بريطانيا مثل إيرلندا الشمالية تفضل القومية على المصالح الاقتصادية

يشعر مؤيدو البقاء في الاتحاد الاوروبي ومعارضوه على حد سواء بيقين بأن الإفراط في القومية "لا يمكن أن يحدث هنا". لكن في إيرلندا الشمالية، وهي التي كانت تسمى بـ "العشوائية السياسية لجون بول،" هذا ما جرى فعلياً على مدى العقد الاخير

مسيرة مؤيدة للبقاء في الاتحاد الاوروبي وسط لندن (أ.ف.ب.)

يوما بعد يوم تصبح بريطانيا أكثر فأكثر مثل إيرلندا الشمالية. وهذا قد يكون عزاءً لأرلين فوستر والحزب الديموقراطي الوحدوي، وهما يتأسفان على خيانة بوريس جونسون لهما حول حدود إيرلندا الشمالية.

ولطالما هيمنت الأجندات المتنافسة للقوميين الكاثوليك الأيرلنديين والمجموعات الوحدوية البروتستانتية على المشهد السياسي في إيرلندا الشمالية. وفي الواقع فإن الحزب الديموقراطي الوحدوي و"الشين فين" كلاهما حزبان قوميان، على الرغم من أن الأول لا يرى أن ثمة "نزعة قومية" في نسخته من الهوية البريطانية التي تعتز بالعلم البريطاني.

ولكن هناك دروساً يجب أن تُستقى من إيرلندا الشمالية حيث أصبحت المغالاة في النزعة القومية أمرا سائداً. ففي الانتخابات العامة القادمة تحظى الأحزاب القومية لأول مرة في تاريخ بريطانيا بفرصة جيدة لتحقيق فوز كاسح في المملكة المتحدة برمتها. فحزب المحافظين بقيادة بوريس جونسون تحول إلى حزب قومي إنجليزي سياسته الرئيسية هي السعي إلى تقرير المصير من خلال الخروج من الاتحاد الأوروبي. أما الحزب القومي الأسكتلندي فيرجح أن يفوز بغالبية مقاعد البرلمان في اسكوتلندا. وفي ويلز سيختار 41 في المئة من الناخبين استقلال ويلز داخل الاتحاد الأوروبي.

ولا يجافي السعي لتقرير المصير الصواب، إذ من الغرائز الإنسانية الطبيعية أن يسعى الانسان للتحكم في مستقبله سواء نحو الأحسن أو الأسوأ. والحق مؤيدو البقاء أذى بأنفسهم حين اعتبار القومية البريطانية غير مشروعة بشكل أو بآخر لأنها مشوبة بالعنصرية والإمبريالية، وبالتالي ليس لديها ما يعتد به مقارنةً مع القومية الكردية أو الفيتنامية. كما أن الليبراليين واليساريين غالباً ما ينظرون إلى القومية البريطانية على أنها تهرب من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية بدافع الحنين إلى عالم كيبلينغ (زمن الانتداب البريطاني في الهند كما صوّره الكاتب روديارد كيبلينغ). وقد يكون أو لا يكون الأمر كذلك، إلا أن تاريخ الحركات القومية يظهر أن تجاهلها ينطوي على أخطار وأنه ليس هناك ما يكفي من الدلائل لإثبات زيف الوعود القومية بتحقيق أمور جيدة في الأفق القريب.

كثيرا ما يحتار مؤيدو البقاء من فشل الدراسات المقنعة فكرياً- التي تظهر بأن بريطانيا ستكون من الناحية الاقتصادية أسوأ خارج الاتحاد الأوروبي - في التأثير على مؤيدي الخروج. وقد يعود ذلك إلى أن الدعم الأقوى للبريكست موجود في سهول ويلز التي غادرتها الصناعات وفي البلدات الساحلية الإنجليزية الفقيرة، حيث لم يلمس الناس أبدا أي منافع من عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

ومؤيدو البقاء ما كانوا ليتفاجأوا لو انتبهوا إلى أن الحركات القومية لها سجل حافل بالتعهد بحل جميع مشاكل الناس كافة بعدما يتحقق الاستقلال الوطني. فقد قاتل الناس بشراسة وماتوا من أجل هذه الأحلام في الجزائر وزيمبابوي وبغداد ومانيلا ليكتشفوا بعد حين أنهم مكنوا نخبة فاسدة من الوصول إلى السلطة واستغلالها لإغناء أنفسهم.

والسبب الذي جعل الناس تفشل في تعلم هذا الدرس الكئيب هو أن الزعماء القوميين كلهم من دون استثناء يزعمون أن أمتهم مختلفة عن الأمم الأخرى أو أنها يجب أن تكون كذلك. كما يرون أن الفشل والخيانة في البلدان الأخرى الأقل حظاً هو غير ذي أهمية أو صلة بما يحدث في بلدانهم. فالإيمان بالتميز القومي الاستثنائي قوي بصورة خاصة في إنجلترا بفضل النجاحات التاريخية المتتالية التي حققتها خلال القرنين الماضيين: فهي لم تخسر أية حرب عالمية ولم تتعرض لأي احتلال أجنبي ولا لحروب أهلية أو ثورات. فبالنسبة للكثيرين في إنجلترا خصوصا بين الكبار في السن ولدى الأجيال الأقل تعليماً، يعد ذلك أمراً طبيعياً.

وقلما يؤثر الفشل بالتزام الوعود على الزعماء القوميين لأنهم يغالون في إلقاء اللوم على الأقليات ووسائل الإعلام والدول الأجنبية. كان ذلك صحيحاً مع روبير موغابي في زيمبابوي في الماضي ومع رجب طيب أردوغان في تركيا اليوم. وعندما يفشل التهديد المفترض ضد مجموعة قومية في كم أصوات المنتقدين، يُسجن ببساطة هولاء المنتقدين أو تُصادر منابرهم الإعلامية.

