الحراك البيئي في روسيا سري وعقوبته الاعتقال والسجن

لا يمكن التنبؤ بتصرفات الشرطة. إذ ربما تكتفي هذا الأسبوع بالمراقبة فيما تقترب الأسبوع المقبل من الناس وتعتدي عليهم وتعتقلهم. ونظراً لانخراطي في النشاط البيئي في المملكة المتحدة، إختبرت صدمة ثقافية هائلة

اعتُقل، في أكتوبر، آرشاك ماكيشيان (في الصورة أعلاه) واثنان آخران جزاء تنظيمهم تظاهرة "حاشدة" (يوتيوب)

غالباً ما ترتبط روسيا في أذهاننا بالفساد والفضائح والجريمة. لكن خلال الأشهر الثلاثة التي مرّت على انتقالي إلى روسيا، اختبرت خلاف ذلك: فعلى امتداد 11 منطقة زمنية تقع داخل أكبر كتلة أرضية على هذا الكوكب، يجاهر المئات من الشباب في تحدّي الحكومة ويتظاهرون دفاعاً عن حقّهم في العيش على كوكب خالٍ من أزمة مناخية.

ويجتمع هؤلاء المتظاهرون كل يوم جمعة مثل أقرانهم في جميع أنحاء العالم. لكن على خلاف كثير من أقرانهم، لا يستطيعون التجمع بطريقة قانونية. ففي روسيا، تقتضي التظاهرات التي تتعدى الشخص الواحد الحصول على إذن رسميّ، وقد رُدّ طلب حملة "أيام الجمعة من أجل المستقبل" في الحصول على مثل هذا الإذن مراراً وتكراراً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن هنا في موسكو وسط البلاد، يصطفّ الناشطون كل أسبوع كي ينظّموا اعتصامات فردية. وقد ألهم معظم هذه التحركات طالب من موسكو اسمه آرشاك ماكيشيان قرر أن يتظاهر على خطى غريتا تونبرغ والناشطين السياسيين في روسيا. ومنذ بدأ بالإعتصام الفردي قبل ستة أشهر نمت حوله حركة شعبية عفوية تمتدّ من مدينة مورمنسك في الدائرة القطبية الشمالية حتّى فلاديفوستوك في سيبيريا.

ومع أنّ هذه الإعتصامات الفرديّة قانونية فعلياً، لكنها تمثل تحدياً لحدود القانون. وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول)، اعتُقل آرشاك ومتظاهرَيْن آخرين على خلفية تنظيمهم تظاهرة جماهيرية من دون إذن (تجدر الإشارة إلى أنّ كلمة "جماهيرية" في هذا الإطار تعني فحسب ثلاثتهم). وهم حالياً في انتظار المحاكمة ومع أنّ احتمال حصولهم على حكم بالبراءة صعب، ما زالوا يأملون أن يُحكم عليهم بدفع غرامة مالية فقط بسبب خوف السلطات من تداول هذا الخبر في وسائل الإعلام العالمية.

وفي حال لم يحدث ذلك، سيكون البديل بالنسبة لاثنين منهما السجن لمدة عشرة أيام، لأنهما يتعرضان للإعتقال للمرة الثانية. وإذا اعتُقلا مرة ثالثة، قد تُفرض عليهما عقوبة بالسجن تصل إلى سنوات. لكن ذلك لا يثني عزيمة الناشطين الذين ينوون أن يواصلوا عملهم إلى أن تتحقق مطالبهم التي تشمل توفير الطاقة المستدامة وإعادة التدوير ووضع حدٍ لقطع الأشجار.

وفي ظل هذه الظروف السياسية، لا غنى عن التفاؤل والأمل. ويُقدّر عدد الأشخاص الذين شاركوا في الإضراب العالمي يوم 27 سبتمبر (أيلول) بـ 700 شخص توزّعوا على 35 مدينة روسية، منهم 70 اصطفّوا في ساحة بوشكين للمشاركة في الاعتصامات الفردية.

