ترمب غامر في قطاع التجارة فدمر الاقتصاد

قد يحصد ما زرع في الولايات التي يحتاج أصواتها السنة المقبلة. وهو أطلق حملة تحتفي بتأمين 6 ملايين وظيفة جديدة منذ توليه منصبه. ولكن هذا العدد كان متوفراً في أعقاب الأزمة المالية في عهد سلفه باراك أوباما

حظوظ الرئيس الاميركي، دونالد ترمب، مهددة في معاقله الانتخابية (رويترز)

أضاف الاقتصاد الأميركي كما هو معروف نحو 128 ألف وظيفة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) وهو رقم لا يعتد به، وإن كان أفضل من التوقعات المجمع عليها. ومع ذلك، فإن الرقم يخفي ازدواجية غريبة في الأخبار الاقتصادية الأخيرة لا بد من أن تجعل الأميركيين يعيدون النظر خلال سنة الانتخابات.

فحال الاقتصاد الأميركي أسوأ في القطاعات- وشرائح الناس - التي سعى الرئيس دونالد ترمب لمساعدتها. والنقاش قبل نحو 6 أشهر تمحور حول ما إذا كانت "الطفرة" التي لم تكن أبداً طفرة ستساعد الرئيس في إعادة انتخابه، على الرغم من الحماقات الأخلاقية التي تهدده الآن بالعزل من منصبه. والاقتصاد يهاجمه اليوم في اللحظة الأسوأ حين لا تزال فضائح أخلاقية تهدده بالإقالة. والخبر غير السار بالنسبة إليه هو أن الأشخاص الذين يحتاجهم لإعادة انتخابه قد يأخذون منحى آخر.

ولا بد من قراءة لأخبار هذا الأسبوع ولما هو أبعد من تقرير الوظائف الذي أظهر ارتفاع معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى نحو 3.6 في المئة، ليبقى قريباً من أدنى مستوى له خلال 50 عاماً. ويشكل  قطاع التصنيع النسبة المئوية الأدنى من الناتج المحلي الإجمالي منذ نحو 70 عاماً وفق تقرير جديد صادر عن وزارة التجارة. ويعاني قطاع الصناعات التحويلية من ركود في المداخيل بحيث انخفضت أرباح الربع الثاني بنسبة 9 في المئة. أما سوق الأسهم فبدا أداؤها ضعيفاً وفق مؤشر "ستاندرد أند بورز 500" مع ظهور تقارير الربع الثالث، فيما يُتوقع تراجع أرباح الربع الأخير من السنة وفق تقدير CFRA Research المؤسسة التي تقدم أبحاثاً وتقارير تحليلية تساعد في مجال الاستثمارات والأعمال.

وفي ما يتعلق بشركات الفحم تقدمت شركة "موراي إينرجي"، وهي أكبر منتج للفحم في الولايات المتحدة، بطلب للبدء في إجراءات إشهار إفلاسها هذا الأسبوع، وهي شركة الفحم الثامنة التي تقوم بذلك في غضون سنة. وتراجعت حصة الفحم في السوق لوقود الكهرباء الأميركي بمقدار النصف، إلى نحو 24 في المئة منذ العام 2000.

والوضع ليس بأفضل في المناطق التي تُعد معقل ترمب، كما قيل لنا أنها كانت السبب في فوزه بولاية أوهايو بفارق 8 نقاط في العام 2016، وتحقيقه انتصارات ضيقة في ميشيغان وبنسلفانيا وويسكونسن. وهناك تغلق شركة "جنرال موتورز" مصنع لوردستاون بالقرب من يونغستاون في ولاية أوهايو، في وقت سُجل تراجع معدل التوظيف في الولايات الأربع جميعها هذه السنة. وكان ترمب قد دعا عمال المناجم في 2016 إلى الاستعداد للعمل بلا توقف واعداً عمال المصانع بـ "ثورة صناعية جديدة".

وتتكرر القصة نفسها في تقرير الناتج المحلي الإجمالي الذي صدر الأربعاء الماضي. فما يعرقل الأمور هو تباطؤ الاستثمار في الشركات، الفئة التي يلعب فيها المصنعون من "بوينغ" إلى "جنرال موتورز" دوراً كبيراً. فتقلص الإنفاق على المعدات بنسبة 3.8 في المئة. وتراجع كذلك الصرف على البنى الهيكلية بنسبة أكبر، ومرد ذلك جزئياً إلى أن المنصات النفطية تعتبر هياكل ضخمة مكلفة فيما سعر النفط الخام رخيص نسبيا.

