حاكم مصرف لبنان: الليرة ثابتة... وبري يؤجل جلسة البرلمان

حمل الأمين العام لحزب الله الأميركيين مسؤولية الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد

في إطلالة مهمة في ظرف اقتصادي وسياسي دقيق يمر بلبنان، خرج حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ليطمئن اللبنانيين إلى قدرة القطاع المصرفي على جبه التحديات الصعبة التي يمر بها، وقام بما يُعَدُّ "جردة حساب" تعود إلى 27 سنة مضت، وذلك في إشارة غير مباشرة إلى زمن توليه الحاكمية، فيما أُعلن عن مقابلة تلفزيونية سيجريها رئيس الجمهورية ميشال عون مساء غد الثلاثاء. وتوقعت مصادر إعلامية محلية أن يعلن عون خلالها بدء الاستشارات النيابية المتعلقة بتشكيل حكومة جديدة.

سلامة الذي تناله انتقادات لاذعة من الحشود التي تتظاهر منذ ما يقارب الشهر في كل شوارع لبنان وساحاته، لا يوفره أيضاً عدد من السياسيين الذين يحملونه مسؤوليةً في وصول الوضع النقدي إلى ما وصل إليه، خصوصاً بسبب "هندسات مالية" قام بها في السنوات الثلاث المنصرمة.

حاكم مصرف لبنان في مؤتمره الصحافي، بدا هادئاً كعادته، ولكن لم تغب وطأة المسؤولية عن سيماء وجهه. فكلمة منه في سياق معين يمكن أن تنعكس أضراراً في السوق، المصاب أصلاً بالارتياب. غلب على كلام سلامة الطابع التطميني من دون إغفال دقة الظروف، التي استعمل مراراً كلمة "استثنائية" لوصفها.

سلامة شدد على سياسة مصرف لبنان بالاستمرار بتثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وأن هذه السياسة مستمرة ولا مخاوف في هذا الشأن. كذلك طمأن حاكم مصرف لبنان إلى عدم حصول أي عمليات تقييد في انتقال الرساميل من وإلى خارج لبنان، كذلك أي عمليات من نوع haircut فلا صلاحية قانونية لذلك".

ولفت سلامة، إلى أنّ "مسألة التحويلات الخارجية تعود للعلاقة بين المصارف وزبائنها، وطلبنا من المصارف تلبية الضروريات بهذه الظروف الاستثنائية"، مشيراً، إلى أنّ "المصارف قادرة على الاستلاف من مصرف لبنان وبالدولار بفائدة 20 في المئة، ولكن هذه الأموال غير قابلة للتحويل نحو الخارج". وأضاف أن هذه الإجراءات غير واردة لسببين "الأول لعدم اقتناع مصرف لبنان بها، والثاني لأن المسؤول عن إجراءات كهذه هو السلطة السياسية التي ترفض ذلك رفضاً قاطعاً".

تأجيل جلسة التشريعية

في المقابل، أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري، بعد اجتماع لكتلة التنمية والتحرير النيابية الاثنين، تأجيل الجلسة التشريعية غداً إلى الثلاثاء في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) لـ "أسباب أمنية"، بـ"جدول الأعمال نفسه". وأشار بري إلى أن "الوقوف ضد الجلسة التشريعية والضجة المفتعلة ليس ضد قانون العفو العام كما يقال، بل بهدف الإبقاء على الفراغ السياسي".

وكان المحتجون قد دعوا إلى إضراب عام الثلاثاء والعمل على منع وصول النواب إلى البرلمان لتعطيل جلسة تشريعية تهدف إلى إقرار قوانين اعتبرها المتظاهرون "مشبوهة".

وفي حين طلب بري من نواب ووزراء كتلته الحاليين والسابقين رفع السرية المصرفية عن حساباتهم المالية، دعا إلى "استعجال تأليف حكومة جامعة لا تستثني الحراك الحقيقي".

لكن ملف تشكيل الحكومة لا يزال عالقاً بين القوى السياسية، التي لم تتفق حتى الساعة على خيار موحد لمواجهة احتجاجات الشارع المستمرة منذ 26 يوماً. وهذا ما أكده الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، في خطاب متلفز الاثنين، حين قال إنه لن يتكلم بشأن ملف الحكومة "لأن النقاشات والمباحثات متواصلة"، تاركاً الأبواب مفتوحة للوصول إلى "أفضل نتيجة".

وحمل نصرالله السياسة الأميركية، وتحديداً العقوبات، مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، داعياً المسؤولين اللبنانيين إلى الانفتاح على الاستثمارات الصينية والإيرانية، على الرغم من المنع الأميركي، وفقه، واللجوء إلى السوق العراقية بعد التفاهم مع الحكومة السورية لإيصال البضائع إليها من خلال معبر البوكمال.

