للراديو.

والأرجح يرد إلى الذهن سريعاً، أنّ تلك الأرقام تؤشّر إلى عامل مهم في انتشار الراديو في المجتمعات المعاصرة والأجيال الشابة، هو الهواتف الخليويّة. لا يخلو هاتف محمول من تطبيق رقمي يلتقط بثّ الراديو عبر موجات الـ "أف أم"، مع تذكير لطيف بأن الخليويات لا زالت تعمل حتى الآن بموجات الراديو أيضاً! إذا كان الخليوي يُحمل بأيدي قرابة 5 مليارات بشري، وفق تقديرات "الاتحاد الدولي للاتصالات"، فلعله من غير المجازفة القول بأنّ ذلك الانتشار يعمل على تعزيز الراديو. إذاً، بدل أن يخرّ الراديو صريع الرقمي، يحدث العكس ويعمل الرقمي في الاتصالات الهاتفية على نشر ذلك الوسيط المسموع بطريقة مثيرة تماماً.

أكثر من ذلك، هناك تشابك بين الأداة التقنية والمحتوى الإعلامي، يظهر في الراديو، والأرجح أنّه مفيد بالنسبة إلى وسائط الإعلام العام. إذ يصل الراديو إلى الخليوي عبر موجات الـ "اف أم" FM بصورة شبه حصريّة، فيما يتمكّن راديو السيارة والمركبات الخفيفة (وكذلك مراكب الصيد وسفنه) من التقاط الموجات التقليدية التي تبث بتقنية "إيه أم" AM. وبقول مختصر، تعمل الـ"ف أم" على مستوى محلي تماماً، فيما تعبر موجات الـ"إيه أم" مسافات طويلة فتعبر الدول والقارات. وتميل الإذاعات المحليّة إلى اعتماد الـ"أف أم"، ما دفع بعضهم إلى استنتاج إن المحتوى المحلي هو الذي مكّن الراديو من الاستمرار. وبقدر ما يصح ذلك الاستنتاج، لكن هناك إذاعات عالميّة ما زالت مسموعة عبر البث التقليدي، خصوصاً في العالم العربي، مثل "بي بي سي" و"مونت كارلو". وفي تجربة الإذاعة الأخيرة، جرى اعتماد موجات "أف أم" (المتصلة بالخليوي وغيره)، لكنها تبث المحتوى العالمي، بل تعتمد على المستوى المتقدم لذلك المحتوى في انتشارها، خصوصاً موثوقيتها في عالم "الأخبار الكاذبة" المنتشرة في الإنترنت والـ"سوشيال ميديا". واستطراداً، هناك مؤسّسات إعلامية استندت إلى الراديو، ثم توسعت إلى أنواع أخرى من البث، بما فيها التلفزة والإنترنت. ويظهر ذلك في تجربة "بي بي سي" و"راديو فرانس إنترناشيونال" وغيرهما.

الأرجح أن استمرار الراديو فيه مناحٍ كثيرة، تتقاطع عند فكرة التعقيد في العلاقة بين الجمهور ووسائط الإعلام والاتصال، ما يعني أن التبسيط هو أبعد ما يكون في القدرة على قراءة تلك الأمور.

المزيد من اتصالات