الانتفاضة اللبنانية: ثورة خارج التصنيف التقليدي

عانى المواطنون طوال العقود الثلاثة الماضية من سلطة انتقل فيها مركز القرار من الاحتلال السوري الى الهيمنة الإيرانية

تفلّت اللبنانيون من قيود الانقسامات الحزبية السابقة ونزلوا إلى الشوارع من دون حزب قائد أو جبهة سياسية محرِّكة (أ. ف. ب)

لم يشهد لبنان في تاريخه انتفاضة كالتي يعيشها منذ السابع عشر من أكتوبر (تشرين الاول) 2019، لا في شكل انطلاقتها، ولا في تكوينها ولا في أهدافها.

ربما تكون تجربة "المؤتمر" العام من أجل الدفاع عن الاستقلال، التجربة الوحيدة القريبة من الانتفاضة الراهنة، فالـ"مؤتمر" قام في أعقاب اعتقال الانتداب الفرنسي رجالات الاستقلال في مثل هذا الشهر عام 1943، وضم في صفوفه كل الهيئات السياسية والشخصيات العامة تقريباً، وكانت مهمته حماية الحركة الاستقلالية وتأمين حاجات المواطنين المشاركين فيها على الصعد كلها. وانتهى "المؤتمر" بعد سنوات قليلة على قيامه ليدخل لبنان في عصر الصراع على السلطة وتناحر القوى السياسية.

الجبهة الوطنية

لم تنطلق في السنوات والعقود اللاحقة حركات مشابهة للحركة التي واكبت معركة الاستقلال، وإنما كانت هناك جبهات وتحالفات سياسية صريحة في وجه تحالفات وجبهات منافسة. فنشأت الجبهة الوطنية في وجه حكم الرئيس الاستقلالي الأول بشارة الخوري وتمكّنت من إسقاطه، ثم شُكّلت جبهة معادية لحكم الرئيس كميل شمعون وحلفائه، فنشبت حرب أهلية مصغرة (1958) انتهت بتدخل الأميركيين والرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر، وعشية الحرب الأهلية في 1975، صعدت "الحركة الوطنية" وفي مواجهتها "الجبهة اللبنانية" واستمرت صيغة الصراع السياسي والعسكري تحت لافتتهما، إلى حين دخول الرئيس الحالي الجنرال ميشال عون الصورة، فتغيرت الأسماء وتواصل الصدام حتى ما بعد إقرار اتفاق الطائف وقبول غالبية الطاقم السياسي به.

من الاحتلال السوري إلى الهيمنة الإيرانية

وفي زمن اتفاق الطائف، اتخذ الصراع أشكالاً جديدة وتوغّل الاحتلال السوري في مفاصل البلد ونظامه السياسي، فيما كان الاحتلال الإسرائيلي يحاول توطيد حضوره في الجنوب. ولَم تتمكن صيغة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال من جمع كلمة اللبنانيين، وعندما انسحب الإسرائيليون عام 2000، كرّس حزب الله الموالي كلياً لإيران، طرفاً مسلحاً وحيداً في لبنان بعد حل الميليشيات كلها وتسليم سلاحها إلى الدولة، وسرعان ما بات دولة داخل الدولة ضمن المشروع الإيراني الأكبر الذي تحوّل بعد الغزو الأميركي للعراق إلى مشروع إمبراطوري، لا يخجل من إعلان هيمنته على أربع عواصم عربية: بغداد ودمشق وبيروت وأخيراً صنعاء.

عانى اللبنانيون طوال العقود الثلاثة الماضية من سلطة انتقل فيها مركز القرار من الاحتلال السوري إلى الهيمنة الإيرانية، وإلى جانب إحساسهم بفقدان بلدهم قراره المستقل، تدهورت أوضاعهم المعيشية باضطراد وتعمّقت الهوة بينهم وبين قوى سياسية متحكّمة يقودها حزب مسلح، أرست نظاماً فاسداً يقوم على الزبائنية والرشوة والفساد والإفقار ويتعرض لحصار وعقوبات عربية ودولية نتيجة سياسات مفروضة عليه، جعلته في موقع متصادم مع العمق العربي والامتداد الدولي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جاءت الانتفاضة الراهنة رداً عميقاً على كل ما تقدّم. تفلّت اللبنانيون من قيود الانقسامات الحزبية السابقة ونزلوا إلى الشوارع من دون حزب قائد أو جبهة سياسية محرِّكة، فكان ذلك سبباً في قوتهم وقدرتهم على الاستمرار. لم يعد الخصم طرفاً بعينه، بل منظومة حاكمة بأكملها، وليس لدى الجموع قائد يجري التصويب عليه فيُضرب وتوأد حركة الاحتجاج. والحركة هذه بقدر ما ترفع شعارات بسيطة من نوع أننا نريد "بلداً نظيفاً تحكمه المؤسسات والقانون"، بقدر ما تستبطن رفضاً لنظام قام على سلطة الدويلة على الدولة، يستسهل إبقاء نظام القمع والتجويع والرشوة على أنواعها.

شريك في الثورة

تمكّن حزب الله في مايو (أيار) 2008 من احتلال بيروت ووضع بداية نهاية فريق "14 آذار" الاستقلالي الذي قام رداً على اغتيال الرئيس رفيق الحريري. أنجز الحزب مهمته تلك، لأنه جعل من ذلك الفريق طرفاً سياسياً محدَّداً يخاصمه على المستويات الطائفية والمذهبية والسياسية، إلاّ أنّه فشل في محاولاته ضرب الانتفاضة الشعبية اللبنانية الحالية لأنها خارج تصنيفاته، فهي شيعية أيضاً إلى جانب كونها عابرة لجميع الطوائف، وهي- خصوصاً- شبابية تسبق في مفاهيمها الكهوف التي يأوي إليها الحزب وشركاؤه ويحتمون فيها، وهي أيضاً عالمية، جعلت الشعب اللبناني المهاجر بسبب حكّامه، شريكاً في الثورة المستمرة.

المزيد من الشرق الأوسط