القضاة الفلسطينيون يخوضون معركة "الدفاع عن حقهم في التعبير عن الرأي"

تحويل القاضي أحمد الأشقر إلى المجلس التأديبي على خلفية نشره مقالاً والقاضي المُكلف يتنحى

مجلس القضاء الأعلى الفلسطيني يدعو إلى حرية رأي القضاة شرط عدم المساس بهيبة القضاء وحيادته (وكالة وفا)

هل يُعتبر القضاة كغيرهم من المواطنين من حيث الواجبات والحقوق، ومن ضمنها الحق في حرية الرأي والتعبير، أم أن وظيفتهم تفرض عليهم عدم التعليق على الشؤون العامة والسياسية؟

ذلك التساؤل أثاره تحويل القاضي الفلسطيني في محكمة الصلح أحمد الأشقر إلى المجلس التأديبي على خلفية نشره مقالاً للرأي في الأول من أبريل (نيسان) الماضي، انتقد فيه حكومة رامي الحمد الله.

المجلس التأديبي

ولم يكن هذا القرار الأول من نوعه، فقد سبقه العديد من القرارات الصادرة عن المجالس القضائية المتعاقبة، بملاحقة بعض القضاة بمن فيهم قضاة في المحكمة العليا، على خلفية التعبير عن آرائهم في الشؤون العامة.

ومع أن قرار تحويل الأشقر إلى المجلس التأديبي بقي محفوظاً في الأدراج، إلاّ أنّ نشره مقالاً آخر قبل أسابيع عدة انتقد فيه الحكومة، دفع مجلس القضاء الأعلى الانتقالي الحالي إلى تنفيذ القرار.

 وبعد وقت قصير من بدء جلسة المجلس التأديبي، أعلن رئيس الجلسة القاضي في المحكمة العليا عبد الله غزلان تنحيه عن النظر في الدعوى التأديبية بحق زميله الأشقر.

وعلّل غزلان قراره بارتباط المسألة "بحرية الرأي والتعبير"، علماً أنّ غزلان نفسه قد قدّمت ضده دعوى تأديبية بسبب مقالات له تتعلق بإصلاح المنظومة القضائية.

صون حرية الرأي

هذا وقال مسؤول رفيع في مجلس القضاء الأعلى الانتقالي لـ"اندبندنت عربية" إن "قرار تحويل الأشقر إلى المجلس التأديبي جاء بسبب منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي، التي انتقد فيها الحكومة الفلسطينية"، مؤكداً على صون حرية الرأي والتعبير للقضاة، لكن ضمن ضوابط.

وأضاف المسؤول الذي رفض الكشف عن اسمه، "هذه الضوابط تتضمن عدم المساس بهيبة القضاء وهيبة القاضي"، مشدداً على ضرورة أن يكون القاضي محايداً لأنه من المحتمل أن ينظر في قضية أبدى فيها رأياً مسبقاً على الملأ.

وتابع "من الممكن أن يحاكم القاضي وزيراً في حكومة كان القاضي نفسه قد انتقدها وهذا من غير المقبول وقوعه".

وأعلن المسؤول أن مجلساً تأديبياً جديداً سيُشكل للنظر في قضية القاضي الأشقر بعضوية أقدم قاضيين في المحكمة العليا وأقدم قاضِ في محكمة الاستئناف.

مؤسسات حقوقية ترفض

لكن مؤسسات حقوقية ومدافعة عن حقوق الإنسان رفضت الإجراءات ضد القاضي الأشقر، وقالت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان إن "حرية الرأي والتعبير حق مكتسب للفلسطينيين كافة على اختلاف مراكزهم القانونية والاجتماعية والاقتصادية بمن فيهم القضاة"، مطالبةً بضرورة وقف أي إجراءات أو ملاحقات للقضاة على خلفية ما يكتبونه في الشؤون العامة. وأوضحت أن "ملاحقتهم تتعارض مع القانون الأساسي (الدستور الفلسطيني)"، ومدونة السلوك القضائي ومع المعايير الدولية ذات العلاقة.

ودعت الهيئة إلى إفساح المجال أمام جميع القضاة للتعبير بحرية، وإلى تعديل مدونة السلوك القضائي بما يكفل حق القضاة في التعبير عن الرأي وفي تكوين الجمعيات، وعدم إخضاع ممارسة هذه الحقوق إلاّ للقيود التي حددتها المعايير الدولية، لا سيما مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية لعان 1985.

احترام المعاهدات

ومع أن قانون السلطة القضائية يمنع القضاة من الانضمام إلى الأحزاب السياسية وعدم القيام بأي عمل لا يتفق وسلامة القضاء وكرامته، لكنه لم يمنعهم من التعبير عن آرائهم.

وقال المستشار القانوني لمؤسسة الحق عصام عابدين لـ"اندبندنت عربية"، "حرية الرأي والتعبير حق مقدّس للجميع بمن فيهم القضاة بموجب القانون الأساسي الفلسطيني والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين، خصوصاً العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

وشدّد عابدين على ضرورة احترام تلك المعاهدات وأن تعلو فوق القوانين المحلية، معتبراً أنه لا يصح أن يحرص القاضي على حماية حقوق الإنسان وحرية الرأي، وهو نفسه لا يتمتع بها. وأوضح عابدين قائلاً "من واجب القاضي عدم إبداء الرأي في القضية المنظورة أمامه، لكن مصادرة حرية التعبير للقضاة بذريعة أن القاضي يمكن أن ينظر بقضية عبّر عن رأيه فيها، مساسٌ بسيادة القانون واستقلال القضاة، والقانون يعالج هذه المسألة من باب التنحي والرد".

إلغاء التعميمات

وطالب عابدين بإلغاء كل التعميمات السابقة والحالية في مجلس القضاء الأعلى، التي "تنتهك حرية الرأي والتعبير"، داعياً إلى الالتزام بالمعايير والمبادئ الدولية.

ورأى أنه من غير المقبول استخدام مصطلحات عامة وفضفاضة "كالحفاظ على استقلال القضاء وهيبته"، وذلك بهدف "تكميم الأفواه"، مؤكداً أن استخدام تلك المصطلحات يخضع "إلى الاجتهاد الشخصي وليس إلى المبادئ والمعايير الدولية لاستقلال السلطة القضائية، التي تشدّد على حرية الرأي والتعبير للقضاة".

ونوه عابدين إلى أن "هناك فرقاً بين أن تكون عضواً في حزب سياسي وأن تبدي رأيك في الشأن العام"، وأرجع سبب رفض مجلس القضاء الأعلى لحرية القضاة في التعبير، إلى انتمائهم إلى عقليات كانت سائدة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

وأحيل الأشقر إلى دائرة التفتيش القضائي منذ شهر أبريل 2019، وقال في منشور له على "الفيسبوك"، إن إحالته جاءت على خلفية مقال نشره بعنوان "حتى لا تحصل مأسسة انتهاكات حقوق الإنسان... أيّ مساءلة نريد؟"، مطالباً فيه بوقف انتهاكات حقوق الإنسان، وإنصاف الضحايا والمتضررين، وتطبيق مبدأ سيادة القانون، ومراجعة قرارات الحكومة الفلسطينية السابقة.