"خفي حنين"... حصاد أردوغان من لقاء ترمب... والرهان على بوتين يلوح في الأفق

الرئيس الروسي لا يثق بنظيره التركي... ويستخدمه كورقة مساومة وشريك جديد في وجه الغرب

رغم أن ترمب جامل أردوغان في حديثه أمام الصحافة أثناء الزيارة فإن الواقع مغايرٌ لذلك تماماً (أ.ب)

أعتقدُ أن النتيجة الملموسة الوحيدة لاجتماع (ترمب - أردوغان) هي أن الأخير سيلتقي بوتين مرةً أخرى. فماذا حدث في أميركا؟

في الوقت الذي تمرُّ فيه العلاقات بين واشنطن وأنقرة بأزمةٍ عميقةٍ، وتُتابِعُها روسيا من كثب، تحوَّلت الأنظار إلى لقاء أردوغان مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض، وكانت آثار الخيبة باديةً على وجه أردوغان والوفدِ المرافقِ له منذ أول يوم وَضع فيه قدَمَيه على تراب أميركا.

لم يكن في استقبال أردوغان في المطار سوى موظفٍ أميركي عادي، كما أنه لم تكن هناك مجموعات تَهتف له لدى باب الفندق بالرحب والسعة كعادتها في الزيارات السابقة لأردوغان، ويبدو أن المواطنين الأتراك الذين يعيشون بالولايات المتحدة لم يرغبوا في أن تتلوث ملفاتُهم بسبب الوقوف إلى جانبِ سياسي يُتَّهم بأنه راعي (داعش) والجماعات المتطرفة.

وبالمقابل، أزعج النشطاء أردوغان في فندقه، إذ عكسوا على جدار الفندق لافتات ضوئية تكتب: "هنا ينام أردوغان، بينما ينام 864 طفلاً في سجونه".

والأدهى والأمرُّ بالنسبة إلى أردوغان هو دعوة نجم كرة السلة الأميركية، التركي الأصل، (أنس كانتَر) في اليوم نفسه إلى مجلس الشيوخ ليتحدَّث عما يجري في تركيا من انتهاكات حقوق الإنسان ودعم الجماعات المتطرفة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قررت وزارة الخزانة الأميركية معاقبة 22 شركة من 13 دولة، بما فيها شركات تركية، لانتهاكها قواعد السياسة الخارجية الدولية، كل هذا حَدَثَ قبل ساعات من اجتماع أردوغان مع ترمب.

علاوة على ذلك، أجمع الأعضاء الجمهوريون والديموقراطيون في مجلس الشيوخ الأميركي على معارضة اجتماع ترمب مع أردوغان.

في مثل هذا الجو، أجرى الرئيسان اجتماعاً ثنائياً، إذ إنه لم يَسبِق في العلاقات (التركية - الأميركية) على مدى السنوات الخمسين الماضية أن كانت متوترة إلى هذا الحد، وعلى الرغم من أن ترمب كان يجامل أردوغان في حديثه أمام الصحافة فإن الواقع مغايرٌ لذلك تماماً، فالقول مُضحكٌ والفعل مبكيٌّ.

تعالوا بنا ننظر إلى حصاد زيارته:

1- كالعادة، طالب أردوغان بتسليم فتح الله غولن الذي يعيش بالولايات المتحدة، لكن قُوبل هذا الطلب بالرفض، وهذا واحدٌ من الأخطاء الاستراتيجية التي يرتكبها أردوغان، إذ إنه في الحين الذين يُصنَّف حزبه في صفوف أنصار الإسلام السياسي الذين يدعمون الحركات المتطرفة، يحاول أن يُقنع الغربيين بخطورة مجموعة يصنفها كثيرٌ من صنّاع القرار الغربيين على أنها حركة اجتماعية تنادي بنشر التعليم ودمج المرأة في جميع مجالات الحياة، وتؤمن بضرورة الحوار بين الثقافات والأديان.

ونعلم أن الدول الغربية تُطالب بأن تكون أمثال هذه المجموعات الإسلامية الاجتماعية مثالًا تَحتذِى به المجموعاتُ الإسلامية الأخرى، في انتهاج طريقة تتعارض مع خط الإسلاميين السياسيين.

وبالفعل كانت دعوة نجم كرة السلة المعروف بتعاطفه مع فتح الله غولن إلى مجلس الشيوخ في وقت متزامن مع زيارة أردوغان ردّاً دبلوماسياً على هذا الطلب.

2- كانت أنقرة تريد من واشنطن أن تَعتبِر وحداتِ حماية الشعب (YPG) منظمة إرهابية مسلّحة، لكن ترمب ردّ على هذا الطلب في وجه أردوغان عندما قال في المؤتمر الصحافي: "لدينا علاقات جيدة للغاية مع الأكراد (في إشارة إلى أكراد سوريا)، ونحن سعداء بهم، وسنواصل ذلك"، وكانت هذه خيبة ثانية لأردوغان.