 ويستهين مؤيدو بريكست بفكرة أن تلك النماذج السيئة يمكن أن تنطبق عليهم أو على بلدهم لأن جزءاً من شعارهم هو أن بريطانيا مختلفة عن سواها، بمعنى أنها متفوقة على البلدان الأخرى. إلا أنه وعلى الرغم من أن القومية الشعبوية السلطوية تكتسي أشكالاً مختلفة، فإن الطرق التي تسعى من خلالها إلى السلطة والطرق التي تمارسها بها تتشابه كثيراً، سواء كانت في الولايات المتحدة وهنغاريا وبولندا وتركيا والهند والبرازيل. والمفارقة أن مشروع البريكست يجعل البريطانيين أقل بريطانيين في وقت يسعى إلى جعلهم أكثر بريطانيين من خلال تطوير نزعة قومية تشبه النزعات القومية النمطية في بلدان أخرى.

فمؤيدو البقاء كما هم أنصار الخروج غالباً ما يخالجهم شعور راسخ بأن مثل هذا الإفراط في القومية "لن يحدث هنا". إلا أنه في إيرلندا الشمالية، وهي التي كانت تسمى "العشوائية السياسية لجون بول"، كانت مثل هذه الأحداث تقع فعلاً على مدى السنوات العشر الأخيرة. وقد يكون ثمة خلل في أداء الحكومة وقد لا تخدم إلا نفسها، غير أن الحزب الديموقراطي الوحدوي استغل التضامن الجماعي الوحدوي البروتستانتي لتسويغ إخفاقاته.

ويمكن تفسير كيف حدث ذلك بتفصيل رائع ورد في كتاب "احرق: القصة الخفية لفضيحة المال مقابل الرماد والنخبة الجديدة السرية لإيرلندا الشمالية" لمؤلفه سام ماكبرايد. وحري ألا يُنسى أن الحزب الديموقراطي الوحدوي الذي يعد الحاضنة السياسية الرئيسية لهذه النخبة، كان الحزب الذي أبقي المحافظين في السلطة بعد 2017 وأقنع أنصار الحزب الديموقراطي الوحدوي بالتصويت حتى اليوم له على الرغم من النتائج الكارثية التي حصدها.

وبدأت الفضيحة التي كانت على قاب قوسين من أن تدمر الحكومة الائتلافية في ستورمونت (برلمان إيرلندا الشمالية) بدأت بما تم تسويقه كخطة للطاقة الخضراء سميت "مبادرة التدفئة المتجددة". فاقترحت الخطة عام 2012 زعيمة الحزب الديموقراطي الوحدوي، أرلين فوستر، التي كانت آنذاك وزيرة المقاولات في إيرلندا الشمالية. وكانت النية الحميدة وراء المبادرة هي تشجيع المقاولات على الانتقال من أجهزة التدفئة التقليدية التي تعمل بالنفط والغاز إلى المدفئات العاملة بكريات الخشب المدورة الرفيقة بالبيئة. إلا أن نسخة ستارمونت للتشريع الذي تم تمريره في ويستمينستر بطريقة غامضة أغفلت الجانب المتعلق بالتحكم في الكلفة. ونتيجة لذلك كانت حكومة إيرلندا الشمالية تدفع 1.60 جنيهاً مقابل كل جنيه من الوقود الذي يحرقه أولئك الذين ساهموا في وضع الخطة التي قد تصل تكلفتها في نهاية المطاف إلى 1.2 مليار جنيه.

وفي إمكان أي شخص أن يكسب المال تلقائياً بشراء غلاية بخارية. وكانت الفنادق تفتح جميع النوافذ وتشعل نظام التدفئة إلى أقصى حد لإنتاج "المال مقابل الرماد". وقام المزارعون بتسخين المخازن الفارغة وحظائر الأبقار وكسبوا أموالا من المخطط الحكومي أكثر مما كانوا سيكسبون من زراعة الحبوب أو تربية المواشي.

بيد أنه سرعان ما كُشف عن إساءة استخدام المخطط، لكن ذلك كان قبل أربع سنوات من إيقافه. وبحلول ذلك الوقت، كانت آرلين فوستر أصبحت الوزيرة الأولى لإيرلندا الشمالية ورفضت التنحي أثناء التحقيقات، مما دفع شين فين للانسحاب من الحكومة الائتلافية التي انهارت في 2017.

في سائر المملكة المتحدة، غالباً ما يستخف بأهمية الأحداث في إيرلندا الشمالية لأنها "غير صحية" وغير ممثلة لبريطانيا. وعلى سبيل المثل، كانت النزعة القومية البريطانية المفرطة للحزب الديمقراطي الوحدوي تبدو بمثابة ردة غريبة إلى بريطانيا ما قبل 1914، وبالتالي يمكن تجاهلها من دون مخاطر تذكر. لكن على مدار العامين الماضيين كانت قيد التداول أحياناً في داونينغ ستريت وأشادت بها مجموعة البحث الأوروبي لوفائها للقيم البريطانية التقليدية.

وارتبطت القومية الشعوبية في الماضي بالنخب الفاسدة التي تستخدم المصلحة الذاتية القومية أو المجتمعية لتسويغ تغولها في النهب. ومع دخول بريطانيا عصر القومية الصاعدة، تعتبر إيرلندا الشمالية نذير شؤم على ما سيأتي.

© The Independent

المزيد من آراء