علي عبد الله صالح (34)

كان الرئيس نموذجاً إنسانياً فريداً في طريقة حكمه وادارته للشأن العام

الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح (سبأ اون لاين) 

بعد الإعلان عن تنصيب عبد ربه منصور هادي رئيساً للجمهورية في 21 فبراير (شباط) 2012 إثر 34 عاماً حكم فيها الرئيس الراحل علي عبد الله صالح اليمن منفرداً لسنوات طويلة، ارتفع سقف طموحات اليمنيين واعتبروه انتقالاً فريداً في طريق تسليم السلطة في العالم العربي، كما كان المجتمع الدولي والإقليم يتابعان العملية ويشيدان بها، خصوصاً أنها جرت بين رئيس كان الكثيرون يقدّرون أنه سيبقى حاكماً حتى يطمئن إلى انتقالها الى أحد أفراد أسرته، إلى نائب لم يكن ألصق الناس به، يتصورون أنه سيصبح رئيساً لليمن.

كان يوم 21 فبراير علامة فارقة في التاريخ السياسي في اليمن، وسيظل كذلك، وكان من المقدر له أن يكون اليوم الذي يبدأ فيه تثبيت هذا الأسلوب من انتقال السلطة، ولن أطيل الحديث الآن عمّا حدث بعده، ولكنني حتماً سأعود إلى تلك المرحلة مستقبلاً.

هكذا خرج صالح من دار الرئاسة إلى سكنه الخاص وسط فرحة خصومه وحزن أنصاره، لكنه كان قد قرر أن يستفيد من الحصانة التي منحتها المبادرة الخليجية له ولكل من عمل معه، فرتب أمر البقاء على قمة المؤتمر الشعبي العام بما يعني أن على هادي أن يقبل البقاء نائباً لصالح في التنظيم، بينما هو في مقام رئاسة الجمهورية، وكان ذلك بداية التزاحم بين الرئيس السابق والرئيس الجديد.

ليس مستغرباً أن صالح أحس بالغربة والفراغ بعد تخليه عن الحكم الذي كان بمثابة هوايته الوحيدة التي برع فيها وأسّس من خلال رئاسته، مدرسة في أسلوب التحكم في مخرجاتها وإداراتها ببراعة، ما عجز خلفه من مواصلته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان الرئيس صالح نموذجاً إنسانياً فريداً في طريقة حكمه وإدارته للشأن العام، وكان تعبيراً كاملاً للنفس البشرية بكل أنماطها وتقلبّاتها صعوداً وهبوطاً... كان في آن واحد خصماً وصديقاً، عدواً وحليفاً، كريماً ومقتراً، واضحاً وغامضاً، قاسياً ومتسامحاً، محبّاً وكارهاً، صادقاً ومخادعاً.

لقد اقتربتُ من الرئيس الراحل حدّاً تصورتُ بعفوية معه يوماً أنني أصبحت ضمن مستشاريه الأول ومن أصدقائه الأقربين، وأشهد أنه لم يؤذني يوماً ولكنه حتماً لم يكن يثق بي كثيراً، وظل حتى يوم خروجه من الحكم، يتوجّس من كل رأي أطرحه عليه أو نصيحة أتبرع بها من أجل مصلحة عامة... كنت أنتقده حد القسوة، لكنه لم يحقد يوماً علي، ولم يتخذني عدواً، بل على العكس، كان يحاول أن يقرّبني منه حتى يختبرني، ولكنني لم أكن أسعى إلى ذلك لأنني لم أكن ألهث وراء وظيفة عامة ولا مصلحة خاصة.

انقطع تواصلي المباشر مع الرئيس الراحل ولم أعد أسمع عن أخباره إلاّ عبر الدكتور الأرياني أو أصدقاء يزورونه في المناسبات، ثم فجأة تصادف وجودي في الرياض لحضور أحد مهرجانات الجنادرية بدايات شهر أبريل (نيسان) 2013، فعلمتُ أنه موجود لمتابعة علاجه من آثار محاولة قتله في جامع دار الرئاسة، اتصلتُ به عبر مرافقه الخاص وتحدثتُ معه، فدعاني إلى الغداء في اليوم التالي بجناحه في "قصر المؤتمرات"، اصطحبتُ معي الدكتور عبد الحسين شعبان، السياسي والحقوقي العراقي وتناولنا الغداء عنده، وبعدها تم التقاط صور لنا جميعاً، ثم نُشرت الصور في أحد المواقع الإخبارية وأثارت انزعاج حاشية هادي التي صارت تعتبر زيارة صالح والتواصل معه عملاً عدائياً!