وعن مكافحة الفساد، قال نصرالله إنها تحتاج إلى وقت وجهود وقضاء قوي وشجاع لا يخضع للضغوط السياسية وآليات لاسترداد الأموال المنهوبة والمسروقة، داعياً القضاة إلى أن يتصرفوا ضمن صلاحياتهم ويمتلكوا شجاعة عدم الامتثال لأي ضغوط سياسية.

وأعلن تكتل "لبنان القوي"، الذي يرأسه وزير الخارجية جبران باسيل، أن  "طرحنا الأساسي هو حكومة اختصاصيين يوافق عليها المجلس النيابي لتستطيع أن تقلع ويتمثل فيها الحراك. والحاجة اليوم هي للتشاور للوصول إلى حلول مقبولة، تحترم الدستور ويكون لها مشروع قابل للتنفيذ".

واعتبر رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، أن "الانتفاضة الشعبية التي نشهدها حقيقية"، مشيراً إلى أنه "لا ثقة بالتركيبة الحاكمة الحالية والبعض يأخذ الأزمة إلى أماكن أخرى، فيفترض أنه إذا استثمرت الصين في لبنان لما كنا وقعنا في الأزمة الاقتصادية، وأنا لست مع هذا الرأي على الإطلاق".

وسأل "هل من المعقول ألا نطلق الحد الأدنى من الإجراءات الدستورية في الشكل الطبيعي؟ الاستشارات النيابية كان يجب أن تحصل الأمس قبل اليوم".

وأضاف "الحكومة الجديدة يجب أن تكون من اختصاصيين مستقلين، في حين يعمل البعض على تشكيل حكومة اختصاصيين من الأزلام".

إضراب موظفي المصارف

وقالت جمعية مصارف لبنان إنها عقدت اجتماعاً طارئاً، الاثنين، لمناقشة إضراب دعا إليه اتحاد نقابات موظفي المصارف لدواع أمنية تتعلق بالموظفين، متعهدة حمايتهم بعد تعرضهم لاعتداءات جسدية. ولم يذكر بيان أصدرته جمعية مصارف لبنان ما إذا كانت البنوك ستغلق الثلاثاء، بعدما قالت محطات تلفزيونية لبنانية إن البنوك ستغلق أبوابها بسبب الإضراب المزمع.

ودعا رئيس اتحاد نقابات موظفي المصارف في لبنان في وقت سابق إلى إضراب لموظفي البنوك اعتباراً من الثلاثاء لدواع أمنية.

حاكم مصرف لبنان

اعتذر الحاكم في بداية مؤتمره الصحافي عن عدم دعوة جميع الصحافيين، إذ اختياره لعدد معين من المراسلين ترك استياء إلى درجة أن نقابة المحررين اللبنانيين أصدرت بياناً استنكرت خطوة سلامة.

وفي مستهل المؤتمر قال "قطعنا في مراحل كثيرة، واستطعنا المحافظة فيها على سعر صرف الليرة. ابتداء من 2015 واجهنا العقوبات التي كان لها تأثير على حركة الأموال إلى لبنان، واتخذنا التدابير اللازمة لنجعل لبنان منخرطاً في العولمة. عشنا فراغات طويلة (في الحكم) عندما كان يتم العمل على تشكيل حكومات، وكانت الأخيرة عام 2018، وعشنا في مناخ من التأجيل في إجراء الانتخابات النيابية مراراً. وكانت لاستقالة الرئيس الحريري من السعودية نتائج على الوضع الاقتصادي في لبنان، كل هذا تزامن مع توسع في حجم القطاع العام، وقد وصلنا إلى عجز مرتفع عام 2018. كما أننا شاهدنا تراجعاً في التصنيف الائتماني المتعلق بلبنان، إضافة إلى كل ذلك شهدنا تقارير سلبية عدة، ما زعزع الثقة بالنسبة إلى بلدنا، إضافة إلى الإشاعات وبث أخبار من قبل أشخاص غاياتهم سلبية. كل ذلك أثر في معنويات الأسواق، وفي ظل هذه المعطيات كان هدف مصرف لبنان أن يلعب دوره كما حدده القانون، وهذا الدور يتجلى بالحفاظ على الثقة بالليرة اللبنانية التي هي أداة لتأمين نمو اقتصادي واستقرار اجتماعي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد عرض التحديات انتقل سلامة إلى الانعكاسات التي تسبب بها الوضع، وتابع "هذا النجاح بالمحافظة على الليرة نقيسه بمقدار ما خدم اللبنانيين، وقدم لهم العيش الكريم، إنما التراجع بالحركة الاقتصادية والنمو الذي وصل إلى الصفر في عام 2019، زاد من نسبة البطالة وأثر في فئات عدة من الشعب، ولمسنا ذلك من خلال التعثر الذي حصل بتسديد القروض السكنية، وهنا طلبنا من المصارف أن تكون مرنة في التعاطي مع هذا النوع من القروض. نحن في اقتصاد "مدولر" لذا الليرة اللبنانية وثباتها عنوان ثقة لاستمرار دخول الدولار إلى لبنان.  الهندسات المالية ساعدت في هذا المجال، والهندسة المالية في عام 2016 سمحت أن نكوِّن احتياطات كبيرة دعمت الليرة وساعدت بتطبيق المعايير الدولية للعمل المصرفي. لم نستخدم المال العام في الهندسات المالية التي قمنا بها، والمطالبة بإعادة الهندسات المالية كلام غير دقيق". وقال أيضاً "قطعنا في مراحل صعبة لو مرت بها دول أخرى لكانت تعثرت. واستطعنا الحفاظ على الاستقرار النقدي على رغم كل الصعوبات. تزامن كل ذلك مع توسّع في حجم القطاع العام، وعجز بلغ 11 في المئة نسبة إلى الإنتاج المحلي، في وقت كان الاقتصاد بحاجة إلى النمو، من هنا كان دورنا في المحافظة على الثقة، لا سيما الثقة بالليرة اللبنانية وهي أداة لتأمين النمو والاستقرار الاجتماعي. فالثقة بالليرة اللبنانية أداة لتأمين النمو والاستقرار الاجتماعي وثباتها عنوان لاستمرار دخول الدولار إلى لبنان".

