الانتخابات العامة هي الطريق الأسوأ لحل أزمة "بريكست"

عد أعوام من "الهذيان" المتواصل، قد تكون الانتخابات الموسمية هي الفكرة الأكثر جنوناً التي ستخرج من قناة الولادة المتاهية لبريكست 

رئيس الحكومة بوريس جونسون متحدثا خلال أحد التجمعات الانتخابية في غرب إنجلترا (أ.ف.ب ) 

سواء رغب الكرملين أم لا في إشراك نفسه في تحديد الإرادة السيادية للشعب البريطاني، فإنه يحب التنبه إلى أن الانتخابات العامة قد تكون أشبه بلعبة "روليت روسية." عملياً هذا يقلل من خطر وقع أربع رصاصات. ففي اللعبة التقليدية يتم تلقيم إحدى الحجيرات الست لبكرة المسدس، لكن في هذا النموذج أبقيت حجيرة واحدة فقط بلا تلقيم. 

بعد أعوام من الهذيان المتواصل، قد تكون الانتخابات الموسمية الفكرة الأكثر جنوناً التي ستظهر من قناة الولادة المتاهية للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.

هذه ليست المرة الأولى التي أعبّر فيها عن الفكرة، ولن تكون المرة الأخيرة التي تقرأونها، لكنني سأقوم بتهجئتها من جديد وبالأحرف العريضة لاحتمال صعوبة الفهم... "لا يوجد أبداً في العالم ما يُعرف بانتخابات عامة من أجل قضية واحدة."

تركيبة مشابهة

الفكرة قائمة في كلمة "عامة". إن ما يُخطط له لأن يكون استفتاءً بالوكالة لن يصبح شيئاً من هذا القبيل. وعلى رغم أن مسألة واحدة هي المهيمنة بشكل غير مسبوق، فسيتم تحديدها من خلال مجموعة عوامل معتادة. وقد لا يتقرر بنتيجتها أي شيء. وهناك احتمال قوي - 50 في المئة من الرهان - بأن تأتي الانتخابات بتركيبة برلمانية تشبه بشكل مخيف تلك التي هي موجودة اليوم.

إذا كان الأمر على هذا النحو، فماذا بعد؟ تخيّلوا، إذا كانت لديكم الجرأة، أن تطلع نتائج استطلاع جون كورتيس لآراء الناخبين قرابة العاشرة والثلث ليلة الاستحقاق، بنتيجة أن "هناك برلماناً معلقاً مع أغلبية لحزب المحافظين". فإلى أين نتجه بعد ذلك؟ بوريس جونسون يقول بوقاحة مأسوية كوميدية، وهي مصدر إلهامه: "عندما نكون في الجحيم فلنستمر." لكن ما لم ينصح به ونستون تشرشل هو مواصلة الانحدار في هذا الجحيم.

سيكون هذا هو المنحى الذي نذهب إليه إذا وصلنا إلى حكومة أقلية أخرى يقودها "حزب المحافظين." فمجلس العموم الجديد سيعقد جلسة مدتها 10 دقائق. وفيما يقوم البرلمان بإعادة لملمة نفسه بعد العطلة، ستكون هناك أسابيع قليلة حتى يحين الموعد النهائي المقبل للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي المرتقب في 31 يناير.

وإذا ما تم استثناء فرضية تناول كمية صحية من الأسيد أو جرعة زائدة من المواد السامة، هل يمكن الشروع في الهلوسة بأن مجلس العموم سيحل المأزق الذي أصابه بالشلل لنحو 20 شهراً أو أكثر في غضون 20 يوماً أو أقل؟ وعلى افتراض أنه لم يتمكن من ذلك، فما هو مقدار الثقة في أن صبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القريب من نقطة النفاذ، سيمتد إلى فترة أطول؟ المسار سيكون بمثابة استدارة لولبية انحدارية. وقد يكون الخروج من الاتحاد الأوروبي بلا صفقة أمراً لا مفر منه.

الرهانات على "بيتفير" (موقع الرهانات الأكبر) حتى المتساوية منها، تشير إلى أغلبية لـ "المحافظين." في هذه الحال، ستمر صفقة استسلام جونسون. ومن شأن خروج قاسٍ لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي أن يتيح لجونسون، نيابة عن الرعاة الأجانب أصحاب المليارات من الدولارات الذين جاءت به صحفهم إلى السلطة، أن يحرق حقوق العمال وجهود حماية البيئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

موقف سوينسون

هل تثق جو سوينسون زعيمة حزب"الديموقراطيين الأحرار" في أن يتولى هذا الرجل مصير "دائرة الصحة الوطنية" NHS؟ هل هي مطمئنة إلى التقارير التي تحدّثت عن لقاءات سرية أجريت بين حكومته وشركات الأدوية الكبرى في الولايات المتحدة؟ الله وحده يعلم بما الذي يدور في خلدها أبعد من الانتهازية، لجهة منح جونسون فرصة إجراء انتخابات وسط خطر هائل يتمثل في الحصول على نتيجة عكسية كاملة لتلك التي يُفترض أنها تتوخاها.

