نهاية "انتفاضة لبنانية" شجاعة

القوى السياسية المضادة قادرة على تحويل اللحظة التاريخية إلى فتنة مدمرة

بائعة ورد غلبها النعاس قرب رمز "الثورة" (أ.ب)

ثمة "جولة أولى" من "الانتفاضة اللبنانية" انتهت مع استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، و"جولة ثانية" تلوح في الأفق. ما هي عِبَرُ "الجولة الأولى"؟
- هناك من يُصر، وهو مسرور، على أن لا قائد أو قادة لهذه "الانتفاضة". ويَعُدُّ هذا الواقع قوةً لا ضعفاً، وينتظر مساراً سياسياً، تقوم به السلطة الحالية، لتأتي بعدها مرحلة بروز قادة لهم. والمسار يُختَصَرُ بحكومة مستقلة انتقالية، وانتخابات مبكرة بقانون جديد. إذاً نحن في "انتفاضة" لا "ثورة". فالثورة لا تعوّل على تجاوب السلطة، ولا تثق بوعودها أصلاً، ولا تُمهل. و"الثورة" مضمون سياسي بامتياز، والسياسة تحتاج إلى قادة رأي، وقادة تفاوض، وقادة تنظيم، واختصاراً تحتاج إلى منظمات سياسية تتحول أحزاباً، وبسرعة. الثورة بآلياتها وأدواتها يمكنها أن تدوم، أما "الانتفاضة" الجماعية، فتخدم أسبوعاً أو أسبوعين أو شهراً حداً أقصى.
- بعد أيام من "الانتفاضة" وقع "المنتفضون" في فخ خصومهم. وبات قطع الطرق موازياً للمبادئ وللشعارات السامية. وصارت المعادلة "حق" التظاهر وقطع الطريق، مقابل "حق" التنقل. واضطر "المنتفضون" إلى أن "يبرروا" قطع الطرق بأنه عمل يخدم جميع اللبنانيين، وأن ما يحصل لا يوازي معاناة أربعين سنة "ذل"، وطالبوا منتقديهم بالصبر. "الثورة" لا تُطالِبُ بالصبر، ولا تتوسل.  
- ولأنها "ثورة" بالاسم والتمني، و"انتفاضة" بالواقع، لا يمكنها أن تكفِّر القوى السياسية كلها. لأن لدى هذه القوى، الخبيثة والمستقيمة، أنصاراً وشوارع ويمكنها في لحظة واحدة أن تحول "انتفاضة" وطنية عابرة للطوائف والولاءات السياسية "فتنةً" لأن هناك من شتم زعيماً، أو لم يلعن عدواً. القوى السياسية الخبيثة أظهرت بعض أظفارها وأنيابها، وتحاول ترسيخ عناوين محددة، في ظل الضعضعة بين "المنتفضين": قطع طرق، وتمويل سفارات، وركوب موجات، وشتم زعامات. ألم يقل الأمين العام لـ "حزب الله" انه يملك أسماء ويأتي وقت ويكشفها؟ ألم يقل هناك مؤامرة ويأتي وقت ويفضحها؟ ألم يقل هناك استهداف خارجي لجماعته؟ هو بمغزى خطبه، وبلغته، وبما بين السطور يبدو منزعجاً من "الانتفاضة"، فيما "المنتفضون" يسعون إلى طمأنته. ألم يقل السيد نصر الله قد يأتي يوم ستعجز الدولة عن دفع رواتب الجيش، فيما سيبقى حزبه قادراً على دفع رواتب عناصره؟ "الثورة" في المعتاد تجتاح كل ما في وجهها من عناوين، فلا تتورع عن القول إن قيام "دويلة حزب الله" داخل الدولة، فساد يفوق فساد سارق سرق مليون دولار أميركي مثلاً. "المنتفضون" هربوا إلى الشعارات الاقتصادية لنقمتهم وغضبهم، وهم العالمون أن السياسة المتبعة أصل البلاء، وان العقوبات وهروب الاستثمارات والحصارات العربية وسمعة لبنان الخارجية، عوامل سرّعت الهبوط نحو الهاوية، وطبعاً أكثر من وزير فاشل أو فاسد.
