سوريا... السجاد اليدوي ينازع للبقاء و"النول" الخشبي على طريق الاندثار

اشتهرت هذه الصناعة في دمشق وحلب وحماة وإدلب واللاذقية

حرفي في دمشق يلاعب بأنامله الخيوط الصوفية منتجاً أنواعاً وأشكالاً من السجاد (اندبندنت عربية)

يحلّ فصل الشتاء ضيفاً ثقيلاً على السوريين هذا الموسم، يدخلون معه في رهان خاسر على دفء متواتر يقض مضجع الناس بشتاء قارس، كل ذلك يأتي وسط تقنين بتوزيع مواد التدفئة من قبل الحكومة، وصلت لمئة ليتر من مادة المازوت لكل عائلة. يتجهون لافتراش أرضيات بيوتهم بالسجاد، كما العادة علّها تمنحهم شيئاً من دفء مفقود كان ينبعث من دون توقف من مدافئ السوريين قبل الحرب، هو السجاد المصنوع من الصوف أو القطن، وأكثره منسوج بالآلات الحديثة وبمعامل ضخمة عرّابها الأول الآلة.

في وقت يغبط السوريون من يملك نوعاً من السجاد صُنع بطريقة تقليدية قديمة لأنها بالحقيقة ثروة بحد ذاتها، فعدا عن جودة (السجاد) ومتانة صناعته، إلا أنه يبرز كتراث لا يقدر بثمن مع نضوب وشحّ المنتجين لهذا النوع من الأعمال اليدوية.

الخيوط المتشابكة

على الرغم من كثرة خيوط الصوف المرتبة والمصفوفة بانتظام على "النول" الخشبي القديم، وهو ما يطلق بالعامية على آلة صناعة السجاد اليدوي، كان لا بدّ من أن تتشابك مع كل حركة يؤديها آخر صانعي السجاد القديم في دمشق. حركات منتظمة وواثبة لليد اليمنى الممسكة بـ (المكوك) وهي إحدى أدوات عمل الحرفي المنتظمة والمتماهية مع حركة القدمين، أخذ العم غسان يقلّب فيها الخيوط مبدعاً لوحة فنية مصنوعة من الصوف.

صوت "النول"

اعتاد هذا الحرفي على صوت (النول) واحتكاك أضلعه الخشبية بعضها ببعض كعصفور يشدو في كل صباح، لا يقطع معه الأمل أن يبقى يعمل بكل طاقته وهو في العقد السادس من عمره. هنا في التكية السليمانية بدمشق، وبيده الماهرة، لا يفارق الحرفي غسان وردة، ورشته المتواضعة، يجلس متصدراً مشغله الخشبي القديم، ويلاعب بأنامله الخيوط الصوفية منتجاً أنواعاً وأشكالاً من السجاد مثّلت على الدوام تحفاً فنية يرمقها الناظر إليها بعين الإعجاب لما تمثل هذه السجاجيد من إبداعات تراثية وجدت طريقها إلى قلوب السائحين على الرغم من تراجع عددهم إبان الحرب التي تعيشها سوريا.

تحديات عدة تواجه الحرفي وردة، خصوصاً أن وتسويق أعماله تعتمد على الزائرين من السياح حتى قبل عام 2011 واندلاع الصراع المسلح الدائر بالبلاد، فضلاً عن التحديات الأخرى، وبدت بعد ارتفاع تكاليف الإنتاج والمواد التي تدخل في حرفته "تأمين المواد بات صعباً جداً ولم يعد يصنّع هذا النوع من السجاد سوى أنا في دمشق ويوجد نول خشبي قديم آخر في مدينة حلب، الشمال السوري".

