حكومة الوفاق الوطني الليبية تخشى تقلص نفوذها بعد عمليات الجيش

منذ دخول قوات الجيش إلى مدينة سبها، عاصمة الجنوب (750 كم جنوب طرابلس) في 17 يناير (كانون الثاني) الماضي، سارعت حكومة الوفاق الوطني إلى التنديد بهذا التغيير والتحذير من مغبّته على المنطقة كلها

أفراد من الجيش الوطني الليبي في الجنوب (إندبندنت عربية)

مع تقدّم قوات الجيش الوطني الليبي في المنطقة الجنوبية من البلاد، تتأرجح حكومة الوفاق الوطني في مواقفها من هذا التطور، الذي قد يفقدها السيطرة على مساحة كبيرة من البلاد، كما سيُفْقِدُها حقلَيْ النفط في الجنوب، وهما حقلا الفيل والشرارة، اللذان يُنتجان حوالي 300 ألف برميل من النفط يومياً.
دخول الجيش إلى الجنوب
منذ دخول قوات الجيش إلى مدينة سبها، عاصمة الجنوب (750 كم جنوب طرابلس) في 17 يناير (كانون الثاني) الماضي، سارعت حكومة الوفاق الوطني إلى التنديد بهذا التغيير والتحذير من مغبّته على المنطقة كلها، واعتمدت في ذلك على الاختلافات القبلية التي تزخرُ بها المدينة منذ سنوات. لكن ذلك لم يحدث، كما توقع كثير من المتضررين من حراك الجيش في الجنوب. إذ سلّمت جميع الكتائب المحلية في سبها مقارّها إلى القوات المسلحة وانضمت إليها.
وشرع المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في تتبع أحداث المدينة ويومياتها تحت سيادة الجيش، الذي ما إن نجح في تأمينها وتفعيل أجهزتها المحلية حتى تحرك باتجاه مدن جنوب سبها، التي لم تكن بعدُ مستعدةً لاستقباله بالحماسة نفسها التي استقبلته بها مدينة سبها وأهلها. فمدن الجنوب كانت تعجُ بالمجموعات المسلحة المختلفة، المحلية والأجنبية، كما أنها لم تحدد موقفاً نهائياً في شأن تبعيتها إلى الحكومة الليبية الموقّتة في شرق البلاد، أو إلى حكومة الوفاق الوطني في طرابلس.


اختلاف في تقويم المشهد
وجدت حكومة طرابلس الفرصة لكي تخلط الأوراق وتعرقل تقدم قوات الجيش الليبي أو تعرقلها عن تحقيق انتصارات جديدةٍ في الجنوب، وبدأت من مرزق (140كم جنوب غربي سبها)، التي كانت المحطة الثانية لعمليات الجيش. إذ لم تستسغ قبائل التبو أن تتقدم نحوها قوات الجيش، وهي تضم بين كتائبها جنوداً من قبائل غير متصالحة معها، كأولاد سليمان والزوية. ورأت التبو أن ذلك يأتي في إطار التصفية العرقية التي تستهدفها. 

في المقابل، لا تنظرُ قيادة الجيش إلى هذا الأمر مثلما تنظر التبو إليه، وترى أن جنودها يُمثّلون مؤسسة عسكريةً لا القبائل، وبذلك تنْتفي ذريعة الكتائب القبلية ويصبح لِزاماً على التبو الانضمام إلى الجيش والتعاون معه. هذا الرأي تعززه لدى الجيش أحداث سبها، التي تعاون فيها التبو المقيمون مع الجيش وانضموا إليه في كل تحركاته التي دارت في مناطق القبائل على تخوم المدينة، كما يعززه كون التبو أول من انضم إلى عملية الكرامة التي أطلقها الجيش في المنطقة الشرقية في مايو (أيار) 2014.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


