حكومة روحاني .. حمالة الحطب!

المستهجن أن تصل الصراعات السياسية بين الرئيس الإيراني ومراكز القرار إلى هذا المستوى من التباين

مشهد من الاحتجاجات العنيفة التي شهدتها إيران  (غيتي)

من غير المستهجن أن يخرج الرئيس الايراني حسن روحاني في الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء ليقول إنه لم يكن على علم بالتوقيت الذي تم الاتفاق عليه لتنفيذ قرار رفع أسعار الوقود (البنزين)، إلا أن المستهجن أن تصل الأمور في الصراعات السياسية بين روحاني بما يمثله ومراكز القرار في النظام الإيراني إلى هذا المستوى من التباين وما يعنيه من تهميش الحكومة واستبعادها عن مجريات القرارات الاستراتيجية السياسية والأمنية والاقتصادية. وهذا الكلام لروحاني يكشف من حيث لا يدري أن مستوى عدم الثقة بحكومته وفريق عمله وصل إلى درجة متقدمة لعدة اعتبارات، منها الاعتبار الخاص بروحاني، والاعتبار المتعلق بفريقه الذي لا يعتبر موضع ثقة لدى الدولة العميقة التي تتحكم بمفاصل القرار بهذا الفريق وإمكانية أن يقوم بتسريب ما يدور في كواليس القرار إلى قوى على طرف النقيض أو الضفة الأخرى للقوى التي تمسك بالنظام.

روحاني والمرشد الأعلى

وعلى الرغم من كون روحاني يمثل أحد أبناء منظومة السلطة الأوفياء، وأحد أبرز الشخصيات الأمنية - السياسية التي شكلت في العقود الماضية، أحد أعمدة النظام، وعلى اطلاع ومعرفة بكل السياسيات الاستراتيجية والجيوسياسية التي تقوم عليها مصالح النظام في الداخل والإقليم وعلى صعيد العلاقات الدولية ومع المجتمع الدولي، إلا أن هذا التاريخ لم يشكل منصة تسمح له في التحول إلى شريك أساسي لمراكز القرار التي تمسك بزمام الأمور وتحاول رسم مستقبل النظام. ولعل الهواجس التي تسيطر على هذه القوى من طموحات روحاني بالتكريس نفسه بالتضافر مع مساعي التيار الذي يمثله، كمرشح طبيعي في السباق إلى منصب المرشد الأعلى والولي الفقيه في المستقبل الذي بات يشكل عبئا على مراكز القوى وانشغالها في البحث عن بديل أو خليفة قادرة على إقناع الشارعين السياسي الموالي والمعارض بقدرته في الحفاظ على التوازنات والمعادلات الداخلية والخارجية التي أسس لها وقادها المرشد.

 

مسار تغييب السلطتين التنفيذية خاصة والتشريعية عن القيام بواجباتها ومسؤولياتها، لا يقتصر على هذه المرحلة، بل تعود جذوره الأولى إلى عام 1998

وفي التعامل مع فريق روحاني، يبدو أن مستوى عدم الثقة بين قوى النظام وهذا الفريق وصل إلى أعلى مستوياته، من خلال اتهام وزير الداخلية الجنرال السابق في حرس الثورة بعدم تحمل المسؤولية والتقاعس في التعامل الأمني مع الأحداث الأخيرة، ما يعني التصويب على قوات الشرطة والأمن الداخلي والأمن العام وهي آخر المواقع الأمنية التي من المتفرض أن تكون خاضعة لسلطة الحكومة بالحد الأدنى، مع العلم أن رئيس الجمهورية ووزير الداخلية لا يملكان "ترف" تعيين القائد العام للهذه القوات الذي يختاره المرشد من ضمن عناصر الصف الأول لجنرالات الحرس، وهذا الصراع ليس جديدا في إطار مؤسسات الدولة والجدل حول صلاحيات رئيس الجمهورية، إذ بدأ مع محاولة الرئيس الأسبق محمد خاتمي انتزاع هذا الحق، إلا أنه جوبه برفض قاطع من المرشد والمؤسسة العسكرية التي تقع خارج سلطة مؤسسة الدولة، على الرغم من أن خاتمي في حينها حاول تكريس معادلة تعطي رئيس الجمهورية المشاركة في إدارة جزء من المؤسسة الأمنية في وزارة الداخلية مقابل التسليم بامتناع مؤسسة المرشد تفويض رئيس الجمهورية بقيادة القوات المسلحة بكل مؤسساتها (الجيش والحرس والقوات الأمنية) بناء على الدستور، وهنا يجب الإشارة إلى أن موضوع هذا التفويض كان محل جدل داخل مؤسسة النظام ما بعد رحيل المؤسس آية الله الخميني والتجربة مع الرئيس الأول أبو الحسن بني صدر.

