Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرق القنصلية الإيرانية... هل من يعتبر؟

وجّه قاسم سليماني اللوم إلى مقتدى الصدر وحمّله المسؤولية عن هذا التطور

كشفت الأحداث أن التعامل الإيراني افتقر إلى المعالجة الحقيقية التي تستند إلى معرفة المتغير في المجتمع العراقي (أ. ف. ب)

في التظاهرات التي شهدتها العاصمة العراقية، في مطلع شهر مايو (أيار) 2016، رفع مئات من الشباب المحسوبين على التيارين الصدري والمدني وهم يتوجهون إلى ساحة الاحتفالات في قلب المنطقة الخضراء، شعار "إيران بره بره، قاسم سليماني اني الصدر رباني"، وكانت هذه الشرارة التي شكلت الإرهاصات العلنية الجدية على بداية تبلور وعي جمعي عراقي مناهض للوجود الإيراني، وهو وعي بدأ مساره التصاعدي ما بعد عام 2011، والذي شهد خروجاً كاملاً للقوات الأميركية والذي أسس لمرحلة جديدة. لم يعد في الإمكان البقاء في معادلة الصراع بين هذا الوجود والنفوذ الإيراني الذي قام على مبدأ إبعاد المواجهة مع الولايات المتحدة إلى خارج الحدود الإيرانية، وبالتالي وفي إطار الاستراتيجية الأميركية دخل العراق في مرحلة التفرد الإيراني وهيمنته على مفاصل الدولة والسلطة في العراق عبر الفصائل والأحزاب المؤيدة له أو تلك التي تدور في فلكه.

ردة الفعل الإيرانية على هذه الشعارات التي ضجت بها سماء بغداد ولياليها في ساحة التحرير والمنطقة الخضراء، جاءت بتوجيه الجنرال قاسم سليماني اللوم إلى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وتحميله المسؤولية عن هذا التطور، الذي حاول سليماني تفسيره بمحاولات الصدر ممارسة الضغط السياسي على طهران من أجل تحقيق مكاسب سياسية في بغداد، وانتهت بزيارة مطولة قام بها الصدر إلى إيران والبقاء هناك لأكثر من شهر، استطاع خلالها سليماني إعادة ضبط الأمور وإيقاع الصراع والنزاع بين الأحزاب السياسية والاعتراضات الشعبية بمعالجات موضعية لم تذهب إلى ملامسة الأسباب الحقيقية للحراك الشعبي الذي لم يهدأ أو يتراجع عن المطالبة بوقف الهدر والفساد والمحاصصة بين الأحزاب السياسية التي تمعن في نهب ثروات العراق وإفقار الشعب.

المعالجة الإيرانية اتسمت بالسطحية، إذ اقتصرت على حل الخلافات بين الأحزاب السياسية وإعادة تثبيت المحاصصة بينها مع بعض التعديلات التي تخفف من النزاعات بينها، من دون الأخذ بعين الاعتبار الفاتورة الشعبية نتيجة هذا الاستعلاء عن المطالب التي رفعتها المظاهرات منذ أواخر عهد حليفهم في رئاسة الوزراء، نوري المالكي، والانهيار الذي لحق بالمؤسستين الإدارية والعسكرية وأدى إلى سيطرة "داعش" على ثلث مساحة العراق.

استمرار الطبقة الحاكمة العراقية، بخاصة الفصائل الموالية لإيران، في سياسة المحاصصة والاستئثار على حساب المطالب الشعبية الحياتية، وحتى حقوق القوى المجتمعية في المشاركة، أسهم في تعميق الهوة وتراكم الغضب الذي كان لا بد أن يعاود الانفجار، فكانت أحداث عام 2018، التي تركزت بشكل كبير في محافظة البصرة، واستهدفت هذه المرة القنصلية الإيرانية في السابع من سبتمبر (أيلول)، محملين الجانب الإيراني وممثله في العراق قاسم سليماني مسؤولية الدفاع عن هذه الطبقة الفاسدة.