هذا الاختلاف استغلته حكومة الوفاق الوطني، التي أسبغت الشرعية على كتائب في مرزق، وأغدقتْ عليها الأموال، حتى تظهر الحرب كأنها بين قوات الجيش وقوات حكومة الوفاق، وهذا ما يمنح هامشاً جيداً من المناورة لطرابلس، كما يُربْكُ المشهد الجنوبي بعد انتشار دعاية التصفية العرقية والكتائب القبلية.
ووقع الاشتباك على مشارف مدينة مرزق، قالت قوات الجيش إنه مع جماعات تشادية مسلحة كانت تعيثُ في الجنوب فساداً وخطفاً، في حين تقول قوات التبو من داخل مرزق إنه اشتباك يستهدف وجودها لكونه مكوناً اجتماعياً في المنطقة. وتضيف أنه اشتباك بين القوات المسلحة وقوات حكومة الوفاق الوطني.
الوفاق تفشل في تحشيد موقف دولي
على الخط العسكري نفسه، سارت جهود حكومة الوفاق الوطني إلى تحشيد رأيٍ عام دولي رافض عملية الجيش، عن طريق تسويق فكرة التصفية العرقية، ونظرية الاختلافات القبلية التي قد تؤدي إلى حرب أهلية في الجنوب. لكن الدول الفاعلة في المشهد الليبي ترى غير ذلك. ففرنسا، حليفة الجيش، تعتقد أن الجنوب أصبح مصدراً للقلق، خصوصاً بعدما صار وجهة للجماعات الإسلامية المتشددة الفارة من الشمال أو من مالي وغيرهما من بلدان الصحراء. هذه الجماعات إذا تُرِكتْ حرةً، فقد تتمدد وتتوسع في عملياتها، لذا ساندت فرنسا عمليات الجيش الليبي. والحال أن فرنسا تتعامل بحزم مع الجماعات الأجنبية المسلحة المناوئة لحفتر في الجنوب، إذ نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن الجيش الفرنسي تأكيده أن مقاتلات تابعة له قصفت رتلاً عسكرياً داخل الأراضي التشادية، مؤكداً أن هذه الضربة جاءت بناءً على طلب حكومة الرئيس التشادي إدريس ديبي وبالتنسيق مع القوات التشادية.
أما إيطاليا فلم تبدِ مواقف واضحة في شأن تحركات الجيش في الجنوب، غير أن هذه التحركات قد تساعد إيطاليا على التخفيف من أعداد المهاجرين أو وقفها عبر الجنوب إلى أوروبا، وهما هاجسان لم تستطع معالجتهما على الرغم من كل محاولاتها مع حكومة الوفاق والمجموعات المحلية في الجنوب، لذلك لم تتدخل بشكل مباشر في الأحداث الماضية.
في موازاة ذلك تترقب الدول الإقليمية المجاورة لليبيا ما قد تسفر عنه الإضطرابات في الجنوب، لكن بعضها اتخذ موقفاً واضحاً داعماً للجيش، مثل مصر وتشاد. وترى مصر سقوطَ الجنوب في يد الجيش مكسباً مهماً سيضعف سلطة الإخوان المتمكنين في طرابلس، في حين تسعى تشاد إلى إضعاف المعارضة المسلحة التي لطالما أقلقتها على مدى سنوات طويلة.


يأسٌ وعودة إلى العمل العسكري
وربما يأس حكومة الوفاق الوطني من تدخلٍ أو ضغط دولي على قوات الجيش دفعها إلى زيادة تعاطيها بشكلٍ مباشر مع الوضع في الجنوب، فأصْدر السراج قراراً قضى بتوجيه قوةٍ عسكريةٍ بقيادة وزير الدفاع السابق أسامة أجويلي إلى الجنوب، تلك القوة المنتشرة الآن في منطقة إدري الشاطئ (130كم شمال غربي سبها)، ولكنها لم تتقدم أكثر من ذلك، إذ تقدمت وحدات من الجيش باتجاه أوباري لتعلن سيطرتها على المدينة والحقول النفطية القريبة منها، على الرغم من تعيين حكومة الوفاق للعسكري السابق في نظام القذافي علي كنه آمراً على منطقة الجنوب العسكرية، في محاولة يائسة لمنع حفتر من السيطرة كلياً على أوباري، لكن هذا القرار لم يلقَ ترحيباً محلياً بسبب التوقيت الذي صدر فيه. ولكون الأهالي هناك يدعمون وجود الجيش أصبح خيار تقدم قوات الوفاق من إدري الشاطئ صعباً، وقد تمكث هناك بانتظار أن تسنح لها فرصة التوغل وتغيير المشهد لصالحها إذا لم تستهدفها طائرات الجيش.
هنا عادت الأنظار باتجاه مرزق التي تتواصل على تخومها الاشتباكات بين القوات المدعومة من حكومة الوفاق والجيش. هناك ظهرت أصوات قوية تُنادي بالتفاوض مع أهالي المدينة لدخولها سلمياً، لكن التيار العسكري داخلها يرفض ذلك تماماً، مستنداً إلى موقف حكومة الوفاق التي ترى في سقوط مرزق نهايةً لسيطرتها في الجنوب وزيادةً في تضييق الخِناق حول طرابلس، وهو ما يهدد بسقوط الحكومة المعترف بها دولياً، أو يهدد بسحب الاعتراف بها وتالياً التمهيد لسحب شرعيتها والدخول في ترتيبات جديدة قد تستثنيها من المشهد السياسي في ليبيا.
 

هل يكون الصراع بداية النهاية للوفاق؟
الصراع بين الجيش وحكومة الوفاق الوطني في الفترة السابقة لدخول الجيش إلى الجنوب ظل فاتراً مدة طويلة، واقتصر على حرب إعلامية وبناء التحالفات، كما اتسم بتكرار اللقاءات بين قائد الجيش ورئيس الحكومة في باريس وباليرمو وغيرهما في محاولات لتقريب وجهات النظر، لكنه الآن يشهد تطوراً لافتاً زاد من الضغط على حكومة الوفاق الوطني التي تتمتع بالاعتراف الدولي، إلا أن سلطتها على الأرض تتقلص يومياً بسبب تمدد نفوذ الجيش ووصوله إلى منابع النفط شرقاً وجنوباً، هنا يصبح مستقبل الحكومة التي جاءت نتيجة توافقات الصخيرات عام 2016 مجهولاً إلى حد كبير.

المزيد من العالم العربي