لم أكن، وما زلت، لا أكترث بردود فعل الذين يخلطون بين الموقف السياسي والعلاقة الشخصية. ولذلك، كان غير مفهوم لي لماذا صارت دائرة الرئيس هادي تعتبر كل من استمر في التواصل مع الرئيس السابق خصماً، لأنها ظنت أنه من الواجب محاصرته وتقليص عدد زائريه أو الذين يتواصلون معه. لم يكن ذلك موقفاً يعنيني شخصياً، فصالح في نظري بقي إنساناً تعاملت معه لسنوات طويلة ولم يكن مقبولاً عندي أخلاقياً مقاطعة أي إنسان لمجرد أن الحاكم الجديد لا يحبه، ولقد تعاملتُ مع خصوم لصالح خلال فترات قوّته ولم أقاطعهم إرضاء له، وبقيتُ ألتقي بهم من دون تحفظ ومن دون تردد، ولم يعاتبني أو ينزعج منّي على الرغم من كل محاولات أجهزته الأمنية من إثارة الشكوك حول علاقاتي بالمعارضة والمنتقدين.

لم يدرك صالح الفوارق بين رجل الدولة والحاكم، فالأول الذي يمتلك رؤية مستقبلية لمجتمع مستقر مزدهر آمن، أما الحاكم، فيرى كل الوطن من منظوره الخاص ويصبح أمنه واستمراره، مؤشران لاستقرار الوطن، ولا شك للحظة، أنه كان يحب اليمن على طريقته وبأسلوبه وإدراكه ووفق خلفيّتَيْه الثقافية والاجتماعية.

حين يقول المدافعون عنه ومحبوه الكثيرون إن في عهده بُنيت مدارس ومستشفيات وجامعات، وشُقّت طرقات وبُنيت الجسور والأنفاق، وإن الناس كانوا يتنقّلون بيسر وأمان، وحين يقول كل هؤلاء إن في عهده كانت اليمن تتمتع بقيمة معنوية أكبر، حين يقولون كل هذا، فإنهم محقون، لكنه يغفلون عن أخطاء صالح الكبيرة التي وقعت، لأنه استمر طويلاً في الحكم منفرداً بكل السلطات، مبتعداً عن العمل المؤسسي الثابت، ولم يكن ذلك برغبة شخصية فقط ولكن لأن محيطه ومستشاريه اعتادوا على إحالة كل صغيرة وكبيرة إليه ليقرر فيها، وهو في الوقت ذاته، كان مولعاً بمتابعة حتى الأمور غير المهمة التي تستنزف وقت الحاكم وطاقته.

اعتاد كل المسؤولين كباراً وصغاراً أن تبدأ كلماتهم بنقل "تحيات فخامة الرئيس"، ثم أُضيفت فقرة جديدة هي "حفظه الله"، حتى إن كان هو نفسه لا يعلم بالمناسبة. وكانت معظم توجيهات الوزراء تبدأ بـ "بناء على توجيهات فخامة الرئيس حفظه الله"، وفي الحالين، كان الأمر نفاقاً وتزلّفاً لكن، للأسف، كانت هذه الأمور تروق له، كما كان يشير الى أسلوب حكم استبعد مسؤولية القائمين على المصالح الحكومية وأحالها إلى الرئيس، فلم يكن هناك مشروع كبير أو صغير إلاّ ويُنسب إلى "فخامته حفظه الله"، وللأسف، أن هذه العادة ما زالت مستمرة حتى يومنا.

حين فكرتُ في هذه السلسلة عن الرئيس علي عبد الله صالح بعدما نشرتُ أربع حلقات عن الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي، ثم حلقة واحدة عن الرئيس أحمد الغشمي، لم أكن أؤرخ لزمن علي عبدالله صالح، ولم أكن راغباً في عرض مواقفه التاريخية، إن كانت صحيحة أم خاطئة، ولم أكن أريد أن أبرّئ الرجل أو أوجه إليه السهام. أنا أتمنى أن تفتح تلك السلسلة نقاشا،ً بعيداً من الأحقاد والكراهية أو الحب والمغالاة، لدراسة عهود الجمهورية بحيدة وموضوعية لاستخلاص نتائجها والبحث في تجنب كوارث بعضها.

سأعود في فترات مقبلة للحديث عن الفترة الانتقالية التي عاش فيها صالح، كما سمعتها من كثيرين عاشوها معه، ولعلها ستفتح باباً واسعاً للجدل بين محبيه وناقديه.

رحم الله الرئيس علي عبد الله صالح.

المزيد من آراء