وكشفت هذه الأحداث أن التعامل الإيراني افتقر إلى المعالجة الحقيقية التي تستند إلى معرفة وإدراك للمتغير في المجتمع العراقي، الذي بدأ يعلن صراحة، وبأشكال مختلفة لا تستبعد اللجوء إلى العنف، رفضه لهذا التدخل والتصدي له بعدما رجح استرضاء الأحزاب وتأمين مصالحهم على حساب مطالب الشعب وأوجاعه. وهذا التعامل كشف في الوقت نفسه عن قلق إيراني من انعدام الثقة بالقوى السياسية المستعدة للتخلي عنه عند أي منعطف، عندما لا يعود الإيراني قادرا على تأمين مصالحها. وقد تفاقم مستوى القلق الإيراني غير المعلن من هذه القوى، والذي عززه شعور متزايد لدى قادة طهران بالانفصام والانفصال بين الشارع العراقي وممارسات وسياسات هذه الأحزاب، مترافقا مع ارتفاع مستوى العداء للدور والنفوذ الإيراني، الأمر الذي أجبر طهران ودفعها لإرسال أكثر من 7500 عنصر أمن ووحدات خاصة لتأمين الحماية للزوار الإيرانيين الذين دخلوا العراق في منتصف شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في زيارة أربعين الإمام الحسين.

بغضّ النظر عن الجهة التي تقف وراء إحراق القنصلية الإيرانية في مدينة النجف الدينية، والذي سبقه محاولة لإحراق القنصلية في مدينة كربلاء، والرمزية التي تعنيهما هاتان المدينتان في الذاكرة الدينية والسياسية للعراقيين والإيرانيين، فإن ما حدث يمكن اعتباره تحولاً مفصلياً في الموقف النفسي والمذهبي بين الطرفين، خصوصاً وأن هذا العمل ومن دون التوقف عند الجهة والأهداف المحركة له، ترافق مع تراجع في الرفض الشعبي لهذا العمل، إلى حد الرضا به، ما قد يعني أن التباعد بين الطرفين لم يعد مقتصراً على نتائج ومخرجات التعامل الإيراني مع التركيبة العراقية السياسية والحزبية، والتي أسهمت في إطلاق يد هذه الجماعات في العبث بمصير العراق وتحويله إلى إقطاعات ومحاصصات بينها، وممارسة كل أنواع الفساد والنهب والسرقة وتقاسم المغانم وتحويل موارد العراق إلى مصادر تموين لأعمال هذه الأحزاب، على حساب معيشة الشعب ومصادر رزقه، تحت نظر الجانب الإيراني الذي تحوّل إلى راعٍ مباشر لهذه الأعمال مقابل ضمان ولاء هذه القوى وتنفيذ مشاريعه السياسية في السيطرة على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي والمالي للدولة العراقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استهداف المراكز الدبلوماسية الإيرانية على امتداد الأراضي العراقية، خصوصاً في مناطق انتشار الحاضنة المذهبية التي من المفترض أن تشكل منطقة آمنة لها في البصرة وكربلاء والنجف، يفرض على قيادة النظام الإيراني والمفوض المكلف الإشراف على الملف العراقي، قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، إعادة النظر في مسار تعاملها مع الساحة العراقية بكل تنويعاتها وتعقيداتها، لأن الخلل في هذه العلاقة لا يمكن أن يكون صادراً عن الشعب العراقي وأطراف سياسية وحزبية تعارض هذا النفوذ فحسب، بل هو خلل قد يكون السبب فيه أسلوب التعامل الأمني والعسكري والسيطرة على العراق وتحويله إلى مجرد ساحة نفوذ من دون الأخذ بالخصوصيات العراقية وعدم الاعتراف بسيادة الدولة العراقية. الأمر الذي حوّل العلاقة بين طهران والأحزاب التابعة والموالية لها إلى اعتماد سياسة الابتزاز القائم على معادلة تنفيذ الأجندة الإيرانية مقابل إطلاق يدها للتحكم بمقدرات العراق السياسية والمالية والاقتصادية والتغاضي عن فسادها وإفسادها.

وقد يكون من غير المستهجن أن تخرج جماعات عراقية وتقدم على حرق المراكز الدبلوماسية الإيرانية، بعدما وضع المرشد الأعلى للنظام الإيراني الحراك الشعبي العراقي في خانة التعامل الأمني والاستهداف للدور الإيراني، وقد تكون عملية إحراق هذه المراكز رداً على هذا التعامل الذي حوّل العراق وشعبه إلى مجرد مسألة أمنية من دون الالتفات إلى مطالبه المعيشية المحقة، وعليه فإن هذا الثمن قد يكون مجرد مقدمة لمرحلة جديدة قد تجعل من هذا الدور والنفوذ في معرض الخطر الجدي، وتؤسس لانتقال العراق إلى خارج دائرة الوصاية الإيرانية، على أمل أن يكون هذا الخروج على نصاب وطني بعيداً عن الاستقطابات الخارجية.

المزيد من تحلیل