الحاجة الضئيلة

يرتب الحرفي وردة أعماله البسيطة والضئيلة بشكل بطيء، فهو لم يعد كما السابق، ينتج الكميات الكبيرة للأجانب الزائرين للبلد بعد أن تغمرهم سعادة مشاهدة تُحفه الفنية المصنوعة من الصوف أو الحرير "نصنع السجاد من الصوف أو القطن أو حتى من الحرير، والحرير لم يعد متوفراً" يقول الحرفي وردة. في المقابل، ثمن السجادة اليدوية مرتفع جداً مقارنة بالسجادة العادية والمصنوعة بالطريقة الحديثة، وهذه القطع، وإن أبدى آخر فرسان الحرفة رغبة بانتشار منتجاته، إلا أنه يصنعها اليوم لأناس محددين يعشقون التراث ويطلبون القطع الصغيرة بعد غلاء سعرها، وأكثر من يطلب منتجاته هم من عاشقي التراث.

ويعيد هذا الحرفي النفخ في روح "النول" القديم ويبعث فيه الحياة من دون توقف، كي لا تموت حرفته، وتندثر، كما لاقت حرف يدوية مثيلة لها انقرضت منذ زمن، في حين أجهزت الحرب على ما تبقى منها. ولا يرى أحد الصناعيين في مجال السجاد الحديث، عبد المجيد عمران، مجالاً للمقارنة بين هذين النوعين، فعلى الرغم من كلامه الممزوج بإيجابية بحق المنتجات الحديثة التي تتميز بمساحاتها الواسعة ورسومها المتعددة، إلا أنه لا يخفي تفوق السجاد اليدوي وجودته على ما يصنع حديثاً، وعن أسعار السجاد يقول "ترتفع قيمة السجاد هذا العام بسبب الغلاء وتتباين الأسعار وفقاً لمواصفات كل قطعة من السجاد".

ويتابع عمران "لا توجد قطعة يقل سعرها عن 50 ألف ليرة سورية أي حوالى 100 دولار أميركي، وترتفع بحسب الجودة حتى تصل إلى 100 ألف ليرة سورية، أما السجاد المصنوع بجودة عالية فلك أن تتحدث عن أسعار تتجاوز حاجز 300 ألف ليرة سورية".

وداعاً لليدوي

اشتهرت صناعة السجاجيد اليدوية في محافظات سورية عدة، منها حلب وحماة وإدلب واللاذقية إضافة إلى دمشق، وتفوقت هذه المحافظات بحياكة أجود أنواع الصوف وإدخال الألوان بين الأحمر والأزرق بكثافة عالية. ويلوّح الحرفي وردة ممسكاً بيده أداة خشبية تسمى "المكوك" ويقول يوجد مثل شعبي "يأتي ويذهب... كالمكوك الحايك"، وهو مثل يقال للشخص الذي يأتي ويروح بشكل مستمر، وهذا تفسير أن هذه القطعة الخشبية، ونقصد بها المكوك يأخذها الحرفي بيده ليدير بها الخطوط ويرسمها على رقعة الخطوط الصوفية أمامه.

ويجهد الحرفيون ببذل وقت كبير وشاق، وهو وقت مضاعف لتحضير المواد اللازمة والألوان وأحجام ومقاسات العمل، وهذا ما يفسر عزوف الحرفيين الشبان عن العمل في هذه الحرفة المتعبة وذات التكاليف المرتفعة.

في غضون ذلك، تلاحظ الهيئات الحرفية والثقافية المهتمة بالتراث المادي للعاصمة السورية هذا العزوف من الشبان على تعلم وإتقان الحرفة، فقامت بالدفع نحو إقامة دورات مهنية وتأهيلية لكنها قليلة ونادرة، وبحسب المهتمين بالتراث، لا تصنع هذه الدورات، على الرغم من أهميتها حرفياً يكمل ما صنعه الآباء والأجداد من تراث يعتدّ به لأنها تحتاج إلى استمرار ومواظبة، وتشجيع الاحتراف بهذه الأعمال والحرف التراثية، والتي إن فقدت، بحسب وصفهم، لن تعوض ولن تتكرر مع مرور الزمن.