وعاد إلى الهندسات المالية موضحاً أنها "سمحت بتكوين احتياطات كبيرة ورسملة للمصارف وتطبيق المعايير الدولية. والودائع بالدولار التي أخذناها من المصارف دفعنا عليها بين 6.15 و6.89 كفالة. استعمال المال العام في هذه الهندسات لم يحدث بل استفادت الدولة من هندسات مصرف لبنان ما قيمته 800 مليون دولار بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) من هذه السنة. وارتفعت الاحتياطات بالعملات مليارَي دولار لكن إدراج أحد المصارف (جمال تراست بنك) على لائحة أوفاك انعكس سحوبات كبيرة بما يساوي سحوبات السنوات الثلاث الأخيرة، ولاحظنا ارتفاعاً للدولار في سوق الصيرفة، وادخاراً للأوراق النقدية في المنازل، بما يساوي ثلاثة مليارات دولار انسحبت من القطاع المصرفي، فاقتصاد لبنان حر حيث حرية التداول بكل السلع ومنها النقدي". وعن إنجازات مصرف لبنان عدد سلامة بعضها، "أمّنا دعماً للقروض السكنية والصناعة والسياحة بالمليارات، وللطاقة البديلة وأخرى بيئية، وسنحافظ اليوم على استقرار سعر صرف الليرة بالسعر الذي أعلنه مصرف لبنان وهناك فرق بينه وبين الصرافين نتيجة العرض والطلب والمصرف لا يتعاطى بعمل السوق الموازية. هدفنا حماية الودائع في لبنان، واتخذنا الإجراءات لتجنيب المودعين الخسائر. وطلبنا من المصارف السماح للزبائن بتسديد ديونهم بالليرة اللبنانية. مصرف لبنان أصدر تعميماً سمح بتلبية الحاجات بالدولار لاستيراد ما يتعلّق بالبنزين والأدوية والقمح. الودائع مؤمنة والمصارف في لبنان لديها أموال موظفة في الخارج، ومع الدولة ومع القطاع الخاص وكلفة ديون القطاع الخاص من المصارف تساوي 10 في المئة من حجم الاقتصاد. طلبنا من المصارف أن تعقد اجتماعات مع جمعيتي الصناعيين والتجار للتفاهم على تأمين تسهيلات في العمل". وأضاف "يجب أن نحاول في هذه الفترة تخفيض الفوائد في ظلّ إدارة السيولة حفاظاً على استمرارية المصارف. لسنا من يصرف الأموال وهذا يجب أن يكون واضحاً للجميع بل نؤمّن تمويل البلد حفاظاً على استمراريته".

وعن تبييض الأموال قال "مصرف لبنان وضع الشبكة الأساسية التي حمت سمعة البلد واطّلع على عدة ملفات تتعلق بالفساد وتبييض الأموال، وأؤكد أن ما يُحكى عن إمكانية تقييد التحاويل بشكلٍ قانوني في لبنان أمر غير وارد. ولن يحصل haircut  فلا صلاحية قانونية لذلك".

وعن ملاءة مصرف لبنان كشف أن "الاحتياط الموجود في مصرف لبنان من دون الذهب هو 38 مليار دولار بما فيه "اليوروبوند"، واستثمارات المصرف المركزي والقدرة النقدية بالوقت الحاضر هي بحدود 30 مليار دولار". ولم يعف سلامة الحكومة من مسؤولياتها، فقال "نأمل في إصلاحات أساسية في الخدمات من كهرباء وماء وبيئة وغيرها، وإعادة تفعيل القطاع الخاص، وإحداث شراكة مع القطاع العام. مصرف لبنان هو مصرف يحاول حماية لبنان بظروف صعبة بالمنطقة وهي خارجة عن إرادة مصرف لبنان، وبدوري أنفذ سياسة تخدم مصلحة لبنان واللبنانيين".