في ذكراه الـ72... ماذا تبقى لفلسطين من "قرار التقسيم"؟

يرى مراقبون أن القضية تمر بأسوأ مراحلها بسبب الشرعنة الأميركية للانتهاكات الإسرائيلية... والمستوطنات تبدد إقامة الدولة

يهود أثناء هجرتهم إلى دولة فلسطين (أ.ف.ب)

بعد قرار الأمم المتحدة رقم (181) المعروف باسم (قرار التقسيم) لـ(فلسطين التاريخية)، في التاسع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1947، يبحث الفلسطينيون في الخرائط عمّا تبقى لهم من دولتهم "المأمولة" مع مرور 72 عاماً على ذكراه.

فمع حلول "ذكرى التقسيم" الثانية بعد السبعين، خفتت الآمال لدى الفلسطينيين في إقامة دولتهم على المدى القريب، بعد أن التهمت سياسات الاستيطان الإسرائيلية على مدى عقود سابقة نحو 85% من الأراضي الفلسطينية التي حددها قرار التقسيم الأممي، حسب إحصاءات رسمية فلسطينية.

أي مواد تضمنها القرار؟
على وقع بوادر الصراع (العربي - الإسرائيلي) في أربعينيات القرن الماضي، تدخلت الأمم المتحدة بقرار لها، وقسَّمت بموجبه فلسطين بعد إنهاء فترة الانتداب البريطاني إلى ثلاث مناطق: واحدة لدولة فلسطينية، وثانية ليهودية، وثالثة تحت وصاية دولية، في محاولة منها لحل النزاع المُلتهب في حينه.

وهو ما عدَّه مؤرخون عرب وفلسطينيون، "فكرةً جائرةً"، مشبهين إياها بمثابة "القنبلة التي ألقتها المنظمة الأممية على الأرض الفلسطينية".

ووفق ما هو ثابتٌ بحق قرار التقسيم فقد صوَّتت لصالحه 33 دولة بالأمم المتحدة، بينما اعترضت 13، وامتنعت عن التصويت 11، إذ كان مجمل عدد الدول الأعضاء بالأمم المتحدة حينها 57 فقط، ولم يستغرق التصويت أكثر من ثلاث دقائق.

 

ونصّ القرارُ على تقسيم فلسطين إلى 3 مناطق، تقام في إحداها دولة عربية مساحتها نحو 11 ألف كيلومتر مربع (4 آلاف و300 ميل مربع)، وتضم الجليل الغربي وعكا والضفة الغربية ومنطقة ساحلية تمتد من شمال مدينة أسدود إلى رفح جنوباً، إضافة إلى قسم صحراوي على طول الحدود مع مصر.

وخُصصت دولةٌ أخرى لليهود، ومساحتها 15 ألف كيلومتر مربع (5 آلاف و700 ميل مربع)، وشملت حسب خطة التقسيم السهل الساحلي من حيفا إلى جنوب تل أبيب، والجليل الشرقي بما في ذلك بحيرة طبريا والنقب وإيلات.

كما قضى القرار بوضع القدس وبيت لحم وما جاورهما من أراضٍ "تحت الوصاية الدولية".

وحسب التقسيم، أُعطي لليهود دولة تمثل نحو 56.5% من إجمالي مساحة فلسطين التاريخية، رغم أن أعدادهم لم تتجاوز آنذاك نسبة 33% من إجمالي السكَّان، بينما مُنِحَ العربُ الذين بلغت نسبتهم السكانية نحو 67%، وكانوا يمتلكون غالبية تلك الأراضي، ما نسبته 43.5% من "فلسطين التاريخية".

في هذه الأثناء، قُوبل القرار برفضٍ عربيّ رسميّ وشعبيّ، باعتبار أنه "باطلٌ ومجحفٌ"، وتسارعت الاستعدادات لتشكيل "جيش الإنقاذ"، ليخيم خيار الحرب على سماء المنطقة، وهو ما أطلق عليه الجيوش العربية حينها (حرب تحرير فلسطين) عام 1948.

ماذا تبقى من الأراضي؟
بعد أكثر من 7 عقود على قرار التقسيم، يجمع مراقبون أن توسّع إسرائيل في سياساتها الاستيطانية "بدد حلم إقامة الدولة الفلسطينية المأمولة"، إذ تمكّنت تل أبيب على مدار سنوات وعقود من التهام أكثر من 51.6%، من مساحة الضفة الغربية (بما فيها مدينة القدس الشرقية).

وحسب إحصاءات رسميّة، فإن إسرائيل تحتل أكثر من 85% من الأراضي (تبلغ مساحتها نحو 27 ألف كيلومتر مربع)، ولم يتبقَ للفلسطينيين سوى أقل من 15% فقط.

