العداء للسامية يركب موجة القومية في أوروبا ولا يعبأ بدروس التاريخ

في وقت تشهد فيه المناطق اليهودية التقليدية انتعاشاً ثقافياً، تنمو العنصرية والكراهية في جميع أنحاء أوروبا من جديد

تتصاعد في أوروبا موجة العداء لليهود والمسلمين على خلفية بروز تأثير التيارات الشعبوية عالميا (غيتي) 

تعد مدينة كراكوف البولندية التاريخية من أجمل المدن الأوروبية، وتعتبر ساحتها الرئيسية المعروفة باسم "رينك غلوني" واحدة من أكبر الساحات وأكثرها إثارة للإعجاب في أوروبا. لكن المنطقة الأشد جاذبية وحيوية على المستوى الثقافي تقع جنوب المدينة القديمة، في حي اسمه كازيميرز.

تعايشت في هذا الجزء من المدينة اليهودية والمسيحية لقرون، حتى عام 1941 عندما نقل النازيون اليهود المحليين إلى  غيتو كراكوف، أي حيها اليهودي، أو إلى معسكرات الاعتقال. وبعد عام 1945، أدت سنوات الحكم الشيوعي إلى زيادة هجرة اليهود وتدهور المناطق الحضرية. ولكن بعد سقوط جدار برلين، عادت المنطقة لتصبح مجدداً مركزا للنشاط اليهودي. ويشهد كازيميرز اليوم نمواً في عدد السكان اليهود وانتعاشا ثقافيا.

لعب "مركز الجالية اليهودية" دوراً مهماً في إعادة إحياء المنطقة، وكُتبت كلمات "التسامح" و "الثقافة" بلغات مختلفة على بوابته، في حين يلقى الزوار الترحيب عبر لافتة تدعوهم للتوقف وإلقاء التحية. ولا يهدف المركز فقط إلى تغيير نظرة العالم إلى بولندا، وإنما أيضاً نظرة الشعب البولندي تجاه اليهود. تقول متطوعة في مكتب الاستعلامات، وهي طالبة تدرس السياسة في جامعة كراكوف، إنها واحدة من العديد من البولنديين الشباب الذين بدأوا للتو باكتشاف التاريخ، المخفي سابقًا، لعائلاتهم اليهودية.

نعرف من خلال ذلك شيئا عن المناخ الحالي في بولندا. فقد أُبيدت غالبية السكان اليهود في البلاد خلال الاحتلال النازي. ومع ذلك، فإن الحكومة اليمينية والكاثوليكية المتطرفة لحزب القانون والعدالة، التي فازت بفترة ولاية ثانية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حاولت أن تفنّد عن طريق القانون الدور المنسوب  لبولندا في معاداة السامية الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية. وبطبيعة الحال تمخض هذا التوجه عن المزيد من التشهير والتمييز والتهميش ضد أي شخص تقريباً بوصف بـ "الآخر".

في وقت سابق من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، ادعى عضو البرلمان دومينيك تارزينسكي، الذي عبّر عن سعادته لعدم استقبال بولندا أي مهاجر مسلم، أن مثل هذه السياسات الحكومية ليست عنصرية، قائلا "لا نريد أن يستولي المسلمون أو البوذيون أو أي شخص آخر  على بولندا..." وأضاف  "ليس لمجتمع متعدد الثقافات أي قيمة بالنسبة لي. الفضائل بالنسبة لنا هي  الثقافة المسيحية والقانون الروماني والفلاسفة الإغريق."

وبموجب هذا التعريف الضيق، فإن لهذه السياسة "أهدافاً" أخرى غير الإسلام تشمل الاتحاد الأوروبي ومجتمع المثليين واليهود مجدداً. وتحوّل يوم استقلال بولندا في 11 نوفمبر إلى رمز للكراهية وإلقاء اللوم على الآخرين على نطاق واسع. كما شهد هذا اليوم تجمعاً ضخما لأصحاب البشرة البيضاء فقط من نشطاء اليمين المتطرف والفاشيين الجدد الأوروبيين، وكان من بين منظمي التظاهرة مجموعة فاشية معادية للسامية تدعى "جميع الشباب البولندي". لكن وزير الخارجية البولندي اعتبر هذا التجمع القومي المتطرف "احتفالًا عظيمًا للبولنديين."

ورغم أن بولندا ليست بالتأكيد أسوأ مثال على النشاط المعادي للسامية، إلا أن هذه القومية اليمينية، التي اندمجت مع الكاثوليكية المتطرفة، لا تشجع على قيام بيئة منفتحة ترحب بالاختلاف. وعلى سبيل المثال، لم يُمنح حتى الآن لقب "بروفيسور" للعالِم الاجتماعي اليهودي ميشال بيلويتش، رئيس "مركز بحوث التحيُّز" في جامعة وارسو والمناهض الصريح لكراهية الأجانب في المجتمع البولندي، لأن الرئيس البولندي أندريه دودا لايصدر الترخيص المطلوب لتعيينه في هذا الدور.