قد يكون معذوراً الدعم المتأخر الذي منحه جيريمي كوربين زعيم حزب "العمّال" للانتخابات. ففي الوقت الذي باتت فيه أمراً واقعا، لم يكن لديه ما يكسبه من معارضة إجرائها، بخلاف ظهوره على أنه مرتبك وعاجز، وقد اكتسب ذلك منذ فترة طويلة. وبما أن الهدف النهائي لـ "الحزب الوطني الاسكتلندي" هو الاستقلال الذي يمكن أن تمهد له هذه الانتخابات، فإن انتهازية أعضائه قد يكون لها معنى، أقله على المدى الطويل.

لكن ماذا عن سوينسون؟ قد يتوقع حزب "الديمقراطيين الأحرار" استرداد عشرات من المقاعد من "حزب المحافظين" في جنوب إنجلترا وجنوبها الغربي، لكن بأي ثمن في الجولة المقبلة؟ إنه لأمر مخزٍ بشكل فظيع عدم وجود سابقة قريبة لتحذيرها مما قد يحدث لحزبها عندما تمكِّن سوينسون "المحافظين" من الانغماس أكثر في غرائزهم الأشد وحشية.

مرة أخرى بالنسبة إلى فاقدي الذاكرة، لا يوجد شيء يُسمّى انتخابات عامة من أجل قضية واحدة. وسيعجز أي من أعلام "حزب العمّال" الذي وقع وسط تبادل للنار بين الأطراف التي تحمل رسائل تبسيطية للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، عن أن يشرح في أقل من ثانية على عتبات المنازل ما حصل في أقل من 9 أشهر. ولا شك في أن الحزب سيعمل في حملته على مسائل أخرى.

قد تكون سياساته الاقتصادية والاجتماعية جذّابة على نطاق واسع، لكن زعيمه لم يحظَ بشعبية على مر الزمن، ورسائله معرضة بشكل كبير لخطر الغرق.

هذا لا يعني استبعاد أن تؤدي حملة الـ 6 أسابيع التي يقودها الحزب ضد سيد الكارثة بوريس جونسون، إلى سد الفجوة مع "المحافظين." وربما لن يتم أخذ نايجل فرّاج رائد الداعين إلى "بريكست" على محمل الجدّ،  وقد يستفيد "العمّال" من تصويت "المحافظين" الخارجين عن حزبهم.

لكن إذا أصبح "العمّال" الحزب الأكبر (فوزه بأغلبية يحتاج معجزة توراتية)، أو يكرر التقارب البسيط الذي حصل في العام 2017، فسيكون ذلك على حساب موقفه من موضوع "بريكست،" وليس بسببه. وفي المقابل، لن تتم إزالة جانبي الارتباك والحقد، بل سيكونان راسخين.

وفي حين أن الأغلبية في مجلس العموم لا يمكن أن تسير إلا في اتجاه واحد وهو منح جونسون "تفويضاً حاسماً" للمضي في صفقة قاسية مع الاتحاد الأوروبي أو للخروج بلا صفقة بأقل من 40% من نسبة التصويت الشعبي، فإن نتيجة متقاربة ستنعكس على القضايا المحلية وكذلك الوطنية والدولية منها.

تأثير القضايا الثانوية

قد يتعطل الجميع تماماً كما حصل في مقاطعة "ميامي ديد" الأميركية التي تعثرت نتائجها عند بضع عشرات من الأصوات عند مجموعة مسائل ثانوية صغيرة. ويمكن في المقابل تحديد مستقبل البلاد برمته كالعلاقة مع أوروبا ومصير "دائرة الصحة الوطنية" وجميع القضايا الأخرى، من خلال بضعة منشورات تتناول مسائل كالغرامات المفروضة على الكلاب الملوّثة أو أنظمة المرور في اتجاه واحد.

هناك، كما كانت الحال عليه دائماً طريق واحدة للهروب من هذه المتاهة الرهيبة. انها ليست مثالية. إنها بصراحة أمر مروّع. لكن القرار المنطقي الوحيد والأقل ديموقراطيةً لهذا الكابوس - الفضل هنا لسوينسون – هو أن يُطرح على الناس سؤال واحد: "هل فعلاً غيّرتم رأيكم الجماعي في شأن مغادرة الاتحاد الأوروبي؟"

ربما تعرف جو سوينسون جانباً لا يعلمه أحد. لكن إذا لم تحصل على استطلاعات رأيٍ داخلية تقنعها بأن الانتخابات ستمنحها ما تحلم به – ارتفاع المقاعد البرلمانية لحزبها وعدم تفادي صفقة الخروج من الاتحاد الأوروبي، هما ما تريده حقا – فإنها تكون قد ذخّرت المسدس بـ 5 رصاصات .

قد يكون أفضل تمنٍّ من البريطانيين لها ولنا جميعا، أنه عندما يتم الضغط على الزناد أن يُسمع صوت نقر على الفراغ لا صوت دوي انطلاق الرصاصة.

© The Independent

المزيد من آراء