3- وكان هناك مطلب ثالث يتعلّق بشخص أردوغان وعائلته، يتألف من ملفين يقضَّان مضجعه، ولدينا معلومات موثقة أن أردوغان طالَبَ بإغلاقهما وراء الأبواب المغلقة.

أوَّلهما: الملف المتعلق بالثروات الشخصية التي حصل عليها أردوغان وأسرته وأقاربه بطرق غير قانونية، التي تبلغ 80 مليار دولار، إذ طلبَ أردوغان إغلاقَ هذا الملف الذي سبق أن لوَّح الأمريكيون بمزيدٍ من الكشف عنه، ويُعرف هذا الملف في الولايات المتحدة بـ(بنك خلق)، ولا تزال المحاكمة مستمرةً حولها.

وثانيهما: التغاضي عن الملف السميك المتضمن الوثائق التي تُثبت علاقاته المباشرة وغير المباشرة مع المنظمات المتطرفة الإرهابية.

والجانب الإيجابي الوحيد في هذا الاجتماع بالنسبة إلى أنقرة هو أن أردوغان كسب بعض الوقت، حتى وإن لم تُحسم المشكلات بعدُ.

باختصار، أخبر ترمب أردوغان أنك "إذا كنت تريد مني المساعدة في مشكلاتك الشخصية، فإنني أنا أيضاً بحاجة إلى مساعدتك في ذلك، وعليه فإنني أطلب منك إلغاء أنظمة الدفاع الجوي التي اشتريتها من روسيا أو تعطيلها على الأقل".

وللمصادفة، إنني حينما كنت أكتب هذا المقال، لفتَ عيني خبرٌ عاجلٌ، يقول: "إن بوتين سيزور تركيا في يناير (كانون الثاني)"، لكنني لم أتفاجأ بهذا، لأن هذا هو ما يقتضيه المنطق السليم، بمعنى أنَّ أي رئيس دولة يعاني مشكلات على مستوى دولي، وكانت ملفاته الوسخة بحوزة قوتين عظميين، فسيتأرجح، لسوء الحظ، مثل الكرة بين قدمي تلك القوتين، فعندما لم يجد أردوغان ما كان يأمله من أميركا، انحصر في زاوية ضيقة وأصبح بحاجة إلى بوتين، الذي لن يفوِّت على نفسه هذه الفرصة الذهبية.

وقد لفتَ نظري ما قاله عمر تاشبنار الأستاذ بجامعة الدفاع الوطني في الولايات المتحدة وكبيرُ الباحثين في معهد بروكينجز، مدعياً بأن لدى بوتين أيضاً ملفين خطيرين يهمان أردوغان، أحدهما: حول سيناريو الانقلاب الذي حدث في الـ15 من يوليو (تموز) 2016، الذي يكشف أنه كان انقلاباً زائفاً، والملف الثاني يحتوي على وثائق تثبت علاقة أردوغان بـ(داعش) والمنظماتِ الراديكالية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتشير الأدلة إلى أن روسيا ستواصل بيع أنظمة الدفاع الجوي (S-400) إلى تركيا، لكنها لن تتقاسم معها التكنولوجيا، لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يثق بأردوغان على الإطلاق، لكنه سيستخدمه كورقة مساومة وشريكٍ جديدٍ في وجه الغرب.

وكل هذه المعطيات تدلُ على أن شراء تركيا أنظمة (S-400) ليس من أجل تلبية الاحتياجات العسكرية، بل إنما تشتريها لأسباب سياسية بحتة، ومن الصعب أن تجمِّد عملية شرائها في الظروف الحالية، بل من المحتمل أن لا تنحصر عملية الشراء بحدود أنظمة الدفاع الجوية، لتتجاوز إلى وضع شراء طائرات (SU-35) على جدول الأعمال أثناء زيارة بوتين.

وبطبيعة الحال ربما يَعتبِر الجانب الأميركي هذا التصرّف من أردوغان خروجاً من السيطرة، ويبدو أن أردوغان لا يزال اللاعب الأساسي من المنظور الروسي، لكن إذا تغيّرت السلطة في تركيا فسيعني ذلك قلب كل الخطط الروسية حول تركيا رأساً على عقب.

ومن المؤسف أن السياسة الخارجية التي اضطر أردوغان إلى تطبيقها تشبه حالة المد والجزر، وإذا كنت لا تراعي الأعراف الدولية وتكافحُ من أجل مصالحك الشخصية، فلا مفرّ من أنك ستتخبط في مثل هذه المتاهات، وإذا كان لي أن أَصِف حالة أردوغان المتأرجح بين روسيا وأميركا، فلربما أستخدمُ لغة المزاح لأقول: (إن أردوغان متزوجٌ بترمب وعشيقة لبوتين)... فأيهما ترك فسيلقى عقاب الغادر.

المزيد من تحلیل