ما دور النظام السوري في تهريب الأموال من المصارف اللبنانية؟

لليوم الثاني القطاع المصرفي ينجح في استيعاب الازمة

نجحت المصارف اللبنانية في تجاوز محك الخوف من اهتزاز وضعها بسبب احتمال قيام المودعين بسحوبات كبيرة، وقال اليوم السبت 2-11-2019 رئيس جمعية مصارف لبنان سليم صفير "إن القطاع المصرفي لم يشهد أي تحرّكات غير عادية للأموال في أول يومين من إعادة افتتاح البنوك أمام الجمهور". المصارف فتحت امس الجمعة 1 بعد انقطاع استمر 14 يوماً على أثر الانتفاضة الشعبية وخوفاً من أعمال شغب يمكن أن تتعرض لها الفروع، فضلاً عن مخاوف تجمعت لدى القيمين على هذا القطاع من تهافت المودعين إلى سحب ودائعهم أو القيام بتحويلات إلى الخارج، من شأنها إذا ما حصلت في شكل كثيف أن تؤدي إلى هزة تصيب القطاع الذي تبلغ قيمة الودائع فيه نحو 176 مليار دولار، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي.

نجاح في استيعاب الازمة

نجحت إذاً المصارف باحتواء حركة المتعاملين في اليوم الأول من التعامل بعد الإقفال، آملة أن تحافظ العمليات المصرفية على وتيرتها في المرحلة المقبلة، على الرغم من الشكوك التي تحوط المشهد السياسي في ظل استمرار التأخير في الدعوة إلى إجراء استشارات نيابية ملزمة ينبثق منها تكليف رئيس لتشكيل الحكومة العتيدة.

ويعلل مصرفيون مخاوفهم هذه من الانعكاس السلبي للتأخير على استعادة الثقة الذي تحتاج إليه البلاد في ظل حركة استثنائية شهدتها المصارف وتمثلت بخروج رساميل كبيرة قاربت قيمتها الـ 7 مليارات دولار منذ مطلع العام الحالي، وعكستها العجوزات المتنامية في ميزان المدفوعات.

سيناريوهات التهريب

لحركة هروب الرساميل مقاربات مختلفة تختصرها مصادر اقتصادية بعبارة هروب أموال أو بالأصح تهريب أموال لأكثر من سبب وتحت أكثر من مبرر أو ذريعة، تشكل الثقة حيزاً منها.

ففي حين سجل خروج ودائع إلى مصارف أجنبية بسبب مخاوف مستثمرين محليين أو خارجيين من هشاشة الأوضاع في لبنان، كان هناك أكثر من سبب آخر أدى إلى تهريب أموال، لا سيما بالدولار الأميركي، يمكن تعدادها بالآتي:

يسجل سنوياً خروج ما يراوح بين مليار ونصف وملياري دولار إلى سوريا نتيجة العمالة السورية في لبنان والتي ارتفعت وتيرتها منذ اندلاع الحرب في سوريا، علماً أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال التي تحول إما عبر مكاتب التحويل أو نقداً عبر الحدود، لا تدخل كلها ضمن الأطر القانونية أو الشرعية التي ترعاها القوانين اللبنانية.

تسجل عملية اتجار بالعملة لتلبية حاجات السوريين من الدولار الأجنبي في مسعى للتفلت من العقوبات الأميركية، لكن لا يمكن رصد حجم هذه الأموال باعتبار أنها لا تمر عبر القنوات المصرفية بل تذهب نقداً، ومنها أيضاً ما يتم الاتجار به مع تركيا من أجل تحقيق أرباح في ظل انخفاض سعر الليرة التركية.

سجل في الآونة الأخيرة ارتفاع في حجم المدفوعات العائدة لفاتورة استيراد النفط في الأشهر الأولى من العام مقارنة مع الفترة المماثلة من العام المنصرم. إذ بلغت 3 مليارات دولار ما بين يناير (كانون الثاني) ومايو (أيار) 2019 مقابل مليار و300 مليون دولار للفترة ذاتها من عام 2018. وقد أثار هذا التفاوت الريبة حيال وجهة استعمال هذه الأموال فيما لم يزد استهلاك الكهرباء في لبنان. وقد عزي السبب إلى تهريب النفط إلى سوريا، مقابل سداد ثمنه بالدولار في لبنان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن السبب الأهم والأخطر الذي تحدثت عنه مصادر اقتصادية تعنى بعمليات نقل الأموال وتحويلها، فيعود إلى القرار الذي أصدره الرئيس السوري بشار الأسد وفيه إلزام رجال أعمال سوريين بالمساهمة بخفض عجز الميزانية السورية إلى صفر. وعلم أن هذا القرار انسحب على الأموال المودعة في المصارف اللبنانية منذ عهد الوصاية السورية وتعود إلى رجال أعمال لبنانيين وسوريين استفادوا من النفوذ السوري في حينه.

ويأتي في هذا السياق تهريب الأموال لدعم "حزب الله" وإيران في ظل التضييق وتجفيف منابع التمويل بفعل تطبيق قانون العقوبات الأميركية.

التهريب عبر حقائب الصيارفة

أما آخر محطات التهريب فبرزت من خلال ما كُشف عن عمليات نفذها صيارفة من خلال تهريب الدولارات إلى سوريا وتركيا، ما استدعى تدخل المصرف المركزي والقضاء لضبط أعمال الصيارفة وتنظيمها، خصوصاً بعدما أدى إلى تفلت سعر الدولار الأميركي لدى هؤلاء عن السعر الرسمي إلى نشوء سوق موازية للصرف.

وقد أصدر مصرف لبنان لهذه الغاية بياناً أوضح فيه ملابسات العملية، وفيه أن "ثلاثة صيارفة في حوزتهم عملات عربية مختلفة دخلوا الأراضي اللبنانية بعد الإعلان عنها. وقد تم تبديلها بالدولارات الأميركية في أسواق بيروت ليتم شحنها إلى تركيا".
ودعا المصرف الصيارفة وشركات الصيرفة إلى أن "يكونوا مرخصين بشحن الأموال من قبل مصرف لبنان أو أن يتم شحن هذه الأموال عبر الشركات المرخص لها من المصرف أو التقدم بطلب الترخيص من مصرف لبنان بحسب التعاميم الصادرة عنه للقيام بأعمال الصيرفة وشحن الأموال مع تحرير رأس المال المطلوب للحصول على هذا الترخيص، وعندها لا قيود على المبالغ المشحونة، ولا حاجة لطلب إذن مسبق تبعاً لتعاميم مصرف لبنان القائمة".
ولفت إلى أن "الكل يعلم أنه عند دخول الأسواق اللبنانية عملات عربية ورقية يعاد شحن هذه الأوراق إلى الدول المنشأ للعملة حيث تستبدل بالدولار الأميركي ويعاد شحنها إلى لبنان. إن سوق القطع اللبنانية ستبقى سوقاً حرة في التعامل تبعاً لقوانين وتعاميم مصرف لبنان الحالية. لن يصدر مصرف لبنان أي تعميم جديد في هذا الموضوع".

من جهته، أصدر النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات أمراً بمنع عمليات إخراج الدولارات النقدية دفعة واحدة في حقائب صيارفة وتجار عبر مطار بيروت الدولي والمعابر الحدودية والتي تتم بتصريح عادي معتمد لدى الجمارك اللبنانية، وتم التنسيق مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بحيث ستعمد مديرية الجمارك إلى إخضاع عمليات نقل الأموال إلى أنظمة يعمد مصرف لبنان المركزي إلى تحديدها".

المزيد من العالم العربي