حزب الله والمثال الحمساوي... استحالة خيار حكومة اللون الواحد في لبنان

نصر الله يخطط لبقاء الحريري المستقيل كمرشح للحكومة الجديدة ورحيل باسيل كاستجابة لبعض مطالب الشارع ولأغراض أخرى

اتهام الحراك الثوري في لبنان حزب الله بعرقلة قيام الدولة أربك خطاب الأمين العام (أ.ف.ب)

العفوية والشعارات المطلبية والعناوين المحقة في محاربة الفساد التي رفعتها الانتفاضة اللبنانية أسهمت في رسم الموقف الذي أعلنه أمين عام حزب الله في أول خطاب له، وفرضت عليه التعامل معها بإيجابية في محاولة لاستيعابها والترويج على أنها من لون الشعارات التي طرحها الحزب فيما مضى لمحاربة الفساد، وشكّلت أحد عناوين معركته الانتخابية قبل سنة ونصف السنة.
إلا أن حجم الحراك وخروجه عن مفردات التعامل الذي دأبت القوى السياسية التعامل معه في القضايا والأزمات اللبنانية، إضافة الى تسرع بعض الأطراف التي فشلت أيضا في قضم حصة لها في هذا الحراك برفع شعارات مباشرة تستهدف سلاح الحزب ودوره السلبي في عرقلة قيام الدولة، أصاب خطاب الأمين العام بالإرباك، فبين أن يستمر في تأييد الانتفاضة واعتبارها محقة ونظيفة وبين خوفه من الشعارات التي تستهدفه، ذهب إلى خيار التفتيش عن الدعم الخارجي لهذه الانتفاضة وربطها بنشاط وأجندات بعض السفارات خصوصا الأميركية خدمة للمشروع الإسرائيلي المعادي للحزب ومحور الممتد من إيران مرورا بالعراق وصولا إلى سوريا ولبنان.

هذه التطورات فرضت على الحزب إعادة ترتيب أولوياته في التعاطي والتعامل مع الحدث الشعبي والحراك المطلبي والأبعاد السياسية التي ترافقه، وفتحت جدلا داخليا يقوم على ضرورة التأكيد على الاستمرار بتأييد الحراك المطلبي الذي يعتبر مكملا للشعارات التي رفعها الحزب، أي تبني هذه الشعارات وعدم الدخول في صدام أو عداء مع الحراك، إلى جانب التأكيد على التمييز بين الأهداف المحقة للطبقات الفقيرة والمتوسطة التي تعتبر الأكثر تضررا من السياسية المالية والاقتصادية للدولة والمتضرر الأكبر من عمليات الفساد والنهب المنظم الذي مارسه أطراف السلطة، وبين الأبعاد السياسية التي تتركز على دوره وسلاحه ومحاولة استبعاده أو إخراجه من المشاركة في السلطة من خلال طرح شعار "حكومة تكنوقراط"، وهو هدف لم تتردد بعض الأطراف المشاركة في الحراك والانتفاضة من الافصاح عنه بشكل مباشر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعتبر الحزب أن الهدف من هذه الشعارات والمواقف التي تعتبره العائق الأساس أمام النهوض بلبنان ودولته، واعتبار سلاحه حائلا دون الانفتاح الدولي والمساعدات التي يعد بها لإنقاذ الاقتصاد اللبناني، الهدف منها هو استدراج الحزب للانتقال إلى الخيار الذي تحدث عنه أمينه العام حول "النزول إلى الشارع"، وما اعتبرته هذه الأطراف من أنه يحمل تهديدا بالسيطرة على لبنان. ما دفع الحزب وأمينه العام لإعادة النظر بهذا الموقف ومحاولة إبعاده عن صدارة موافقهم وخياراتهم.

ويعتقد الحزب أن ما يتعرض له يشكل هدفا أميركيا وإسرائيليا لتوريطه في اللجوء إلى خيار النزول إلى الشارع والسيطرة على مقاليد الأمور والسلطة، بحيث يسهل عملية محاصرته من خلال فرض عقوبات اقتصادية خانقة ضد لبنان بسبب خضوعه لسيطرة هذه الجماعة، ما يجعله في مواجهة مباشرة مع القوى السياسية التي لن تسمح بذلك وستعمد للتصدي لهذا "الانقلاب" وبالتالي يصبح في مواجهة مع المجتمع اللبناني بكل مكوناته وأطيافه ومسؤولا عن كل الأزمات التي ستنشأ عن ذلك.

ولا تتردد قيادة الحزب في استحضار تجربة حركة حماس في قطاع غزة يونيو (حزيران) 2007 عندما انقلبت على السلطة الفلسطينية وحركة فتح وأعلنت سيطرتها على القطاع وإقامة حكومتها المستقلة عن رام الله، ما تسبب في فرض حصار فلسطيني وعربي ودولي ضدها وحوّلها إلى هدف للعديد من العمليات العسكرية الإسرائيلية في ظل فشل كل محاولات الحوار مع السلطة.

انطلاقا من هذه المخاوف والجدليات، يأتي إصرار الحزب على الاحتفاظ برئيس الوزراء المستقيل سعد الدين الحريري كمرشح لتولي تشكيل الحكومة الجديدة، والإصرار على أن تكون حكومة "تكنوسياسي" مع إعطاء الضوء الأخضر لإمكانية خروج رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية جبران باسيل منها كاستجابة لبعض مطالب الشارع وإرضاء لبعض الأطراف السياسية مقابل مشاركتها في هذه الحكومة التي تبعد عنه شبح الذهاب إلى خيار "حكومة اللون الواحد" التي قد تشكل مدخلا لاستعادة المثال الحمساوي، الذي يعتبر خيارا مؤجلا إنْ لم يكن مستبعدا في هذه المرحلة التي تمر بها المنطقة من حالة "انعدام الوزن" بانتظار التسويات الإقليمية ومآلاتها.

المزيد من تحلیل