وتوضح دائرة شؤون المفاوضات التابعة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، حجم السيطرة الإسرائيلية على الأراضي، بأنه حتى نهاية العام 2019 وصل عدد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الفلسطينية 150 مستوطنة، و128 بؤرة استيطانية (غير مرخصة)، إضافة إلى 15 مستوطنة بمدينة القدس المحتلة، كما شيّدت إسرائيل نحو 25 منطقة صناعية استيطانية بالضفة الغربية وواحدة بالقدس.

 

 

وأوضحت أن عدد مستوطني الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس، "بلغ حتى بداية عام 2019، نحو 670 ألف مستوطن، منها 228 ألفاً و500 مستوطن بمدينة القدس".

وتاريخياً، بدأ توسّع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية منذ عام 1948، ففيه سيطرت منظمات يهودية على غالبية الأراضي، وطردت سكّانها الأصليين، وارتكبت مجازر بحقّهم، ووقعت ثلاثة أرباع مساحة فلسطين آنذاك تحت السيطرة الإسرائيلية، في حين حكمت الأردن الضفة الغربية، وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية.

وفي الخامس من يونيو (حزيران) 1967، عادت إسرائيل واحتلت الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة مع شبه جزيرة سيناء، ومرتفعات الجولان السورية.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1967، صدر قرارٌ من مجلس الأمن الدولي حمل رقم 242، طالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلّتها، وهو ما ترفضه تل أبيب حتى الآن.

فرص إقامة دولة فلسطينية؟
مع استمرار إسرائيل في توسعاتها الاستيطانية والتهام مزيدٍ من الأراضي الفلسطينية بدعم ومباركة أميركية، كان آخرها اعتبار الخارجية الأميركية الاستيطان "أمراً لا يخالف القانون الدولي"، في معارضة واضحة للقرارات الأممية وما توافق عليه المجتمع الدولي بهذا الخصوص، تتضاءل آمال الفلسطينيين في إقامة دولتهم على المدى المنظور.

وحسب المؤرخ والمفكر المصري عبد الوهاب المسيري، مؤلف موسوعة (اليهود واليهودية والصهيونية)، فإن "إسرائيل كمشروع استيطاني لا تقبل بوجود دولة فلسطينية حقيقية. وحتى لو قَبِلَ العرب قرار التقسيم (1947) كانت إسرائيل ستلتهمها ضمن المخطط الصهيوني الاستعماري. البديل هو قيام دولة متعددة الأديان والهُويات"، كما حدث في جنوب أفريقيا.

من جانبه يرى المؤرخ الفلسطيني سليم المبيض، أن قرار التقسيم كان "بداية وفاتحة للنكبة التي حلّت بالفلسطينيين وما تلاها من سرقة الأراضي"، واصفاً إياه بـ"القنبلة" التي كوّنتها بريطانيا وأميركا، وفجّرتها الأمم المتحدة في فلسطين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول المبيض، إن مطالبة الفلسطينيين بحقهم في دولة على حدود عام 1967 هو "نوعٌ من التواضع في ظل الظروف والتعقيدات التي تمرّ بها القضية"، مؤكداً أن هذه الدولة "حق طبيعي وشرعي".

كما يصف المرحلة السياسية التي تمر بها القضية الفلسطينية بـ"الأسوأ"، بفعل التقارب الشديد الأميركي الإسرائيلي الذي يُشرعن كل الانتهاكات بالمنطقة، وفق ما نقلت عنه تقار محلية فلسطينية بمناسبة الذكرى الـ72 لقرار التقسيم.

وفي ذكرى قرار "التقسيم" الثلاثين، دعت الأمم المتحدة للاحتفال في الـ29 من نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام، بـ"اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني".

وقالت المنظمة، عبر موقعها الرسمي، إن هذا اليوم "يأتي تزامناً مع قرار تقسيم فلسطين، الذي تم بموجبه نشأة الدولة اليهودية فقط".

وفي هذه الذكرى، يُحيي الفلسطينيون اليوم العالمي للتضامن معهم، من خلال الدعوة والانخراط بفعاليات شعبيّة أو رسميّة، إذ يهدف القائمون على تلك الفعاليات إلى لفت أنظار العالم إلى القضية الفلسطينية.

وبهذه المناسبة، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش، في رسالة نقلها موقع المنظمة، "نؤكد من جديد، ونحن نحتفل بهذا اليوم الدولي للتضامن، التزامنا بالتمسُّك بحقوق الشعب الفلسطيني، فالأمم المتحدة لن تتزحزح في التزامها تجاهه".

المزيد من العالم العربي