تغييب متعمد للرئيس

كلام روحاني الذي كشف تغييبه "المتعمد" عن موعد تطبيق أو تنفيذ قرار رفع أسعار الوقود، على الرغم من أن هذا القرار جاء بناء على توافق داخل المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يرأسه روحاني دستوريا، ومن المفترض فيه أن يكون منسجما مع إعطاء الحكومة المتسع من الوقت لوضع آليات التنفيذ بما يساعد على تمريره بالحد الأدنى من الارتدادات الاقتصادية والاجتماعية، حسب ما ظهر في موقف وزير النفط بيجن نامدار زنكنه الذي أكد أن اللجوء إلى قرار رفع أسعار الوقود مدرج على جدول قرارات الحكومة العلاجية للازمة الاقتصادية إلا أن تنفيذه ليس قريبا، يؤكد بما بشكل يقارب الحقيقة بأن "الشرخ" بات قائما وواقعا بين السلطة التنفيذية ومراكز القرار في النظام، وأن القرارات الاستراتيجية التي تعني النظام تتخذ بعيدا عن المؤسسات الدستورية المعنية بهذه السياقات، وقد ظهر هذا الأمر جليا عندما مارس أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الأدميرال علي شمخاني "سلطة قمعية" ضد التوجهات البرلمانية المعترضة على قرار رفع أسعار الوقود عندما أنهى الجدل القائم في البرلمان بوضع القرار في خانة القرارات التي تدخل في إطار صلاحيات المرشد الاعلى.

وما يعزز مسار تغييب السلطتين التنفيذية خاصة والتشريعية عن القيام بواجباتها ومسؤولياتها، لا يقتصر على هذه المرحلة، بل تعود جذوره الأولى إلى عام 1998 في عهد الرئيس محمد خاتمي (تولى السلطة عام 1997) عندما حاولت المؤسسة العسكرية وتحديدا حرس الثورة الزج بإيران في معركة مفتوحة مع حركة طالبان بعد قيام الأخيرة بالهجوم على القنصلية الإيرانية في مدينة مزار شريف الأفغانية وقتلها لعشرة دبلوماسيين وأحد الصحفيين، في محاولة منها لإجهاض التجربة الإصلاحية في مهدها، في سياق كان المطلوب منه تفجير أزمة أمنية وعسكرية تنقل القرار من الدولة (الاصلاحية) إلى المؤسسة العسكرية، الأمر الذي أسس لصراع مفتوح بين خاتمي ومراكز القرار في النظام من الحاجة إلى "قفازات" لاخفائه، ويمكن القول أن خاتمي مستندا إلى تأييد شعبي استطاع قطع الطريق على مشروع "عسكرة النظام" على الأقل في السنوات الثمان التي تولى فيها الرئاسة.

عسكرة النظام

المخاوف من عسكرة النظام عادت إلى الظهور في انتخابات 2009، من خلال القرار "الانتحاري" الذي اتخذه خاتمي بالعودة إلى السباق الرئاسي في مواجهة محمود أحمدي نجاد الطامح لولاية ثانية، ثم إعلان انسحابه لصالح المرشح مير حسين موسوي، ما استدعى استنفارا غير مسبوق لأجهزة النظام لقطع الطريق على المساعي التي يبذلها لاحكام وتوحيد سيطرته على السلطات الثلاثة في الدولة، ما أدخل إيران في موجة من الاعتراضات عرفت بالحركة الخضراء وانتهت بحملة قمع لم تستثن قيادات تعتبر من أعمدة الثورة والنظام ومواجهات في الشوارع واعتقالات واسعة بين طلاب الجامعات والسياسيين الذين كانوا في عقد الثمانينيات من القرن الماضي الصف المتقدم في تكريس قبضة التيار الديني على الثورة على حساب القوى المدنية والعلمانية والليبرالية.

هذه الوضع يبدو أنه بات المهيمن على المشهد الإيراني بعد الأحداث الأخيرة وطريقة التعامل الأمني مع الاحتجاجات التي شهدتها المدن الايرانية، ومستوى العنف الذي تعاملت به المؤسسات العسكرية والأمنية من خارج الحكومة مع المعترضين، وبات التنسيق بينها وبين السلطة القضائية التي تعتبر الرديف لها هو القاعدة من دون المرور بمؤسسات الدولة، وبات روحاني في موقع الساعي للحاق بالمواقف التي يحددها قادة المؤسسة العسكرية خاصة حرس الثورة الذين باتوا غير مجبرين على مراعاة القواعد السياسية والدستورية في تحديد الاجراءات التي على الدولة القيام بها، بما يعزز مسار احكام هذه المؤسسات قبضتها على النظام والدولة ورسم المسارات. ولم يبق أمام روحاني سوى حمل "حطب" هذا الانتقال الذي يضرب ما تبقى من معالم دولة المؤسسات الدستورية.

المزيد من تحلیل