- يردد "المنتفضون" شعار "الدولة المدنية". ألم ينتبه "المنتفضون" إلى أن الأحزاب التي تُنادي بهذا الشعار هذه الأيام، وتحديداً لا حصراً: الحالة العونية، وحركة أمل، وحزب الله...الخ هي أيضاً تقول إن شعارات "الانتفاضة" هي شعاراتها، وهي برغم ما تمارسه من ترهيب عليها، تشكر أحيانا "المنتفضين" لأنهم سيساعدونها في حملتها على الفساد وإحقاق دولة القانون؟ "دولة مدنية" تُنادي بها أحزاب دينية بحت!
- الواعون بين "المنتفضين" يعرفون أن "حكومة عسكرية" يُطالب بها غُلاة وعاطفيون، ليس "ثورة". إذ في المعتاد تقوم الثورات ضد الحكومات العسكرية. ونجاح قيادة الجيش في التعاطي مع ما يحصل على الطرق، يجب ألا تستغله "الانتفاضة"، بشكل استعراضي، حتى لا تزيد في الضغوط السياسية والإحراجات التي تحاصر القيادة العسكرية، وتحاول تشويه الموقف الوطني المسؤول لهذه القيادة، ووضعه في خانة المآرب والمكاسب السياسية.
- من عِبَرِ "الانتفاضة" أنها داوت "الحالة العونية" بالدّاء العوني! في مكان ما، إن لم ينخرط بعض "المنتفضين" العاطفيين من مسلمين ومسيحيين في أحزاب جديدة أو موجودة، فسيتحولون سياسياً "عونيين" صودف أنهم لا يحبون "الحالة العونية". "عونيون" بمعنى الغوغاء، والحقد، وعِقَدِ الاضطهاد، والضحالة الفكرية، وادعاء الطهارة، و"شيطنة" الخصوم.
- لا يمكن "المنتفضين" أن يُطالبوا السلطة بالإسراع وهم يمشون على مهل. من المُلح حمايةً "للانتفاضة" أن تتشكل أحزاب، وجمعيات، ومنظمات سياسية واضحة المعالم وليست رمادية الشعارات. وإلا فما أرادوه "ثورة" يتحول "فورة" تزول أو تضعف أو تصبح حراكاً موسمياً. قبل 51 سنة حصلت "ثورة طلابية" في فرنسا وحصلت فيها تظاهرات أكثر صخباً مما يحصل في لبنان. العام 1968 كاد ديغول، وهو القامة التاريخية، يسقط من قوة الاعتصامات والتظاهرات والتخريب، و"الشحن الفكري" لأساتذة جامعيين. وتحت ضغط الشارع خضع لانتخابات مجلس نواب فرنسي جديد. ولأن "الثورة" غلبت عليها الشعارات والعواطف والأفكار الحالمة، انتهت الانتخابات بفوز ديغولي عظيم!
- اللافت أن قوة هذه "الانتفاضة" تكمن فيها أيضاً عوامل ضعف تجعلها سهلة الاستهداف. فالأساتذة الجامعيون حتى الآن من أبرز الرموز. وعسى ألا نكون أمام تجربة فرنسية جديدة. العام 2002 تنافس الأستاذ الجامعي الاشتراكي ليونيل جوسبان مع جاك شيراك على رئاسة الجمهورية. هذا الأكاديمي الشريف لم يستطع أن يصل إلى الدورة الثانية. وتقدَّم عليه اليميني المتطرف جان ماري لوبن! فرنسا "أُمنا الحنون"، ولا أدري كم من خصال ورثناها من "أمنا". ولكن في المعتاد الأدباء والفلاسفة والمثقفون والأساتذة يلهمون الثورات ويخططون لبرامجها ويشرحون أفكارها. في تاريخنا الحديث قاد كاتب مسرحيات "الثورة المخملية" التي أسقطت الشيوعية في تشيكوسلوفاكيا. وبإشرافه تحولت هذه الدولة جمهوريتين: سلوفاكيا وتشيكا، ولاحقاً ترأس الأخيرة. وفي تاريخنا الحديث قاد عامل في ميناء غدانسك البولوني من عائلة فاليسا، أولى الثورات ضد الاتحاد السوفياتي. عامل في الميناء فتح الباب ليس أمام بولونيا فحسب بل كذلك أمام كل دول أوروبا الشرقية.
- في الختام، ليست المشكلة في نهاية "انتفاضة" شجاعة. المشكلة ماذا بعد "الجولة الأولى"؟

المزيد من تحلیل