وتنظّم اعتصامات "جمعة المستقبل"، الجماهيرية والفردية، أسبوعياً في 8 مدن. ربّما تبدو الإعتصامات صغيرة الحجم مقارنة بمسيرات قوامها مئات الآلاف من الأشخاص في مدن أوروبية أخرى، لكن نظراً إلى أنه من ستة أشهر فقط، اقتصر التحرّك البيئي في روسيا على طالب وحيد يقف في ساحة بوشكين، لا يجوز الاستخفاف بمعنى هذا التحرّك.

شاركت وبعض المغتربين الآخرين في روسيا في الاضراب العالمي خلال شهر أيلول (سبتمبر) في موسكو حيث اكتفيت بالمراقبة. كان الجوّ هادئاً وحذراَ. وسرعان ما احتشدت الشرطة للمراقبة. وخيّم شعور القلق على الجمع طوال الوقت. وعمل الجميع جاهداً كي لا يُفسّر الاعتصام على أنّه تظاهرة جماهيرية بسبب سلوك أيٍ من المشاركين فيه- وهو ما يمكن أن يحدث إن رفع أحد الواقفين في الصف لافتة أو إن تحدث أحدهم طويلاً إلى الشخص المعتصم. فلا يمكن التنبؤ بتصرفات الشرطة. إذ ربّما تكتفي هذا الأسبوع بالمراقبة فيما تقترب الأسبوع المقبل من الناس وتعتدي عليهم وتعتقلهم. وبسبب خلفيتي كناشطة بيئية في المملكة المتحدة اختبرت صدمة ثقافية هائلة وأشعر بالذهول إزاء العمل الذي يقوم به هؤلاء الناشطون. فبينما يُعتبر تسلق برج بيغ بن أو قطع الجسور ضرباً من الحراك البيئي المتطرّف في المملكة المتحدة، مجرّد الخروج على الأعراف والاختلاف في روسيا يحوّلان الإنسان إلى متمرّد يواجه عواقب أكبر بكثير.

وأغلبية المشاركين في الاعتصامات طلبة جامعيين نشأوا محاطين بوسائل التواصل الإجتماعي ويطّلعون على الأخبار من مصادر بديلة عن القنوات الرسمية الحكومية لكن الوعي يزيد في أوساط الأجيال الأكبر أيضاً. ووافق آرشاك وغيره من الناشطين الذين تحدّثت إليهم على أنّ ردة فعل المارّين تصبح أكبر إيجابية مقارنة بالعدوانية العلنية التي جابهوهم بها في البداية. وكما قال لي آرشاك "لا يتعلّق الأمر بالسنّ بل بالإطلاع على المعلومات أو عدمه". فبسبب اطّلاع الشباب الروس على وسائل التواصل الإجتماعي وعلى برامج القنوات الأجنبية من خلال مواقع البث الإلكترونية، يصبحون أكثر تشكيكاً بالأخبار التي تذاع في بلدهم.

ويتعذر إرساء العدالة المناخية في غياب حركة عالمية تسعى لذلك وتضافر جهود الحكومات مجتمعة.

والهجوم على متظاهري المناخ الروس هو هجوم علينا جميعاً. وبينما لا أسعى إلى التقليل من أهمية عمل الناشطين حول العالم، إن لم تتحسن سياسات المناخ الروسية بشكل جذري سيظل التقدم العالمي محدوداً. فروسيا هي رابع أكبر ملوّث في العالم وتصل مساهتمها في انبعاثات غازات الدفيئة إلى 5 في المئة. ويقع ضمن الحدود الروسية جزء صغير ومهم من القطب الشمالي بالإضافة إلى نحو خمس غابات العالم.

إن كنا في الغرب نسعى إلى منع الإنهيار المناخي القريب، فحري بنا أن نظهر دعمنا وتضامننا مع الناشطين في روسيا ومع من يعيشون في ظل الأنظمة الاستبدادية الأخرى حول العالم بكل الطرق الممكنة. 

© The Independent

المزيد من آراء