غير أن هذا لا يبعث على الاستغراب حين يأخذ المرء في الاعتبار الملصقات التي عُرضت أخيراً في جميع أنحاء وارسو قبل انتخابات سبتمبر (أيلول) الماضي، والتي تصف اليهود على أنهم "طفيليات" وتطالب بـ "وقف الاحتلال اليهودي" للبلاد. كما ضُربت دمى ترمز إلى يهوذا وأُحرقت في بلدة بولندية صغيرة، فيما نشرت صحيفة تُوزع في حي البرلمان مقالا بعنوان "كيف تتعرف على يهودي" (يضم المقال أيضا صورة يان غروس، وهو باحث شهير في جامعة برينستون).

لكن من الخطأ الاعتقاد بأن بقية القارة الأوروبية محصنّة ضد المواقف المشبوهة تجاه اليهود. ففي عام 2018، أظهر استطلاع للرأي أن خمس الأوروبيين يعتقدون أن للجماعات اليهودية تأثير مفرط في الإعلام والسياسة، في حين بدا آخرون غير مدركين للاضطهاد التاريخي الذي تعرض له اليهود.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانب آخر، يشير أحدث تقرير صادر عن "وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية" لعام 2019 إلى أن أكثر من 80% من الشباب اليهود الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أن التمييز المعادي للسامية يمثل "مشكلة في بلدانهم،" وأنه "زاد على مدى السنوات الخمس الماضية."

ويعتقد هؤلاء الشباب أيضاً أن العنصرية بشكل عام تتنامى  ويشعرون بالقلق إزاء "التعصب تجاه المسلمين". ويُظهر استطلاع آخر مشابه أجرته الوكالة الأوروبية نفسها أن أكثر من ثلاثة أرباع إجمالي السكان اليهود قرروا عدم الإبلاغ عن أعمال معادية للسامية.

وشهدت حالات الكراهية والتحيُّز وكراهية الأجانب تزايداً هائلاً في بلدان الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا وألمانيا. وساهم في ذلك على سبيل المثال صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، لأنه يقلل من أهمية بعض الفصول الأكثر قتامة من تاريخ البلاد ولا يبدي أي حرج في إعادة إحياء إحدى المحرمات القديمة والمتمثلة في القومية الألمانية. وبعبارة أخرى، لقد عاد حقاً إلى أوروبا التشكيك باليهود الذي يعود إلى قرون خلت.

أنشأ البرلمان الإيطالي في أواخر أكتوبر الماضي لجنة خاصة حول معاداة السامية والكراهية العنصرية، تحمل اسم السناتور اليهودية ليليانا سيغري، التي نجت من الاضطهاد خلال الحرب العالمية الثانية وهي تخضع الآن للأسف لحماية الشرطة بسبب التهديدات العنصرية اليومية ضدها. وقد امتنع تيار "يمين الوسط" السائد في البلاد، بقيادة الزعيم الشعبوي المتشدد ماتيو سالفيني، عن دعم اللجنة لأنها ستؤدي (على ما يبدو) إلى فرض "رقابة" على حرية الرأي.

إن أوروبا باتت على مفترق طرق تاريخي صعب للغاية، وهناك حاجة لتعزيز الذاكرة الجماعية للماضي الأوروبي. إن القومية اليمينية المتطرفة تعمل على إعادة صياغة النقاشات العامة والخطاب السياسي إذ أصبح ما كان غير مقبولٍ ذات مرة مقبولاً من جديد. فضلا عن ذلك، يجري التستر على كره الأجانب وراء خطاب معادٍ للاجئين.

بذل الاتحاد الأوروبي بعض الجهد لمحاربة التعصب. ففي 12 نوفمبر، احتفى مؤتمر في بروكسل بذكرى مرور عشر سنوات على إلزامية "ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي". وفي ديسمبر (كانون الأول) 2015، عيّنت المفوضية الأوروبية أول منسق لمكافحة معاداة السامية. وعلى نحو مماثل، أنشأ البرلمان الأوروبي مجموعة عمل حول العداء للسامية. لكن الدول مطالبة، كل على حدة، ببذل المزيد من الجهد بشأن الفصول الأكثر إثارة للجدل في تاريخها.

تهب حالياً رياحُ الكراهية للأجانب والاستبداد ومعاداة الليبرالية في جميع أنحاء أوروبا وتلقى قبولا لدى بعض الناخبين والأحزاب الرئيسية.

وفي هذا المناخ، يسعى الزعماء القوميون اليمينيون المتطرفون لمزيد من السلطة لحماية مواطنيهم القوميين، ويلقون اللوم على أعداء متخيلين لبلدانهم. ومع ذلك، يبدو أن من درجت العادة منذ سنوات على اعتبارهم أعداء، كالمسلمين واللاجئين والنخب والاتحاد الأوروبي، لم يعودوا كافيين لوحدهم. وبالتالي من المقلق أنه بعد 70 عامًا من الأحداث الكارثية للحرب العالمية الثانية، بات اليهود يُصنفون أعداء من جديد.

© The Independent

المزيد من آراء