الأداء سيىء للغاية، فالاستثمار الذي يمثل نحو 18في المئة من الاقتصاد كان من المفترض أن يتأثر بالتخفيض الضريبي للشركات. وفيما تعتمد شركات التصنيع مثل "كاتربيلار" و"أم 3" أيضاً على الصادرات للحفاظ على الأرباح والوظائف، تراجع صافي الصادرات عُشر نقطة من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من السنة.

ما هو العامل المشترك بين هذه القطاعات؟ كان من المفترض أن يتحسن أداؤها بناءً على سياسات ترمب التي فشلت. في الغالب، يرتبط ضعف التصنيع كالصادرات مثلا، بالسياسة التجارية. ترمب أراد عجزاً تجارياً أصغر، فعمل على رفع الرسوم الجمركية. وردّت الصين بالمثل. وحذّرت شركات مثل "جنرال موتورز" و "ألكوا" من التأثيرات (نحو ثلث شركات مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" تلقي باللوم في الأضرار التي لحقت بالأعمال على السياسة التجارية). وعندما يحدث تباطؤ في الأعمال يتجمّد الاستثمار.

وقطاع الفحم هو المثل الأكثر وضوحاً على فشل سياسة دونالد ترمب الذي كان متوقعاً. فتحت عنوان رفع القيود عن التجارة يعزّز النمو، أدى ما أقدمه عليه إلى التراجع عن "خطة الطاقة النظيفة" التي كان قد وقعها سلفه باراك أوباما للتقليل من انبعاثات الكربون التي تسبّب تغيرات مناخية.

وفي سبيل الفوز على أوباما، قرر ترمب الرهان على تقنية بائتة. ويقول تقرير صادر عن شركة "موديز إنفسترز سيرفيسز" بتهكم "شاهدنا هذا الفيلم من قبل على شريطVHS . فالفحم يمكن أن ينافس عندما تكون كلفة الغاز الطبيعي 6 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. اليوم، يكلف قرابة 2.52 دولاراً، وذلك بفضل تقنية التكسير الهيدروليكي". وقد يبيع ترمب أيضاً سيارات هوندا أكورد بمئة ألف دولار،" على ما جاء في التقرير.

وكان رد ترمب على شكاوى الشركات من خلال تغريدة قال فيها إن "الشركات تختلق الأعذار". وهذا الأسبوع، أطلق حملة إعلانية أشاد فيها باقتصاد أضاف 6 ملايين وظيفة منذ توليه منصبه.

والمشكلة هي أن الاقتصاد نفسه كان قد أضاف نحو 11.4 مليون وظيفة خلال الولاية الأولى للرئيس بيل كلينتون، وقرابة 6 ملايين وظيفة خلال الأزمة المالية في ولاية باراك أوباما الأولى. وكان الرئيس السابق أضاف ما مجموعه 16 مليون وظيفة حتى نهاية ولايته الثانية، فيما يسجل النمو تباطؤاً الآن في عهد ترمب. ولم تضف الولايات المتحدة سوى 1.57 مليون وظيفة هذه السنة، أي أقل بنحو 30 في المئة عن العام 2015.

وإذا صحّت توقعات استطلاعات الرأي، فإن المعدل الصافي للناخبين في ما يتعلق بترمب (النسبة المئوية للأشخاص الذين يؤيدون أداءه، ناقص أولئك الذين يرفضونه) هو 11.7 على المستوى الوطني، وذلك وفقاً لاستطلاع موقع "ريل كلير بوليتيكس".و في الغرب الأوسط، يتفاوت تأييده ما بين 5 نقاط في أوهايو إلى 14 في ولاية أيوا، بحسب استطلاع شركة "مورننغ كونسالت،" وفي حال أجريت الانتخابات اليوم، يتعيّن على الرئيس أن يكافح للفوز بأي من الولايات التي سجل مفاجآت فيها في 2016.

 وخلاصة ما تقدم هو أنه لن يحقق شيئاً في أي مكان إذا كان يقاوم الواقع الاقتصادي. وسيكون رائعاً لو تعلم ترمب ذلك. وفي المقابل، سيكون من الرائع أيضاً لو تواضع أكثر كلّ من المرشحين بيرني ساندرز وإليزابيث وارين في شأن قدرتهما على الالمام بالقطاعات الصناعية كلها. أما الدرس الذي سنتعلّمه قريباً فهو الثمن السياسي المترتب على مثل هذا التبجّح الاقتصادي.

© The Independent

المزيد من آراء